
قال الإمام علي بن أبي طالب: «المرء مخبوء تحت لسانه»، وقال الفيلسوف اليوناني سقراط: «تكلم حتى أراك».
تحدث الأستاذ أحمد محمد هارون إلى الزميل ربعي سراج في بودكاست السودان، حتى أسمعت كلماته من به صمم، واستولت على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنما يُكتشف الرجل للمرة الأولى، وهو الذي ظل في عين الشمس ما يقارب العقود الأربعة، متقلباً في مواقع المسؤولية خلال حكم الإنقاذ.
تحدث عن الماضي، وعن الجاري، واستطال حديثه عن المستقبل. وإذا كان الماضي والحاضر مشهودين عند الناس؛ فالماضي تاريخ معلوم، والحاضر نار تكتوي بها البلاد منذ تمرد قوات الدعم السريع ومحاولتها الانقلابية في الخامس عشر من أبريل 2023م، فإن المستقبل ظل شيئاً مبهماً مجهولاً، عجز العقل السياسي السوداني عن رسم خطوطه، وتصور الصيرورة إليه.
وقد حاول هارون في هذا الحوار أن يجرّنا من الاحتباس في سجن الماضي وآلام الحاضر إلى التفكير في المستقبل. ويبدو أن ذلك مكسب ناله من إكراهات السجن الذي قرر التطبيع معه، حسب قوله، بل والاستمتاع به، كما أشار؛ إذ عكف على قراءات موسعة وتأملات معمقة، وخاصة في العلاقة بين الجيش والسياسة، التي ظلت تشكل دورة جهنمية خبيثة: يخرج الجيش من السياسة بالنافذة ليعود إليها من الباب.
ولم يكن ذلك دائماً مجرد انتهاز لضعف الحكم المدني حين ينتصب عجزه مهدداً للأمن القومي، ولا فقط استجابة لشهوة عسكرية جامحة إلى السلطة؛ بل كثيراً ما كان أيضاً استجابة لتدبير مدني، تهرب به الأحزاب من استحقاقات فشلها في إدارة الصراع السياسي، فتستدعي المؤسسة العسكرية لحسم ما عجزت عن حسمه داخل مؤسساتها وأطرها السياسية.
وقد عجبت للغرق في جدل الماضي، فيما ذكره هارون، والانصراف عن أهم ما جاء في حديثه؛ وبخاصة فكرتان جديرتان بالانتباه، والنقاش المستفيض، والتداول العميق. فقد حاول بهما تجاوز أعراض الأزمة ومظاهرها، ونقل النقاش إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني دولة لا يحتاج فيها الجيش إلى الانقلاب على السلطة المدنية، ولا تحتاج فيها القوى المدنية إلى الاستقواء بالخارج أو الشارع لإبعاد الجيش عن السلطة؟
لقد اختزلت عبارته الوجيزة البليغة: «كلما خرج الجيش من النافذة عاد من الباب» المأزق التاريخي، لكنها تضعنا أمام سؤال لا يقل أهمية: لماذا ظل الجيش قادراً على العودة؟ هل لأن المؤسسة العسكرية تمتلك قوة السلاح وحدها، أم لأن بنية النظام الحزبي والاقتصاد السياسي لم تنجح في إنتاج نظام مدني مستقر وقادر على الحكم؟ أم أن الأمرين يتفاعلان في حلقة متبادلة، يغذي كل منهما الآخر؟
أعتقد أن تفكير هارون اتجه إلى طرح تصور أوسع لإعادة تأسيس النظام السياسي السوداني، من خلال تناول ثلاثة مستويات مترابطة:
أولاً: التوافق السياسي التأسيسي.
بناء توافق سياسي مدني واسع، في مرحلة ما بعد الحرب، على قواعد اللعبة السياسية، بما يؤسس لعقد وطني جديد، تتوافق عليه القوى السياسية والمدنية، ولا يكون مجرد محاصصة عابرة أو تسوية مؤقتة بين أطراف الأزمة.
ثانياً: إعادة تنظيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين.
معالجة معضلة العلاقة بين المدنيين والعسكريين، من خلال صيغة دستورية وسياسية متوافق عليها، تتناول موقع قيادة الجيش في بنية الدولة، وطبيعة العلاقة بينها وبين السلطة المدنية، وصولاً إلى تصور يقوم على تولي قيادة الجيش سدة السيادة، وفق توافق سياسي وعقد اجتماعي وحكم دستوري، واستفتاء شعبي.
ثالثاً: إعادة تصميم النظام الانتخابي.
إعادة تصميم النظام الانتخابي بما يسمح بتمثيل الأحزاب والقوى السياسية في البلاد وفق أوزانها الانتخابية، ويتيح وجوداً نسبياً لكل قوة سياسية قادرة على تجاوز عتبة التأهيل، بما يعكس حقيقة التوازنات السياسية والاجتماعية، ويحد من اختلالات التمثيل والإقصاء.
وفكرة هارون هنا تتجاوز مجرد تسوية بين الجيش والمدنيين، إلى محاولة معالجة معضلتين متداخلتين في التجربة السودانية: عجز النخب عن إدارة خلافاتها، وهشاشة النظام الحزبي والانتخابي. وهي بذلك تفتح الباب أمام نقاش يتجاوز الأشخاص ومواقفهم إلى طبيعة النظام الذي نريد تأسيسه، والقواعد التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين مكوناته.
ولعل أهم ما يستحق التوقف عنده في هذه الأفكار ليس التسليم بصحتها أو تبنيها ابتداءً، وإنما إخضاعها لنقاش جاد، واختبار إمكاناتها الدستورية والسياسية، وما تثيره من أسئلة حول طبيعة الدولة، ومصدر شرعية السلطة، وحدود دور المؤسسة العسكرية في النظام السياسي.
وسنعود إلى تفكيك هذه الأفكار، وإعادة الحوار حولها، ومناقشة الأسئلة التي تنتجها؛ فالمستقبل الذي ظل غائباً عن حواراتنا السياسية طويلاً، لا يمكن أن يُترك للمصادفة، ولا أن يُبنى على استدعاء وصفات الماضي، وإنما يحتاج إلى عقل سياسي يجرؤ على التفكير خارج دوائره المغلقة.






