الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الإنترنت ما وراء الشاشة (٢/٢)..استمرارية الاتصال واختبار جاهزية الدول

د. محمد عبدالرحيم يسن




digital.start23@gmail.com
في المقال السابق تناولنا البنية التحتية التي تقف خلف شبكة الإنترنت، وانتقلنا عبر مسارات الاتصال التي تربط القارات والدول، وفي هذه الحلقة نتوقف عند جانب لا يقل أهمية، وهو استمرارية هذه الشبكة، وما يترتب على انقطاع أحد مساراتها أو تعطل بعض مكوناتها، ومدى استعداد الدول لمواجهة مثل هذه الحالات.
اليوم أصبح الإنترنت جزءا من البنية الأساسية للاقتصاد والخدمات العامة، فالمصارف تعتمد عليه في تنفيذ معاملاتها، والمستشفيات في تشغيل أنظمتها، والمطارات في إدارة عملياتها، والمؤسسات الحكومية في تقديم خدماتها، كما ترتبط به أنشطة التجارة والتعليم والاتصالات. ولذلك فإن انقطاع الاتصال قد يتجاوز صعوبة الوصول إلى المواقع والتطبيقات، ليؤثر في حركة الأعمال والخدمات التي يعتمد عليها المواطن والمؤسسات.
عند انقطاع كابل بحري، يتوقف مسار الاتصال الذي كان ينقل البيانات عبره، وقد تتولى مسارات أخرى نقل جزء من الحركة إذا كانت متاحة ومهيأة لذلك. وقد يلاحظ المستخدم بطئا في الاتصال أو تراجعا في جودة الخدمة، بينما قد تتوقف بعض الخدمات الدولية إذا لم تتوفر لها مسارات بديلة، ويتوقف حجم التأثير على طبيعة الشبكة، وعدد منافذ الاتصال، ومدى استعداد شركات الاتصالات لتحويل حركة البيانات إلى مسارات أخرى.
وقد شهد العالم حوادث من هذا النوع، تسببت في اضطراب خدمات الإنترنت في دول ومناطق متعددة، وتتعرض الكوابل البحرية للأعطال نتيجة مراسي السفن وأنشطة الصيد والحوادث البحرية، إضافة إلى الزلازل والانزلاقات الأرضية تحت سطح البحر. وتشير التقديرات الدولية إلى تسجيل نحو ١٥٠ إلى ٢٠٠ عطل في الكوابل البحرية سنويا، وهي أعطال تتفاوت آثارها بحسب موقعها والبدائل المتاحة.
أما المنظومات الفضائية، فإن تعطل أحد أقمارها أو محطاتها الأرضية قد يؤثر في نطاق الخدمات المرتبطة بها، وقد تتسع آثار العطل إذا كانت المنطقة تعتمد على منظومة محدودة. كما يمكن أن تتأثر الاتصالات الفضائية بالتداخل الراديوي وبعض الظروف الجوية، وتواجه الأقمار الصناعية مخاطر تتعلق بالأعطال الفنية والظواهر الشمسية.
تتعامل الدول مع هذه المخاطر من خلال بناء مسارات اتصال بديلة، وتوزيع نقاط الربط على مواقع جغرافية مختلفة، وربط الشبكات الدولية عبر أكثر من اتجاه. كما تعمل المؤسسات على توفير نسخ احتياطية من بياناتها، وتجهيز مراكز تشغيل بديلة، ووضع خطط تضمن استمرار الخدمات الأساسية عند وقوع الأعطال. فالمعيار المهم ليس غياب الانقطاع تماما، وإنما قدرة الشبكة والمؤسسات على احتواء أثره واستعادة الخدمة في وقت مناسب.
ومن الأدوات المهمة في تعزيز استمرارية الاتصال وجود نقاط تبادل الإنترنت داخل الدول، فهي تتيح لشركات الاتصالات ومزودي الخدمة تبادل حركة البيانات المحلية مباشرة، دون الحاجة إلى تمريرها عبر شبكات دول أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا كان المستخدم في السودان يتصفح موقعا مستضافا داخل السودان، وكانت شبكته وشبكة استضافة الموقع مرتبطتين بنقطة تبادل محلية، فإن البيانات يمكن أن تنتقل داخل البلاد، ولا يحتاج أن يخرج خارج السودان، وهذا يقلل الاعتماد على المسارات الدولية، ويدعم استمرار الوصول إلى الخدمات والمحتوى المحلي عند تعطل بعض منافذ الاتصال الخارجية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، نتيجة الظروف التي نمر بها بالإضافة الى أرتباطنا بعدة كوابل بحرية تصل إلى محطات إنزال في بورتسودان، وتوفر منافذ للاتصال الدولي. غير أن تمركز هذه المحطات في منطقة جغرافية واحدة يطرح مسألة تفعيل نقاط تبادل البيانات ضروريا،حتى لا تتأثر حركة الاتصال عند وقوع عطل في منطقة محددة.
ومن التجارب السودانية التي تستحق التوقف عندها مشروع نقطة تبادل الإنترنت، الذي أنشأه المركز القومي للمعلومات في أغسطس ٢٠١٠م، وفاز بجائزة القمة العالمية لمجتمع المعلومات في جنيف عام ٢٠١٢م. وقد استهدف المشروع تمكين شبكات الاتصالات ومزودي الخدمة من تبادل حركة البيانات المحلية داخل السودان، وهذه التجربة تمثل رصيدا وطنيا ينبغي البناء عليه.
وفي اعتقادي ان نقطة تبادل الإنترنت إلى تحتاج إلى عناية وتفعيل وتوسيع مشاركة شركات الاتصالات ومزودي الخدمة والمؤسسات ذات الصلة، مع تشجيع استضافة المواقع والتطبيقات وقواعد البيانات داخل البلاد. ووفقا لبيانات جمعية الإنترنت العالمية المنشورة في عام ٢٠٢٦م، توجد في السودان نقطة تبادل واحدة تضم أربعة أعضاء، مقابل خمس نقاط ثلاث في مصر على سبيل المقارنة، وتعكس هذه الأرقام مجالا متاحا لتوسيع المشاركة وتطوير تبادل حركة البيانات المحلية.
إن استمرارية الإنترنت في السودان تحتاج إلى رؤية ثاقبة، تتضمن تنويع منافذ الاتصال الدولي، وتطوير الربط الأرضي، وتعزيز نقطة تبادل الإنترنت، وتشجيع إنشاء مراكز البيانات المحلية، ووضع خطط لاستمرار الخدمات الحكومية والمصرفية والاتصالات في حالات الطوارئ، كما يتطلب ذلك تنسيقا مستمرا بين الجهات الحكومية وشركات الاتصالات والمؤسسات المشغلة للبنية التحتية.
ما أحوجنا اليوم في السودان في البناء على تجاربنا السابقة في هذا المجال، فالانترنت أصبحت بنية أساسية تستحق الحماية والاستثمار…

اترك رد