
تقول الحكاية فى منتهاها : ( ولم يكن إله الأشاوذ أكثر من قاطع طريق سياسى ومليشى محترف إمتهن اللصوصية وإرتقى مدارجها مستغلاً حالة الفوضى السياسية والأمنية وغياب العدالة الحقيقية التى إنتظرها الناس طويلاً بعد أبريل 2019م ولم تتحقق نتيجةً للهياج الثورى الذى كان عنوان تلك المرحلة ، ومستثمراً فى النقاء الفطرى لمعظم شباب وأبناء السودان حتى أضحى أيقونة ثورية وأجاد لعب دور وليام والاس صاحب القلب الشجاع الذى أخاف أعداء الشعب والأمة بكل مُكر و دهاء حتى إستوى على كرسى السلطة وأصاب من بريقها وذاق عُسيلتها فتملكه الزهو فبدأ فى التأسيس لدولته المسماة تأسيس على أعين صُنَّاع الثورة وحُرَّاسها ومن أجلسوه بينهم وتَفَسَّحوا له فى مجلس الحُكم ، وطَفِقَ يُهيمن ويُسَيطر على أهم مؤسسات الدولة ومفاصلها يَبتَزَّ أُناساً لِيُخِيفَ آخرين ، ويَبيعُ أُناساً لِيَبتاعَ آخرين .. ولكنَّ الله لا يُصلِح عمل المفسدين فلا أرضاً قَطع ولا ظهراً أبقى وخسر الأولين والآخرين . )
أمَّا مبتدأ الحكاية فيقول : كان يا ما كان فى قديم الزمان وفى سالف العصر والأوان رجلاً من الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يمتهن قطع الطريق وقطع الأرزاق والرقاب إنتبهت إليه وإلى مهارته فى القتال السلطة التى كانت تحكم آنذاك فأخرجته من مرابض الإبل بقطرانه ونَظَّفته وجَمَّرته وألبسته إزاراً ورِداءًا وزينته بزينةٍ العساكر فوضعت نجمة على كتفه ووساماً على صدره وسيفاً على جنبه وأطلقت عليه وعلى مرتزقته ألقابَ مُعتضدٍ فيها ومعتمدٍ ..!! وقالت له هَيتَ لك كل وديان وسفوح وجبال دارفور فأنت السند وأنت الولد وأنت حامى حِمى أهل البلد ..!! فصدق المسكين الرواية الموضوعة التى لا أصل لها ولا سند ، وأنه فرس الرهان والجواد الرابح والقائد الذي لم تُنجب مثله حواء السودان .. وتَلبَّسته شخصية روبن هود الأسطورية التى صورت الحكايات الشعبية الإنكليزية صاحبها بأنه الملاك السامي والقِدِّيس الذى يخرج من الغابة حاملاً ميزان العدالة وسهماً وقوساً لحمايتها من الإختلالات ( تصور روعة المشهد..!!) والنسبة هُنا تعود إلى الإرتياع والخوف لا إلى الحُسن والجمال .. ففى سوداننا حُسنٌ غير مجلوب كما في البداوة ..!!
