الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرواية الأولى / مجدي عبدالعزيز

تجربة الصين في الحوكمة العالمية – وفرص نهوض السودان من ركام الحرب الي صناعة المستقبل

مجدي عبدالعزيز

▪️في سبتمبر المقبل، تمر سنة على إطلاق الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحوكمة العالمية، التي طرحها في الأول من سبتمبر 2025 من مدينة تيانجين، داعياً إلى بناء نظام عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً، يقوم على المساواة في السيادة، واحترام القانون الدولي، والتعددية، ووضع الإنسان في قلب عملية الحوكمة، والأهم من ذلك – تحويل المبادئ إلى أفعال

▪️وبعد عام واحد، لم تعد المبادرة مجرد فكرة أُطلقت في خطاب سياسي. فقد تحولت إلى مسار دولي يتوسع تدريجياً، وتقول الصين إن المبادرة حظيت بدعم نحو 160 دولة ومنظمة دولية، فيما انضمت أكثر من 60 دولة إلى مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية. وفي مايو 2026، شارك وزراء خارجية وممثلون من أكثر من 60 دولة في اجتماع مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية، في مؤشر على انتقال المبادرة من مستوى الطرح إلى مستوى بناء الأطر والشراكات.

▪️وبكين لم تكتفِ بالاحتفال بالعام الأول للمبادرة، بل أصدرت في 17 يونيو 2026 كتاباً أبيض بعنوان (حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها )، خصصته لشرح رؤيتها ومقترحاتها وإجراءاتها العملية بشأن إصلاح الحوكمة العالمية. وهذا في حد ذاته يكشف أن الصين تتعامل مع المبادرة باعتبارها مشروعاً سياسياً وفكرياً طويل المدى، وليس شعاراً سياسياً ودبلوماسياً عابراً.

من (من يحكم العالم؟) إلى ( كيف يُحكم العالم؟)

▪️ربما تكمن قوة المبادرة في أنها لا تبدأ من محاولة إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى بقدر ما تبدأ من سؤال أكثر عمقاً: أي نظام عالمي نريد، وكيف يمكن إصلاح الحوكمة العالمية لتصبح أكثر عدلاً وفاعلية؟
ففي خطابه بتيانجين، وضع الرئيس شي خمسة مبادئ واضحة للمبادرة: المساواة في السيادة، الالتزام بالقانون الدولي، التعددية، النهج المتمحور حول الإنسان، والعمل الفعلي.

▪️وهذه المبادئ، بصرف النظر عن المواقف السياسية المختلفة من الصين، تستحق أن تُقرأ بجدية؛ لأنها تضع قضية أساسية في قلب النقاش الدولي: هل يمكن أن يستمر نظام عالمي تُطبَّق فيه القواعد بمعايير مختلفة باختلاف قوة الدولة وموقعها السياسي؟ .. من هنا تأتي أهمية تأكيد المبادرة على أن الدول، بصرف النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها، ينبغي أن تكون متساوية في المشاركة وصناعة القرار والاستفادة من نظام الحوكمة العالمية، وأن القانون الدولي ينبغي أن يُطبق بصورة متساوية ومن دون ازدواجية في المعايير.
وهذا تحديداً ما يجعل المبادرة ذات صلة خاصة بدول الجنوب العالمي، التي طالما طالبت بإصلاح مؤسسات النظام الدولي، وزيادة تمثيل الدول النامية وصوتها في عملية صنع القرار العالمي.

الأمم المتحدة.. لا بديل عن الشرعية الدولية

▪️من أكثر الجوانب أهمية في المبادرة الصينية أنها لا تطرح نفسها بديلاً عن الأمم المتحدة، بل تؤكد على مكانتها ودورها المركزي.
فالكتاب الأبيض الصيني الصادر في يونيو 2026 يضع الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة ومكانتها في قلب التنفيذ الفعلي للمبادرة، ويؤكد ضرورة التمسك بالنظام الدولي الذي تتمحور حوله الأمم المتحدة، وبالنظام الدولي القائم على القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

▪️وهذه نقطة جوهرية في عالم مضطرب تتراجع فيه الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، وتتزايد فيه النزاعات والحروب والأزمات الإنسانية.
فالمشكلة ليست دائماً غياب القواعد، وإنما غياب التطبيق المتساوي للقواعد، وضعف قدرة المؤسسات الدولية على تحويل المبادئ إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وهنا تبدو دعوة المبادرة إلى الانتقال من الكلام إلى الفعل ذات أهمية استثنائية.

