
تمضي الانتصارات العسكرية على المليشيا بفضل المستوى الرفيع من التنسيق الميداني بين مختلف القوات والفصائل المشاركة في المعارك، غير أن هذا الانسجام العسكري لا يقابله القدر نفسه من التوافق في الخطاب السياسي، حيث تبرز مؤشرات مقلقة تعكس أزمة ثقة متبادلة، ومخاوف مما قد يحدث في المستقبل، خاصة عند طرح السؤال الحساس: من ينال ماذا بعد الحرب؟!
وفي تقديري، فإن الخيار الأفضل هو إنشاء جسم تنسيقي يجمع هذه الأطراف، يتولى ضبط الخطاب السياسي، وتحديد المشتركات، ووضع خارطة طريق للتعامل مع نقاط الخلاف، بما يحول دون وقوع خطرين كبيرين:
الأول: انتقال التجاذبات السياسية إلى الميدان العسكري، بما يضعف التنسيق القائم ويفتح ثغرات أمام التدخلات الخارجية، ومحاولات إعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالح أطراف معادية على حساب المصلحة الوطنية.
الثاني: تراكم الخلافات وتحولها بعد الحرب إلى صراعات على السلطة والنفوذ والسلاح، بما يهدد بإنتاج أزمات وكوارث جديدة، ويفتح الباب أمام إعادة تدوير أسباب الصراع.
صحيح أن ظروف المعارك المحتدمة تجعل من الصعب دمج جميع الحركات المسلحة ومجموعات المقاومة في الجيش دمجاً كاملاً في الوقت الراهن، وهو ما أشار إليه السيد مالك عقار بحكمة ووعي بطبيعة المرحلة وتعقيداتها، لكن ذلك لا يمنع، بل يوجب، التوافق منذ الآن على المبادئ والآليات والجداول الزمنية المبدئية التي تضمن الوصول إلى جيش وطني واحد بعد انتهاء الحرب.
فالمطلوب ألا ننتظر نهاية الحرب لنبدأ التفكير في كيفية إدارة السلام، وألا نسمح لخلافات الغد بأن تهدد انتصارات اليوم.
والأهم أن يكون واضحاً للجميع أن التضحيات التي قُدمت من أجل إنقاذ الدولة لا يجوز أن تتحول إلى مقدمة لصراع جديد على غنائم السلطة والنفوذ، فغاية الانتصار ليست مجرد إنهاء الحرب، بل بناء دولة لا تتكرر فيها أسباب إشعالها مرة أخرى.





