
منذ استقلال السودان في الأول من يناير 1956م، تعاقبت على حكم البلاد أنظمة مدنية وعسكرية، وتبدلت الدساتير والمواثيق السياسية، وتعددت الثورات والانقلابات واتفاقيات السلام، بينما ظلت الأزمات الكبرى تتجدد بأشكال مختلفة، حتى بلغت ذروتها في الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023م. وتطرح هذه التجربة الممتدة سبعة عقود سؤالاً يتجاوز مسؤولية الحكومات والقيادات المتعاقبة إلى طبيعة الدولة السودانية نفسها: لماذا أخفقت التحولات السياسية المتكررة في تحقيق استقرار مستدام؟ وهل تكمن جذور الأزمة في الصراع على السلطة، أم في اختلالات تأسيس الدولة التي جعلت ذلك الصراع قادراً على تهديد وجودها ووحدتها؟
ورث السودان عند استقلاله جهازاً إدارياً ومؤسسات حكم تشكلت خلال الحقبة الاستعمارية، وكانت تؤدي وظائف محددة في إدارة البلاد، لكنها نشأت وفق متطلبات الحكم الاستعماري، دون أن تستند إلى توافق وطني شامل حول طبيعة الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين مكوناتها. وقد انتقلت السلطة إلى النخبة الوطنية قبل اكتمال التسويات الدستورية والسياسية اللازمة لإدارة بلد واسع المساحة، متعدد الأعراق والثقافات والأديان، ومتفاوت الموارد ومستويات التنمية. وهكذا بدأت الدولة المستقلة مسيرتها وهي تحمل أسئلة تأسيسية مؤجلة تتعلق بالهوية والمواطنة وتوزيع السلطة والثروة والعلاقة بين المركز والأقاليم.
وكان من أبرز مظاهر هذا الخلل أن الاستقلال السياسي سبق اكتمال البناء الدستوري للدولة. فقد اعتمد السودان دستوراً مؤقتاً عند الاستقلال، ثم تعثرت محاولات إقرار دستور دائم يحظى بتوافق وطني واسع. وأصبحت قضايا نظام الحكم والعلاقة بين السلطات والحقوق الأساسية وتوزيع الاختصاصات موضع تجاذب سياسي متواصل. ومع انقلاب نوفمبر 1958م، دخلت البلاد أولى تجارب الحكم العسكري بعد الاستقلال، لتتعاقب بعدها تجارب سياسية ودستورية مختلفة، تخللتها انقلابات وانتفاضات وانتقالات مدنية، دون أن تنجح البلاد في ترسيخ قواعد مستقرة للحكم تحظى بقبول وطني واسع وتصمد أمام تغير موازين القوة.
وتكشف هذه التجربة أن الصراع على السلطة تحول تدريجياً إلى أحد العوامل الرئيسية التي أعاقت استكمال بناء الدولة. فقد انشغلت القوى السياسية المتعاقبة بتحديد من يحكم، وكيف يصل إلى الحكم، وكيف يحتفظ به، بينما تراجعت الأسئلة المتعلقة ببناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والعمل بكفاءة بصرف النظر عن هوية الحاكم. وأدى ذلك إلى ارتباط مؤسسات عديدة بموازين النفوذ السياسي، وتكرار محاولات إعادة تشكيلها وفقاً لمصالح الأنظمة والتحالفات المتعاقبة، مما أضعف تراكم الخبرة المؤسسية واستقرار السياسات العامة.
وتبرز هنا إحدى أكثر مفارقات التجربة السودانية خطورة، وهي العلاقة المتبادلة بين ضعف الدولة وتضخم السلطة. فكلما ضعفت المؤسسات وتراجعت استقلاليتها، اتسعت قدرة السلطة الحاكمة على التحكم في التعيينات والموارد والقرارات العامة، وكلما تركزت هذه الصلاحيات في أيدي الأفراد والشبكات السياسية والاقتصادية، تراجعت فرص بناء مؤسسات تخضع للقانون وتعمل وفق قواعد ثابتة. وبهذا نشأت دائرة يغذي فيها ضعف الدولة تضخم السلطة وتشوهها، ويعيد تضخم السلطة إنتاج ضعف الدولة، حتى أصبحت السيطرة على الحكم لدى بعض القوى المتنافسة مدخلاً للاحتفاظ بالنفوذ والامتيازات، وأصبح الإصلاح المؤسسي الحقيقي مهدداً لمصالح نشأت واستقرت في ظل هذا الاختلال.
وقد أسهمت النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية، بدرجات متفاوتة وفي مراحل تاريخية مختلفة، في استمرار هذه الدائرة. فالأحزاب التي طالبت بالديمقراطية عجز بعضها عن ترسيخ الممارسة الديمقراطية داخل مؤسساتها، والأنظمة العسكرية التي رفعت شعارات الاستقرار والإصلاح توسعت في إدارة المجال السياسي، بينما استفادت شبكات مصالح اقتصادية من ضعف الرقابة وتداخل السلطة بالثروة. ومع مرور الوقت، نشأت لدى بعض هذه القوى مصالح ترتبط باستمرار هشاشة المؤسسات، لأن استقلالها وخضوعها للمساءلة يحدان من قدرتها على التحكم في القرار العام وتوزيع الموارد. وهكذا أصبح الإصلاح الذي ترفعه النخب شعاراً موضع مقاومة عندما يقترب من الامتيازات التي تستند إليها قوتها ونفوذها.
