
عندما تشتعل الحروب، لا تجد كل العواصم محايدة، كما أن كل الأصوات لا تتحدث بالقدر نفسه من الحقيقة. فالصراعات المعاصرة لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تدور في ميادين القتال بين خصوم متقابلين، وإنما أصبحت منظومات معقدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإعلامية والدبلوماسية والأمنية. وفي هذا المشهد تتحول بعض المدن إلى ممرات للإمداد ومراكز للتخطيط ومنصات للتأثير، بينما تتحول بعض الألسنة إلى أدوات لإنتاج السرديات وتوجيه الرأي العام وتجميل الوقائع أو إخفائها. وخلف كثير من الحروب تمتد شبكات واسعة من المصالح والتحالفات والأدوار المتداخلة؛ من يمول ويدرب ويسلح ويسهل الحركة، ومن يوفر الغطاء السياسي والإعلامي، ومن يتولى إعادة صياغة الرواية بما يخدم أهدافاً محددة. ومن هذا المنظور يمكن قراءة جانب مهم من الحرب الدائرة في السودان، بوصفها صراعاً تجاوز حدود الجبهات العسكرية ليمتد إلى فضاءات السياسة والإعلام والعلاقات الإقليمية، حيث تتقاطع أدوار العواصم مع أدوار السرديات في التأثير على مسار الحرب ومآلاتها.
ومن يراقب الحرب الدائرة في السودان خلال السنوات الماضية يدرك أنها لم تكن مجرد مواجهة داخلية بين طرفين سودانيين، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية معقدة. فالسودان بحكم موقعه الجغرافي وثرواته وامتداداته الإقليمية ليس دولة هامشية في حسابات المنطقة، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول أزمته إلى مجال مفتوح لتدخلات متعددة، بعضها ظاهر وبعضها يجري خلف الستار.
وفي هذا السياق برزت مجموعة من العواصم والمدن الإقليمية التي ارتبط اسمها بمسارات الدعم والإسناد السياسي واللوجستي والإعلامي المرتبط بالحرب. وفي مقدمة هذه العواصم تبرز أبوظبي التي تحولت، في نظر قطاع واسع من السودانيين، إلى عاصمة عواصم التآمر على السودان، بحكم ما ارتبط باسمها من اتهامات متكررة تتعلق بدعم المليشيا وتوفير أشكال مختلفة من الإسناد السياسي والمالي واللوجستي.
وإلى جانبها برزت مدن أخرى أصبحت محطات معروفة ضمن شبكات الحركة والإمداد والاتصال، مثل بربرة وبوصاصو في الصومال، وأديس أبابا وأصوصا في إثيوبيا، وكمبالا في يوغندا، ونيروبي في كينيا، وجوبا في جنوب السودان، وبانغي وأم دافوق في أفريقيا الوسطى، وإنجمينا وأبشي وأدري والطينة في تشاد، والكفرة وبنغازي في ليبيا.
وما يجمع بين هذه العواصم والمدن ليس الموقع الجغرافي ولا الانتماء الإقليمي، وإنما الوظيفة التي أدتها في سياق الحرب. فبعضها وفر الممرات وخطوط العبور، وبعضها وفر المنصات السياسية والإعلامية، وبعضها وفر الغطاء الدبلوماسي أو البيئات اللوجستية اللازمة لاستمرار الحركة والإمداد، بينما أسهم بعضها الآخر في إعادة إنتاج السرديات التي حاولت تفسير الحرب أو تبرير بعض أطرافها. وعندما تتكامل هذه الوظائف داخل شبكة واحدة، يصبح من الصعب النظر إلى ما يجري باعتباره نزاعاً سودانياً داخلياً صرفاً، لأن جزءاً مهماً من عناصر استمراره وانتشاره وتأثيره بات مرتبطاً ببيئات تقع خارج الحدود السودانية. وهنا تبرز صورة أكثر تعقيداً للحرب؛ شبكة متداخلة من التمويل والإمداد والتدريب والحركة السياسية والإعلامية والدعم الدبلوماسي، تعمل بدرجات متفاوتة وفي اتجاهات مختلفة، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة تتمثل في التأثير على مسار الصراع ومآلاته.
ومن ثم فإن قراءة الحرب السودانية تقتضي النظر إلى ما يجري داخل الحدود وخارجها معاً، فالتأثير في مسار الصراع لم يعد مقتصراً على ساحات القتال، وإنما تشارك فيه أيضاً مسارات السياسة والإعلام والدبلوماسية وشبكات الدعم والإسناد التي تعمل بعيداً عن الميدان المباشر.
