الرواية الأولى

نروي لتعرف

رؤى وأفكار / د.إبراهيم الصديق

مستنفران في أمدرمان: حدث صغيرة وتداعيات كبيرة

د. إبراهيم الصديق علي


(1)
انشغل الرأي العام فجأة بمقطع صغير لمستنفرين مروا في شارع ام درمان بزي مليشيا آل دقلو الارهابية ، وابعدت بعض الآراء (النجعة) في التوصيف والتحليل ، ومع أن الأمر يستحق ، ولكن من طرف بعيد جداً ، وجوانب اخرى تماماً ، ونحاول هنا بإذن الله أن نتوقف سريعاً على بعض منها:
أولاً: هذا التفاعل الكبير ، يعبر حقيقة عن الموقف الشعبي من مليشيا آل دقلو الارهابية ومرتزقتها وداعميها وحاضنتها ، وهذا ما ينبغي أن نستصحبه ونتوقف عنده كثيراً ، هذا الشعب لا يمكن أن يتعايش ابداً مع هذه المليشيا المتمردة ، وبأي صورة قريبة منها ، ردة الفعل العنيفة هذه خير شاهد مع أن الجميع يدرك أنهم خرجوا عن صفوف المليشيا ، ومع ذلك تبقي هذه صورة مصغرة عما يجيش في الوجدان الشعبي ، فقد باءت محاولات اطراف قحت وصمود واليسار عموماً في تسويق مليشيا آل دقلو كطرف وقوة سياسية في حاضر ومستقبل السودان ، فإن مشروعهم إلى بوار وخسران ، وهذا شاهد ، فاذا رفض الشارع والفضاء العام السوداني مجرد عبور مستنفرين طرقات ام درمان دون أن ينزعوا عنهم (زي مليشيا آل دقلو )، فهل تراهم يقبلون بمن هو اعلى سهماً ما لم يأت مذعناً أو مستسلماً ؟..
وثانياً: فإن هذا الانفعال يشير إلى درجة عالية من الحساسية تجاه كل ما يمس الأمن والاستقرار ، فقد اصبح هذا هاجس كبير للمواطن في حياته اليومية ونظرته لما حوله ، هو شديد التوجس تجاه كل ما يهدد الأمن ، أو يثير الريبة ، وهذا مدعاة للتوظيف ، وللحذر ، فقد يكون ضرورياً أن تنظر جهات الاستنفار إلى تنظيم مجموعات للتأمين والاسناد في المناطق والاحياء ، لتحقيق المشاركة في حفظ الأمن ، وإشاعة الطمأنينة..
وان تسعى الاجهزة النظامية إلى ضمان تحقيق هذه الغاية..
وثالثاً: فإن هذا الظهور ذو قيمة كبيرة في الدافعية للراغبين في الانسلاخ من مليشيا آل دقلو الارهابية ، وهو كسر للحلقة الوهمية التي يشيعها الملايش ومن شايعهم أن الحرب تستهدف اثنيات معينة أو مجموعات قبلية واهلية محددة ، وهذه نقطة مهمة وضرورية..
ورابعاً: أن هذا ظرف استثنائي ، وللحرب احكامها وضروراتها ، فالمواجهة العسكرية ضرورية ، والتخذيل عن المليشيا مطلوب ، وهذا جانب من ذلك..
وخامساً: ومن منطلق اخلاقي ، فقد لاحظت احتفاء البعض بتحركات قوات النور قبة في صحراء كردفان ودارفور ، فكيف لا نرحب بهم في أمدرمان أو أي جزء من بلادنا ، نحن بحاجة لتأسيس منظور وطني وانساني..
كل هذه الخلاصات والاشارة يمكن أن تكون مدخلاً لمسارات اخري!
(2)
والسؤال المهم ، كيف يمكن توظيف كل ذلك في عملية سياسية مقبولة وذات نفع للوطن والمواطن ، فالامور ذات ارتباط ببعضها..
وأول ذلك ، أن المواطن بحاجة إلى تعبير عن همومه ، ومخاوفه ، وابرزها العدالة وحكم القانون ، واعطاء الاحساس بان أى اتفاقية أو عملية سياسية لم تكن خصماً على حقه ، وان السلام لا يعني الإفلات من العقاب والمساءلة ، ولهذا من الأفضل تفعيل المؤسسات العدلية واجراءات التقاضي ، وفتح منابر الحوار حول هذه الأمور ، لعل أهل الشأن يسمعون واهل العشم يطمئنون..
والنقطة الثانية استصحاب كل ذلك في اجندة المتحاورين والمفاوضين بالسر والعلن ، فلا يمكن تمرير صفقات دون تحقق شروط الأهلية ، فلا داعي للنقاشات الجانبية والغرف المغلقة ، ولم تعد سياسة التسريبات كافة (لتقفيل) الوعي الشعبي ، وهذا مدعاة للشفافية ، وفي ذلك خير كثير ومراعاة لمصابرة أهل السودان كافة..

25 ابريل 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!