وتكشف تجارب الانتقال عقب ثورتي أكتوبر 1964م وأبريل 1985م، ثم بعد التغيير السياسي في أبريل 2019م، عن صعوبات متكررة في تحويل التحولات الكبرى إلى ترتيبات دستورية ومؤسسية مستقرة. وقد اختلفت ظروف هذه التجارب وأسباب تعثرها، كما تفاوتت مسؤوليات القوى المشاركة فيها، لكنها أظهرت أثر الانقسامات السياسية وضعف التوافق على قواعد إدارة الدولة. وأصبح الانتقال السياسي في كثير من الأحيان مرحلة لإعادة توزيع السلطة بين القوى المتنافسة، بينما ظلت الإصلاحات المؤسسية الضرورية عرضة للتأجيل والتجاذب، بما أضعف قدرة التحولات السياسية على إحداث تغيير مستدام في بنية الحكم.
وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية إحدى أبرز إشكاليات البناء الوطني. فقد تكررت الانقلابات في ظل أزمات الحكم المدني، وتعثر الانتقال الديمقراطي في ظل ضعف التوافق السياسي وغياب الضمانات المؤسسية المستقرة. وأسهم هذا التداخل في جعل القوات المسلحة طرفاً متكرراً في إدارة السلطة، رغم أن وظيفتها الدستورية الأصيلة تتمثل في حماية الدولة وسيادتها وأمنها. وتؤكد التجربة أن بناء دولة مستقرة يتطلب مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ومحترفة، ونظاماً سياسياً قادراً على ممارسة الحكم وإدارة الخلافات ضمن قواعد دستورية ملزمة، مع تحديد واضح للاختصاصات والمسؤوليات يمنع تداخل الوظائف ويصون وحدة المؤسسات.
وتأتي قضية احتكار الدولة للقوة المسلحة في صميم هذه الإشكالية. فقد أدى امتداد النزاعات الداخلية، وتعدد الحركات المسلحة، والاعتماد على تشكيلات عسكرية موازية خارج البناء النظامي المتكامل، إلى إضعاف وحدة المنظومة الأمنية والعسكرية. وبلغ هذا الخلل مرحلة كارثية عندما تحول التنافس بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى حرب واسعة النطاق. وتكشف هذه التجربة عن خطورة السماح بنشوء مراكز متعددة للقوة العسكرية تتمتع بقيادات وموارد وولاءات مستقلة، وعن مسؤولية القرارات السياسية والأمنية التي سمحت بتكوين هذه البنى وتوسعها واستمرارها. فاحتكار الدولة للقوة المنظمة، ضمن أحكام الدستور والقانون والرقابة المؤسسية، يمثل أحد الشروط الأساسية لبقائها وقدرتها على حماية المجتمع.
أما العلاقة بين المركز والأطراف، فقد ظلت من أكثر القضايا التأسيسية تعقيداً. إذ ارتبطت النزاعات في مناطق مختلفة بمطالب المشاركة السياسية والتنمية والتمثيل العادل والاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي، وتفاقمت بفعل اختلالات الإدارة وتفاوت الفرص والخدمات. وقد أسهم تركيز السلطات الإدارية والمالية في المركز، وضعف قدرة الأقاليم على إدارة مواردها وتحديد أولوياتها التنموية، في تعميق الشعور بالتهميش وإضعاف فاعلية الحكم المحلي. وتعاقبت المعالجات الأمنية والسياسية واتفاقيات السلام دون أن تحقق بصورة مستدامة التسويات المطلوبة. وتؤكد هذه التجربة أهمية بناء نظام للحكم يحدد الاختصاصات والمسؤوليات بوضوح، ويوزع الموارد بعدالة، ويمنح مستويات الحكم الإقليمي والمحلي صلاحيات فعلية تخضع للمساءلة، مع ترسيخ المواطنة أساساً للحقوق والواجبات والحفاظ على وحدة الدولة.
وتتضح أبعاد الأزمة بصورة أعمق عند النظر إلى الاقتصاد السياسي للحكم. فقد أسهم التفاوت التنموي، وضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد المتزايد على الموارد الريعية، وتداخل المصالح الاقتصادية بالسلطة، في تحويل مؤسسات الدولة إلى ساحة للتنافس على الموارد والامتيازات. ومع تراجع كفاءة الإدارة العامة وضعف الرقابة والمساءلة، أصبحت السيطرة على مواقع القرار في مراحل مختلفة وسيلة للتأثير في توزيع الفرص الاقتصادية ومصادر النفوذ. وأسهم هذا الواقع في نشوء مصالح تستفيد من استمرار الاختلال المؤسسي، مما جعل الإصلاح الاقتصادي والإداري مرتبطاً بإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والثروة، وإخضاع الموارد العامة لقواعد الشفافية والمحاسبة.