ومَرَّت الأيام وكَبُرت بطن الوهم وإنتفخت بالحمل الحرام ، وإزدادت سلطات وصلاحيات مُحتال الزُرُق وصار له أتباعٌ وأشياعٌ كُثُر وأصبحت أفئدة ( مقاطيع أفريقيا ) تأوى إليه يأتمرون بأمره وينتهون لنهيه كما حدث مع كَذَّاب اليمامة من قديم .. فأخذ يوزِّع الأُعطيات على جُنده ومرتزقته القادمين من وراء الحدود بلسانهم الأعجمي وكل ذلك تحت سمع وبصر الجميع حُكاماً ومحكومين ..!! وإستمرَّت روايات وقصص روبن هود فى نسختها الجنيدية المزيدة والمنقحة بكل بؤسها وركاكتها وتفاهتها تملأ الفضاء السياسى والإجتماعى والإقتصادى والأمنى فى بلادنا ، وصار محتال آل دقلو مُنَظِّراً سياسياً وعَالِماً إقتصادياً وخبيراً أمنياً ومصلحاً إجتماعياً بل وبطلاً قومياً تُفرش له البُسُط وتوضع له النمارق وتُذبح الذبائح وتُنحر له النَّوق وتُدَّبج فيه القصائد ويُعزف له السلام الجمهورى ..!! فإزداد طمعاً وشرهاً وأراد أن يستأثر بالسلطة لتكون له وحده ، فأخذ يشتري صمت وولاء الإدارات الأهلية بعربات الدفع الرباعي ، وذمم الساسة بالشراكة المتوهمة في السلطة عندما يدين له الأمر ..!! وكل ذلك ونحن لم نقرأ أحداث التأريخ قراءة متبصرة لنستقى منها العِبَر ، ولو فعلنا لعلمنا ولتبين لنا أن غياب العدالة بمفهومها الشامل وإبتعاد الحاكم عن هموم الرعية ومشكلاتها ، ومنح المجرمين فرصاً أخلاقية لايستحقونها ..!! كل ذلك يؤذِن دوماً بالفوضى والخراب ..!! ولكن من يقرأ ومن يعى ما يقرأ ..!!؟وأحداث الحرب الأخيرة أصدق شاهد على ذلك فهذا الروبن هود الهالك لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه لولا الغفلة أو التغافل من حكامنا ، ولولا الإنتهازية البغيضة من العديد من الكيانات السياسية البائسة التى أرادت الإنتقام من خصومها بهدم المعبد على من فيه ، فضلاً عن طيبة وسذاجة فئامٌ من أهل السودان وقطاع عريض منهم ممن كانوا يرون في روبن هود الأشاوذ مُنصِفاً لهم ومنقذاً من حالة التيه التى كانوا يعيشونها .. بل ومنتقماً لهم من كل الحكومات التى كانوا يَظُّنون بها ظَنَّ السوء ولكنهم لم يجدوا من الهالك وزبانيته إلاَّ السيف والسراب وقطع الرقاب ..!!
ولكل ماتقدم من سردٍ معلومٌ بالضرورة للكافة ، وحتى لا يخرج علينا روبن هود آخر نهمس فى آذان ولاة أمرنا ونذكرهم بأن الإنسان السودانى رغم عشقه للحرية لكنه أكثر عشقاً للبطولة وللشجاعة فى السلم والحرب وأكثر حباً ونصرةً وتأييداً للحاكم القوي الذي يُحسن سياستهم عند النوازل وفى اللحظات الصعبة بكل ما تحمله من خوفٍ وقلق .. ويقينى التام وليس ظنّاً منى أنهم على إستعداد للتنازل عن إستحقاقاتهم الدستورية لا عن كرامتهم في سبيل الطمأنينة والحياة الآمنة والمعيشة السهلة والخدمات المتيسرة بعد كل الأهوال التى رأوها وعاشوها خلال سنوات الحرب حتى ولو كان ثمن كل هذا حريتهم كلها أو بعضاً منها رغم مالها من قيمة لا ينبغى التخلى أو التنازل عنها ، ولكن حينما تصير الطمأنينة بما تحمله من أمان وإستقرار ووحدة للبلاد ضرورة أكثر إلحاحاً مما سواها فإن الواجب يقتضي ويتطلب ترتيب الأولويات وفهم قواعد اللعبة التى يُجبرنا أعدائنا إلى جَرَّنا إليها حتي لا نُلدغ من ذات الجُحر مرةً أخرى ، ولمنعهم من العبث بإعدادات هذا الشعب الصابر وإفسادها بتضخيم الخوف من المجهول وبإستدعاء الهويّات القبلية وبتحريك الرغبات السياسية الإنتهازية .. وحتى لا نردد بلسان الحسرة مع شاعرنا الجميل التجانى حاج موسى : ( من بعد ما فات الأوان ..!! ) أو مع الراحل المقيم عزمى أحمد خليل : ( ما إتعودت أخاف من قبلك إلاَّ معاك حسيت بالخوف ..!!)
اللَّهم أحفظ بلادنا وأهلها من كل شَرٍّ وسوء وأدِم عليها عِزَّها وأمنها وإيمانها وخيرها .. ووفق حكامنا وقادتنا لما فيه الخير .
✍🏾 لواء شرطة (م) :
د. إدريس عبدالله ليمان
الخميس 11 يونيو 2026م