ولم تقتصر أدوار هذه الشبكات على الدعم المادي واللوجستي وحده. فكما أن لها عواصم وممرات وخطوط إمداد، فإن لها أيضاً ألسنة تتحدث باسمها وتدافع عنها وتعيد إنتاج خطابها. وهذه الألسنة لا تحمل السلاح، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً منه أحياناً، لأنها تسعى إلى تشكيل الوعي العام وصناعة التصورات وتوجيه الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.
وقد برز خلال هذه الحرب عدد من الأصوات والشخصيات والقوى السياسية التي انخرطت، عن قصد أو عن غير قصد، في ترويج سرديات يرى كثير من السودانيين أنها لا تعكس حقيقة ما جرى في البلاد. ومن بين هذه الأصوات شخصيات دولية وإقليمية، إلى جانب قيادات ورموز تحالفات وقوى سياسية مختلفة، بما في ذلك بعض رموز “صمود” و”تأسيس” و”قحت”، فضلاً عن قيادات مليشيا الدعم السريع نفسها.
وتكمن خطورة هذه السرديات في أنها لا تكتفي بتقديم قراءة مختلفة للأحداث، فهذا حق مشروع في أي نقاش سياسي، وإنما تتجاوز ذلك أحياناً إلى محاولة إعادة تعريف الوقائع نفسها. فهي تسعى إلى المساواة بين الدولة والمليشيا، وبين المؤسسة الوطنية والتنظيم المسلح، وبين من يدافع عن وحدة الدولة ومن يعمل على فرض وقائع موازية بقوة السلاح. كما تسعى إلى اختزال الأزمة السودانية في خلاف سياسي حول السلطة، بينما يتجاوز الواقع ذلك إلى صراع يتعلق ببقاء الدولة نفسها ووحدة أراضيها ومؤسساتها وسيادتها الوطنية.
ولعل أخطر ما في هذه السرديات أنها تحاول أحياناً نقل النقاش من سؤال المسؤولية عن الحرب إلى سؤال تقاسم السلطة بعد الحرب، ومن قضية حماية الدولة إلى قضية إعادة توزيع المناصب، ومن معركة السيادة الوطنية إلى صراع سياسي محدود الأفق. وهنا يصبح التضليل جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون أداة لفهمها.
وخلال هذه الحرب اتضح أن بعض السرديات كانت تؤدي وظيفة لا تقل أثراً عن وظيفة السلاح نفسه، وأن تضليل الرأي العام قد يطيل عمر الحروب كما تفعل خطوط الإمداد والذخائر. فالحرب تبدأ أحياناً ببندقية، لكنها تستمر غالباً بسردية تبررها أو تغطي عليها أو تمنع الناس من رؤية حقيقتها كاملة. ولهذا أصبحت معركة الرواية جزءاً أصيلاً من معركة الميدان، وأصبح الصراع على الوعي لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض.
ومن هنا فإن معركة السودان ليست معركة عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي وإدراك وسيادة وطنية. وهي معركة تتطلب من السودانيين التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المواقف الوطنية والمصالح العابرة للحدود، وبين النقد المشروع ومحاولات تزييف الوقائع، وبين من يعمل من أجل السودان ومن يوظف أزمته لخدمة أجندات أخرى.
وما بين عواصم التآمر وألسنة الكذب والخداع، يبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين، شعباً ومؤسسات، هو حماية دولتهم ووحدتها وسيادتها، وصون روايتهم الوطنية من محاولات التزييف والتشويه. فهذه الحرب لم تترك آثارها على الجغرافيا والبنية التحتية والاقتصاد فحسب، وإنما امتدت إلى الوعي العام وإدراك الناس لطبيعة ما جرى وأسبابه وغاياته. ومن هنا تبرز أهمية الحقيقة بوصفها أحد ميادين الصراع الرئيسية، وأحد شروط التعافي الوطني في مرحلة ما بعد الحرب. وحين يمتلك السودانيون روايتهم المستندة إلى الوقائع، ويحافظون على بوصلتهم الوطنية وسط ضجيج الدعاية والمصالح المتشابكة، يصبح الطريق أكثر وضوحاً نحو استعادة الدولة وترميم ما أفسدته الحرب.
وقد تتوقف المعارك العسكرية يوماً، لكن آثار السرديات المضللة تبقى أطول عمراً ما لم تُواجه بالوعي والحقيقة والذاكرة الوطنية. فالمعركة على الأرض تمضي إلى نهاياتها، أما المعركة على الوعي والذاكرة الوطنية فستبقى حاضرة ما بقيت هناك عواصم تتآمر وألسنة تضلل وسرديات تُصاغ لخدمة غير السودان.
الإثنين 8 يونيو 2026م