ولعل انفصال جنوب السودان في عام 2011م يمثل أحد أبرز الشواهد التاريخية على الكلفة الباهظة لتعثر معالجة القضايا التأسيسية. فقد انتهى نزاع طويل إلى انفصال الجنوب عقب الاستفتاء المنصوص عليه في اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، بعد عقود من الصراع حول الحكم والهوية والمشاركة والموارد. ورغم خصوصية القضية الجنوبية وتعقيداتها التاريخية والإقليمية، فإن دلالتها الكبرى تكمن في أن استمرار الاختلالات البنيوية، وتعثر بناء تسويات وطنية مستدامة، قد ينقل الأزمات من نطاق التنافس السياسي إلى مستوى يهدد وحدة الدولة نفسها.
ومن خلال هذه التجارب، يتضح أن الأزمة السودانية نشأت من تفاعل اختلالات تأسيسية موروثة مع إخفاقات سياسية ومؤسسية متجددة. فقد أتيحت فرص متعددة للإصلاح، وأهدرت بعض هذه الفرص بفعل الصراعات الحزبية والانقلابات والاستبداد والفساد وتغليب المصالح الضيقة. كما ارتبط ضعف المؤسسات في بعض المراحل بخيارات سياسية جعلت الولاء مقدماً على الكفاءة، والتمكين مقدماً على الحياد المؤسسي، والسيطرة على أجهزة الدولة مقدمة على استقلالها. وهكذا تحولت مشكلات كان يمكن معالجتها عبر إصلاحات متدرجة إلى أزمات متراكمة بلغت حد تهديد بقاء الدولة، وأصبح الصراع على السلطة عاملاً يعمق الاختلالات التي نشأ في ظلها.
وتفرض الحرب الحالية مراجعة أكثر عمقاً لمفهوم إعادة بناء الدولة. فاستعادة السيطرة على الأراضي، وإنهاء التمرد، وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات، وإعمار ما دمرته الحرب، تمثل ضرورات عاجلة لاستعادة الأمن والحياة الطبيعية. غير أن ضمان عدم تكرار المأساة يتطلب الانتقال من معالجة آثار الحرب إلى معالجة الأسباب التي جعلت الدولة عرضة للأزمات المتكررة. وتبرز هنا ثلاثة مسارات مترابطة: استعادة الدولة ببسط سلطتها القانونية وحماية أراضيها ومواطنيها، وإصلاح مؤسساتها بما يعزز كفاءتها واستقلاليتها، وإعادة تأسيس قواعد الحكم عبر توافق وطني مستدام حول الدستور وتوزيع السلطات وحدود استخدام القوة وضمانات الحقوق والمواطنة والمشاركة السياسية.
ويحتاج السودان إلى مشروع وطني يجمع بين هذه المسارات، ويحافظ على استمرارية الدولة ووحدة مؤسساتها، ويعالج الاختلالات التي أعاقت استقرارها. ويتطلب ذلك إرادة سياسية تتجاوز حسابات السلطة المباشرة، وتوافقاً على قواعد الحكم يسبق التنافس على مواقعه، وإصلاحاً للخدمة المدنية والأجهزة الرقابية والقضائية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، وتحصين المؤسسة العسكرية من الاستقطاب السياسي والتشكيلات الموازية. وتظل قوة الدولة مرتبطة بقدرة مؤسساتها على تطبيق القانون بعدالة، وحماية الحقوق، وإدارة الموارد بكفاءة، والاستمرار في أداء وظائفها مهما تغيرت الحكومات والتحالفات السياسية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه البلاد بعد هذه الحرب هو أن تنجح في استعادة مؤسساتها ومرافقها، ثم تعود إلى إدارة الدولة بالعقلية السياسية ذاتها التي أسهمت في تعثرها طوال العقود الماضية. فقد أثبت التاريخ السوداني أن تغيير الحكومات، وتعدد الثورات، وتعاقب الاتفاقيات والتسويات، لم يكن كافياً لتحقيق الاستقرار ما دامت الاختلالات التي تعيد إنتاج الأزمات قائمة. ومن هنا تبرز المسؤولية التاريخية للقوى الوطنية في بناء توافق يحمي الدولة من تقلبات السلطة، ويجعل الإصلاح المؤسسي التزاماً مستمراً تتوارثه الحكومات، وتخضع له جميع القوى السياسية والعسكرية.
إن السودان يحتاج إلى حسم سؤال الدولة قبل استئناف الصراع على السلطة داخلها، وإلى مراجعة شاملة للأسس التي يقوم عليها الحكم، بعد أن كشفت التجربة أن الأزمات المتعاقبة كانت في جانب كبير منها نتاجاً لاختلال العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع. وقد تكون المأساة الراهنة فرصة تاريخية لبناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف وحماية الوحدة الوطنية، ووضع حد للدائرة التي ظلت تعيد إنتاج الصراع عبر الأجيال. فالمستقبل الذي يستحقه السودان يبدأ عندما تصبح الدولة أقوى من السلطة، والمؤسسات أبقى من الحكومات، والمصلحة الوطنية أسمى من مصالح المتنافسين على الحكم.