الصين لا تقدم المبادرة منفصلة عن تجربتها

▪️الأكثر إثارة للاهتمام أن مبادرة الحوكمة العالمية تأتي ضمن منظومة أوسع من المبادرات الصينية: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ثم مبادرة الحوكمة العالمية.
وتنظر الصين إلى هذه المبادرات باعتبارها مترابطة: السلام والأمن، والتنمية، والتفاهم بين الحضارات، ثم إصلاح آليات الحوكمة التي تنظم العلاقات الدولية. وقد وصفت وزارة الخارجية الصينية المبادرات الأربع بأنها تشكل معاً منظومة من «المنافع العامة» التي تقدمها الصين للمجتمع الدولي.

▪️وهنا ربما تكمن إحدى أهم دروس التجربة الصينية: أن السياسة الخارجية الناجحة لا تُبنى فقط على ردود الأفعال، وإنما على امتلاك رؤية طويلة المدى، ثم تحويل هذه الرؤية إلى مبادرات ومؤسسات وشراكات وبرامج قابلة للتنفيذ.

وماذا عن السودان؟

▪️هنا يصبح السؤال أكثر أهمية،
السودان ليس مجرد متلقٍ لما يحدث في النظام الدولي. السودان، بحكم موقعه الجغرافي، وموارده، وانتمائه العربي والأفريقي، وامتداده على البحر الأحمر، وعلاقاته التاريخية مع آسيا والعالم العربي وأفريقيا، يستطيع أن يكون جزءاً من عملية إعادة تشكيل الشراكات الدولية في المرحلة المقبلة.
والسودان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي.

▪️الحرب التي فرضت على السودان واحدة من أكبر حرب العدوان في التاريخ الحديث ، وانتجت اكبر الكوارث الإنسانية والسياسية في العالم، لكنها في الوقت ذاته كشفت مشكلة أعمق: هشاشة النظام الدولي عندما يتعلق الأمر بحماية الدول والمجتمعات التي لا تمتلك وزناً كافياً في موازين القوة الدولية.
ومن هنا فإن المبادئ التي تطرحها مبادرة الحوكمة العالمية يمكن أن تكون موضع اهتمام سوداني حقيقي، خصوصاً ما يتعلق باحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتطبيق القانون الدولي دون ازدواجية، وإعلاء دور الأمم المتحدة، وزيادة صوت الدول النامية في مؤسسات صنع القرار العالمي. والسودان ليس بعيداً عن هذا النقاش.
فالصين أكدت في أكثر من مناسبة دعمها لسيادة السودان واستقلاله ووحدة أراضيه، ودعمها لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية في السودان. وفي مايو 2025، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي هذا الموقف خلال لقائه وزير الخارجية السوداني، معرباً عن استمرار الصين في تقديم المساعدات الإنسانية ضمن قدراتها.

▪️كما سبق للرئيس شي جين بينغ أن أكد للرئيس عبد الفتاح البرهان في سبتمبر 2024 دعم الصين للسودان في الحفاظ على سيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وتطلعها إلى عودة السلام والاستقرار إليه في أقرب وقت.

▪️هذه المواقف لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها مواقف دبلوماسية ثنائية، وإنما يمكن وضعها في إطار أوسع من العلاقة التي تريد الصين بناءها مع دول الجنوب.

▪️السودان يحتاج إلى أن يكون شريكاً لا ساحة ، وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن يستخلصها السودان من التجربة الصينية.

الدول التي لا تصوغ رؤيتها لمستقبلها، سيصوغ الآخرون مستقبلها نيابة عنها.

▪️السودان لا يحتاج إلى الانحياز إلى معسكر دولي ضد آخر، ولا إلى استبدال تبعية بتبعية جديدة. ما يحتاجه هو سياسة خارجية أكثر استقلالاً ووضوحاً وفاعلية، تقوم على تنويع الشراكات، وتعظيم المصالح الوطنية، والاستفادة من التنافس الدولي لصالح التنمية السودانية، مع الحفاظ على القرار الوطني والسيادة.
وهنا يمكن للسودان أن يستفيد من الفلسفة التي تقف خلف مبادرة الحوكمة العالمية: المشاركة، والتشاور، والمنفعة المتبادلة، واحترام السيادة، وتحويل المبادئ إلى مشروعات عملية.

▪️فإذا كانت الصين قد استطاعت أن تقدم للعالم مبادرة لإصلاح الحوكمة العالمية، فإن السودان يستطيع، من موقعه، أن يقدم نموذجاً مختلفاً: كيف يمكن لدولة خرجت من حرب مدمرة أن تنتقل من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة، ومن طلب المساعدات إلى جذب الاستثمارات، ومن إعادة الإعمار إلى إعادة بناء اقتصاد منتج ومتصالح مع محيطه الإقليمي والدولي.

