تالين عاصمة الدولة التي بنت نفسها بالبيانات

(٥)
تتجه بعض الدول إلى استثمار مواردها الطبيعية، وتتجه أخرى إلى استثمار موقعها الجغرافي، بينما اختارت إستونيا طريقا مختلفا يقوم على المعرفة والبيانات والتقنية. ولهذا أصبحت العاصمة تالين واحدة من أبرز المحطات العالمية في مجال الحكومة الرقمية والتحول الرقمي.
جاءت الرحلة إلى تالين قبل عقد من الزمان للاطلاع على واحدة من أكثر التجارب الرقمية نجاحا في العالم، والوقوف على الكيفية التي استطاعت بها دولة صغيرة في شمال أوروبا أن تتحول إلى نموذج عالمي تستلهم منه الحكومات والمؤسسات تجاربها في الرقمنة والخدمات الذكية.
المدينة نفسها تحمل طابعا خاصا، شوارع تاريخية تعود إلى قرون مضت، ومبان أثرية عتيقة على الطراز الروسي، منفتحة على الحضارة الاوربية، محافظة على هويتها الأستونية، وفي الوقت نفسه منظومة رقمية تعد الأكثر تقدما على مستوى العالم. هذا التعايش بين التاريخ والتقنية منح تالين شخصية فريدة تجمع بين الأصالة والابتكار.
البرنامج شمل لقاءات مع عدد من المؤسسات الحكومية والشركات التقنية والجامعات ومراكز البحوث التي شاركت في تطوير هوية استونيا الرقمية ، وتنفيذ منصة X-Road، التي تعد العمود الفقري للحكومة الرقمية الإستونية. هذه المنصة لا تمثل نظاما مركزيا لتخزين البيانات، وإنما شبكة آمنة تسمح للجهات الحكومية والخاصة بتبادل المعلومات بصورة موثوقة وسريعة، مع المحافظة على خصوصية البيانات وحقوق المواطنين.
الفكرة بدت بسيطة في ظاهرها، غير أن أثرها كان عميقا. كل مؤسسة تحتفظ ببياناتها، بينما تتولى المنصة تنظيم تبادل المعلومات بين الجهات المختلفة وفق ضوابط دقيقة. ونتيجة لذلك أصبح المواطن قادرا على الحصول على معظم الخدمات الحكومية إلكترونيا دون الحاجة إلى التنقل بين المؤسسات أو إعادة تقديم المعلومات نفسها في كل مرة.
ما يلفت الانتباه في التجربة الإستونية أن التحول الرقمي لم يبدأ من التقنية، وإنما من إعادة التفكير في طريقة عمل الدولة نفسها. وكان الهدف بناء نموذج جديد للخدمات يعتمد على مشاركة البيانات وتقليل التعقيد وتسهيل حياة المواطنين، حكومة رقمية بعقلية التشارك والتكامل في البيانات، مع الاحتفاظ ببيانات كل مؤسسة في اوعيتها وادواتها، وكان من ابرز نتائجها ، أن إستونيا أصبحت حافظت على الترتيب الأول أو الثاني لسنوات في مقياس مؤشر نضج الحكومة الالكترونية في الترتيب العالمي للدول، وكذلك تعتبر أستونيا الدولة الأولى التي منحت إقامة رقمية خارجية على مستوى العالم وكذلك تعتبر أكثر دولة ناجحة في الاقتراع الإلكتروني.
الجامعات ومراكز البحوث أدت دورا محوريا في هذه المسيرة. البحث العلمي لم يكن بعيدا عن صناعة القرار، كما أن التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية شكل أحد عناصر القوة في التجربة. هذا التكامل أوجد بيئة تسمح بالابتكار المستمر وتطوير الحلول الرقمية بصورة متواصلة.
ومن أبرز الدروس التي قدمتها تالين للعالم أن حجم الدولة ليس العامل الحاسم في نجاح التحول الرقمي. عدد السكان محدود مقارنة بدول كثيرة، والموارد الطبيعية متواضعة، غير أن وضوح الرؤية والقدرة على توظيف المعرفة والتقنية أحدثا أثرا تجاوز حدود الدولة نفسها.
كما أظهرت التجربة أهمية الهوية الرقمية والبنية التحتية المشتركة للبيانات في بناء الخدمات الحكومية الحديثة. فعندما تصبح المعلومات متاحة للجهات المخولة بصورة آمنة، ترتفع كفاءة الخدمات، وتنخفض التكاليف، وتزداد قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المبنية على البيانات.
اليوم ينظر كثير من الخبراء إلى منصة X-Road باعتبارها واحدة من أهم التجارب العالمية في مجال تبادل البيانات الحكومية، وقد وجدت طريقها إلى دول أخرى سعت للاستفادة من التجربة وتطوير نماذج مشابهة.
ومن المواضيع التي كانت حاضرة في النقاشات الأمن السيبراني، فكلما توسعت الخدمات الرقمية ازدادت أهمية حماية الأنظمة والبيانات من الاختراقات والتهديدات الإلكترونية. وقد مرت التجربة الإستونية بتحديات كبيرة في هذا الجانب، الأمر الذي دفعها إلى الاستثمار بصورة مكثفة في الأمن الرقمي وبناء منظومات حماية متقدمة.
ومما أثار الاهتمام كذلك استخدام تقنيات سلسلة الكتل (Blockchain) في بعض مكونات البنية الرقمية، بهدف تعزيز سلامة البيانات وضمان عدم التلاعب بالسجلات الحساسة. كانت هذه الأفكار في ذلك الوقت من التطبيقات المبكرة للتقنيات التي أصبحت اليوم محل اهتمام عالمي واسع.
ولم تقتصر اللقاءات على الحكومة الرقمية فقط، فقد استمعنا أيضا إلى قصة نجاح إستونية أخرى انطلقت من بيئة صغيرة ثم وصلت إلى العالم كله، وهي قصة برنامج Skype الذي يعد من أوائل التطبيقات التي أحدثت ثورة في الاتصال عبر الإنترنت. الطريق إلى نجاح التطبيق لم يكن سهلا، فقد واجهت التجربة تحديات تقنية وتجارية وأمنية عديدة، إلا أن الإصرار على الابتكار والقدرة على تجاوز العقبات حولت الفكرة إلى واحدة من أشهر قصص النجاح في عالم التقنية.
تالين قدمت نموذجا مختلفا للتحول الرقمي، نموذجا يقوم على الثقة والتكامل والبيانات. وأكدت أن الطريق إلى الدولة الرقمية يبدأ برؤية واضحة لكيفية إدارة المعلومات وتقديم الخدمات وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
واليوم، بينما يمضي السودان في خطوات مهمة نحو تطبيق الهوية الرقمية SUDAPASS وتطوير الخدمات الإلكترونية وإعادة بناء مؤسساته بعد سنوات الحرب الظالمة، تبدو التجربة الإستونية جديرة بالتأمل والدراسة بغرض الاستفادة من الدروس التي قدمتها، وضوح الرؤية، والاستثمار في المعرفة، وبناء الثقة الرقمية، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى محطة أخرى من محطات رحلات في ذاكرة التقنية، لنكتشف تجربة جديدة ودروسا أخرى من عالم التحول الرقمي.
١٠ يونيو ٢٠٢٦م



