ماركوس شنايدر فضح ألمانيا، فهل تتعظ حكومة الخرطوم؟

حين يهزمك خصومك فذاك أمر مفهوم. أما أن تهزمك مبادئك التي خنتها، فتلك فضيحة. هذا بالضبط ما حدث لألمانيا في 9 يونيو 2026.
ثاني أكبر ممول للأمم المتحدة، الدولة التي صدّعت رؤوسنا بشعار “محامية القانون الدولي”، خسرت مقعداً غير دائم في مجلس الأمن أمام النمسا والبرتغال. ليس بسبب ضعف اقتصادها أو جيشها، بل بسبب ضعف ضميرها.
الباحث الألماني ماركوس شنايدر لم يجمّل الحقيقة. قالها صريحة: “الهزيمة ثمن لسياسة خارجية كارثية لم تعد تخدم لا قيم ألمانيا ولا مصالحها”. نقطة الانطلاق؟ غزة. لحظة كشفت للعالم أن “مصلحة الدولة العليا” الألمانية تعني غض الطرف عن جرائم حرب حليف، وتسليح القاتل، ثم الوعظ على بقية العالم.
تشريح السقوط: 3 رصاصات أطلقتها ألمانيا على قدمها
اولا:رصاصة الازدواجية: تدين روسيا في أوكرانيا ليل نهار، وتصمت عن إسرائيل في غزة. بل تشكرها على “العمل القذر” في إيران. الجنوب العالمي فهم الرسالة: القانون الدولي عند برلين انتقائي، يطبق على الخصوم ويعطل للأصدقاء.
ثانيا: رصاصة الغطرسة الأخلاقية: ألمانيا خاطبت العالم بإصبع مرفوع. نصبت نفسها قاضياً. لكن عندما طُلب منها تطبيق نفس المعيار على حليفتها، ارتدت عباءة “التعقيد القانوني”. اكتشف العالم أن واعظ الأخلاق عارٍ.
ثالثا: رصاصة المال: اعتقدت برلين أن تمويل الأمم المتحدة يشتري الأصوات. 128 دولة من الجنوب العالمي قالت لا. الدرس: في عالم 2026، الرواية تسبق الدولار. ومن خسر رواية “فلسطين” خسر تصويت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
النتيجة؟ كما كتب شنايدر: “في الأزمات الدولية المقبلة ستجلس برلين على طاولة الصغار”. الكبار لا يسقطون بجيوشهم، بل يسقطون بأكاذيبهم.
الخرطوم في مرمى نفس السلاح
اليوم تُحاك نفس المؤامرة ضد حكومة الخرطوم. الخطاب نفسه، الأدوات نفسها، الهدف نفسه: نزع الشرعية عبر “المحكمة الأخلاقية” للجنوب العالمي.
كتسمية “سلطة بورتسودان”. التسمية لم تكن بريئة. كانت محاولة لتصغير حجم الدولة، وخلق توازي مصطنع مع “عاصمة” المليشيا في نيالا. وبعد عودة مؤسسات الدولة للعمل من الخرطوم، صار الإصرار على التسمية القديمة استفزازاً مقصوداً من داعمي المليشيا الإرهابية لكل سوداني وطني.
مشروع القانون المفبرك في الكونغرس الذي روجت له سكاي نيوز هو “التطبيق العملي” لدرس ألمانيا. يريدون جر حكومة الخرطوم إلى قفص الاتهام نفسه: “ازدواجية، إقصاء، عرقلة إغاثة”. وعبر سيناريو افتراضي لا يستبعد ان يسعى أعداء السودان لجمع ثلثي الأصوات في الجمعية العامة للطعن في تمثيل السودان تحت شعار:(متحدون من اجل السلام.)
لكن هناك فارق جوهري يغفلونه: ألمانيا سقطت لأنها دعمت معتدياً. حكومة الخرطوم تقاتل مليشيا معتدية، مدعومة من الإمارات، ترتكب إبادة موثقة في دارفور وكردفان.
رابعا: عبر من جثة ألمانيا الدبلوماسية لحكومة الخرطوم:
1. الشرعية لا تُمنح من واشنطن، تُنتزع من الخرطوم
ألمانيا كانت معزولة عن شعبها في ملف غزة. حكومة الخرطوم باقية ما دام الشارع السوداني موحداً خلف جيشه ضد التمرد وضد التدخل الإماراتي. مخرجات أديس فشلت لأنها استفزت هذا الشارع. كل بيان يخرج من بروكسل أو واشنطن لا يساوي هتافاً واحداً في شوارع أم درمان.
2. لا تمت بأخلاقيات خصمك
ميرتس شكر إسرائيل على “العمل القذر” فدفن سمعة بلاده. إذا ردت حكومة الخرطوم على خطاب “الإقصاء” بإقصاء مضاد، أو على “الانتهاكات” بإنكار شامل، فستقدم للخماسية الذخيرة مجاناً. الحل: محاكمة كل مجرم. من الجيش، من الدعم السريع، من النظام القديم. شعار “ما عدا المجرم” هو درع الشرعية.
3. الجنوب العالمي هو ساحة المعركة الجديدة
ألمانيا هُزمت لأنها خسرت رواية فلسطين. حكومة الخرطوم تكسب إذا كسبت رواية “أفريقيا ضد المرتزقة”. رسالتك للجنوب يجب أن تكون: “نحن لا نحارب تمرداً فقط. نحن نحارب مشروعاً إماراتياً لاحتلال موارد أفريقيا عبر مليشيا عابرة للحدود. نحن خط الدفاع عن قارتكم”. هذه اللغة يفهمها من اكتوى بفاغنر والاستعمار.
4. القانون الدولي سيف ذو حدين، فامسك بالمقبض الصحيح
ألمانيا لوحت بالقانون في وجه روسيا، ثم كسرته في وجه إسرائيل فانكسرت هي. حكومة الخرطوم معها القانون: المادة 51 حق الدفاع عن النفس ضد مليشيا متمردة. قرارات مجلس الأمن تدين الدعم السريع. كلما تمسكت الخرطوم بالقانون، حتى لو ضد حليف متردد، صعُب على خصومها اتهامها بالازدواجية.
الخلاصة: من يحاسب من؟
ماركوس شنايدر ختم مقاله بسؤال موجه لألمانيا: “ما هي القيم والمصالح التي ينبغي أن توجه سياستنا؟”
السؤال نفسه موجه اليوم لحكومة الخرطوم.
الكونغرس الأمريكي لن يسقط حكومة الخرطوم. الذي يسقطها هو أن تتصرف مثل ألمانيا: تخلط بين “مصلحة الدولة” و”التستر على الأخطاء”. وينقذها أن تتصرف عكس ألمانيا: تعاقب المجرم من صفها قبل صف عدوها، وتوحد شعبها، وتخاطب أفريقيا بلغة الضحية لا بلغة السلطة.
ألمانيا جلست على “طاولة الصغار” لأنها خانت المبادئ. حكومة الخرطوم ستجلس على “طاولة الكبار” إذا أثبتت أنها تموت من أجل المبادئ: وحدة السودان، وكرامة إنسانه، وسيادة قراره.
العالم تغير. لم يعد يحترم القوي الكاذب. صار يحترم الضعيف الصادق. وهذا هو طوق نجاة الخرطوم.