من إعادة الإعمار إلى إعادة التموضع

▪️وهذا يتطلب من السودان ألا ينظر إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها مجرد عملية لإعادة بناء الطرق والجسور والمستشفيات ومحطات الكهرباء.

إعادة الإعمار الحقيقية تعني إعادة بناء مكانة السودان في العالم.

▪️وهنا تبرز الصين كشريك يمكن للسودان أن يستفيد من تجربته التنموية، ومن قدراته في البنية التحتية والصناعة والطاقة والزراعة والنقل والاتصالات، ومن شبكة علاقاته الواسعة مع دول آسيا وأفريقيا والجنوب العالمي،، لكن الأهم من ذلك كله هو أن السودان يمكنه الاستفادة من المنهج: التخطيط طويل المدى، ربط السياسة الخارجية بالتنمية، تحويل العلاقات الدولية إلى فرص اقتصادية، وتطوير مؤسسات الدولة بحيث تصبح قادرة على إدارة الشراكات الدولية من موقع صاحب المصلحة، لا من موقع طالب المنحة.

▪️لقد أكدت وثائق التعاون الصينية-الأفريقية الحديثة أهمية أن تكون التنمية في أفريقيا قائمة على المبادرة والملكية والقيادة الأفريقية، مع تعزيز دور الدول الأفريقية في الحوكمة العالمية وإصلاح النظام المالي الدولي.
وهذه فكرة تستحق أن تكون جزءاً من التفكير السوداني في مرحلة ما بعد الحرب.

درس الصين الأكبر: لا تنتظر أن يتغير العالم.. شارك في تغييره

▪️بعد عام من إطلاق مبادرة الحوكمة العالمية، تبدو الصين وكأنها تقول للعالم إن النظام الدولي ليس قدراً ثابتاً، وإن إصلاحه لا ينبغي أن يكون حكراً على القوى الكبرى.قد يختلف العالم مع الصين في بعض القضايا والسياسات، وهذا طبيعي في العلاقات الدولية. لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن بكين تحاول تقديم رؤية متماسكة لمستقبل النظام الدولي، ثم تحشد حولها الشركاء والمؤسسات والمبادرات.
وهنا بالضبط تكمن قيمة التجربة بالنسبة للسودان ، فالسودان لا يستطيع تغيير العالم، لكنه يستطيع أن يغير طريقة حضوره في العالم ،، يمكنه أن ينتقل من دولة تتصدر أخبار الحرب والأزمات إلى دولة تتحدث عن السلام والتنمية والاستثمار وإعادة الإعمار.
-ومن دولة تنتظر ما يقرره الآخرون بشأنها، إلى دولة تطرح رؤيتها وتفاوض عليها.
-ومن دولة تبحث عن الدعم، إلى دولة تقدم فرصاً وشراكات ومصالح متبادلة.
-ومن ساحة للتنافس الدولي، إلى جسر بين أفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر وآسيا.
وهذه ليست مهمة دبلوماسية فقط؛ إنها مشروع دولة.

في الذكرى الأولى.. ماذا نتعلم؟

ربما لا يكون المطلوب من السودان أن ينسخ التجربة الصينية، فهذا غير ممكن ولا مطلوب. لكن المطلوب أن يتعلم من منهجها في التفكير الاستراتيجي.

أن تكون للدولة رؤية.

-أن تتحول الرؤية إلى مبادرة.

-أن تتحول المبادرة إلى مؤسسات.

-وأن تتحول المؤسسات إلى شراكات ومشروعات ونتائج.

▪️ذلك هو الفارق بين دولة تكتفي بمراقبة التحولات الدولية، ودولة تحاول أن تكون جزءاً من صناعتها.
وفي عالم يتشكل من جديد، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودان ليس فقط:
من يقف معنا؟
بل ماذا نريد نحن من العالم؟ وماذا نستطيع أن نقدم له؟

▪️لقد اختارت الصين أن تدخل النقاش حول مستقبل الحوكمة العالمية من موقع صاحب الرؤية والمبادرة.
وربما آن للسودان، بعد أن يضع الحرب خلفه، أن يفكر بالطريقة نفسها
لا أن يبحث فقط عن مكان له في النظام الدولي الجديد، بل أن يعمل على صناعة المكان الذي يستحقه فيه.

اترك رد