الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

بنك السودان.. خمسة سنوات نحو المستقبل

د. محمد عبدالرحيم يسن


.
(٣/١)

digital.start23@gmail.com
اطلعت على الخطة الاستراتيجية الخمسية لبنك السودان المركزي ٢٠٢٦- ٢٠٣٠م ، وهي منشورة على الموقع الإلكتروني للبنك، وأرى أنها وثيقة جديرة بالقراءة، خاصة في هذه المرحلة التي يبحث فيها السودان عن طريق للتعافي وإعادة بناء مؤسساته. تقع الخطة في ٢٤ صفحة، وتتكون من ستة محاور رئيسية، تتناول الاستقرار النقدي والمالي، والحوكمة والتميز المؤسسي، والعلاقات الداخلية والخارجية، والشمول المالي، والتحول الرقمي، وإصلاح المؤسسات المالية.
ما لفت نظري في الخطة أن التحول الرقمي من أهم ركائز الخطة، فقد انعكس ذلك في الرؤية نفسها: “نحو نظام نقدي ومالي رقمي شامل ومستقر، يسهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة”. كما وضعت الخطة الابتكار والتحول الرقمي ضمن قيمها المؤسسية، كأداتين لتعزيز الكفاءة والمساءلة.
هذا الإتجاه يعكس تحولا مهما في طريقة النظر إلى التقنية، في واحدة من أهم مؤسسات الدولة ، فالتحول الرقمي يرتبط مباشرة بالتعافي والاستقرار المالي، وبناء مؤسسات قادرة على التعامل مع اقتصاد سريع التغير. وتتحدث الخطة عن تطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع مراكز البيانات لاستيعاب الأنظمة الذكية وتحليل البيانات الضخمة، وإنشاء مركز وطني للتعافي من الكوارث واستمرارية أعمال الجهاز المصرفي، وربط إدارات وفروع البنك بشبكة مؤمنة، والانتقال إلى الحوسبة السحابية الهجينة.
كما تمتد الرؤية إلى منظومة المدفوعات والخدمات المالية الرقمية، من خلال تطوير البنية الأساسية للمدفوعات، وربطها بالأنظمة الإقليمية والدولية، وإنشاء مختبر للابتكار المالي الرقمي، ودعم شركات التقنية المالية. واللافت أيضا حضور البيانات والذكاء الاصطناعي في الخطة، فهي تتجه إلى بناء قواعد بيانات مالية ونقدية مشتركة، وتطوير التحليل الإحصائي، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات النقدية والمالية. وهذا يفتح الباب أمام انتقال تدريجي من الاعتماد على التقارير التقليدية إلى قرارات تستند إلى بيانات موثوقة ودقيقة.
ولا تنفصل هذه المنظومة عن الحوكمة، فالخطة تتضمن نظاما إلكترونيا لإدارة القرارات ومتابعتها، ونظاما متكاملا لإدارة الأداء، ولوحات قيادة رقمية، ونظاما موحدا لتخطيط موارد المؤسسة، إلى جانب التوقيع الرقمي والمستندات الإلكترونية،
ويأتي الأمن السيبراني كعنصر أساسي في هذه الرحلة، من خلال تطوير إطار للأمن السيبراني، واختبارات الاختراق، وإدارة الهوية والصلاحيات، وحماية المستهلك المالي الرقمي، ومواجهة مخاطر الاحتيال.
الصورة التي ترسمها الخطة تتجاوز رقمنة بعض إجراءات البنك، إنها تتجه إلى بناء بنية رقمية متكاملة للبنك المركزي والقطاع المصرفي والمالي، تجمع البيانات والمدفوعات والهوية والأمن السيبراني والحوسبة والذكاء الاصطناعي في منظومة واحدة.
ومن النقاط الإيجابية أن الخطة راعت حالة عدم اليقين من خلال ثلاثة سيناريوهات للتعافي، مع مراجعتها دوريا وفقا للمتغيرات، وهذا يوفر قدرا من المرونة المطلوبة في مرحلة ما بعد الحرب.
وأرى أن أهمية الخطة لا تتوقف عند بنك السودان المركزي. فنجاح التحول الرقمي الذي ترسمه يتطلب مشاركة المصارف، وشركات التقنية المالية، وشركات الاتصالات، والجهات الحكومية، ومؤسسات الأمن السيبراني، بحيث تتكامل الأدوار وتعمل الأنظمة ضمن بنية وطنية واحدة.
وأدعو المهتمين بالشأن الاقتصادي والمصرفي والتقني إلى قراءة الخطة المنشورة على الموقع الإلكتروني لبنك السودان المركزي، فهي تقدم صورة مهمة عن الاتجاه الذي يريد البنك أن يسير فيه خلال السنوات الخمس القادمة.
ويبقى التحدي الأكبر: كيف تتحول هذه الرؤية الرقمية إلى واقع يلمسه المواطن والمصرف والمؤسسة الاقتصادية؟ فالمسافة بين الخطة والنتائج يصنعها التنفيذ.
في المقال القادم من “آفاق رقمية” ننتقل من البنك المركزي إلى بقية المنظومة: المصارف والمؤسسات المالية… ماذا تعني هذه الخطة لمستقبلها الرقمي؟

اترك رد