
digital.start23@gmail.com
اطلعت على ورقة بحثية أثارت اهتماما واسعا في مجتمع الذكاء الاصطناعي، حملت عنوان “لحظة AlphaGo لاكتشاف بنية نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي” (AlphaGo Moment for Model Architecture Discovery). وقد تناولت الورقة تجربة بحثية تسعى إلى نقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة تنفيذ الأفكار التي يضعها الإنسان إلى مرحلة أكثر تقدما، يصبح فيها قادرا على ابتكار بنى معمارية جديدة للنماذج، واختبارها، وتحليل نتائجها بصورة ذاتية.
تقوم الفكرة على إنشاء منظومة تضم مجموعة من الوكلاء الأذكياء، يعمل كل منهم في دور مختلف. أحدهم يقترح فكرة جديدة لبناء النموذج، وآخر يكتب الشفرة البرمجية، وثالث يتولى التدريب، ورابع يحلل النتائج ويقترح التحسينات، ثم تتكرر الدورة مرات متتالية دون تدخل من الباحثين. وخلال التجربة أجرى النظام آلاف الاختبارات، وقدم عددا كبيرا من التصاميم الجديدة، وأظهرت بعض هذه النماذج أداء لافتا في عدد من معايير التقييم.
وقد اختار الباحثون وصف هذه المرحلة بأنها “لحظة AlphaGo”، في إشارة إلى النقلة التي أحدثها برنامج AlphaGo عندما قدم في عام 2016 نقلة غير متوقعة في لعبة “جو”، غيرت نظرة العالم إلى قدرات الذكاء الاصطناعي. واليوم يرون أن تصميم نماذج جديدة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد يمثل تحولا مشابها في مجال البحث العلمي.
في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الورقة في عدد التجارب التي أجراها النظام، ولا في عدد النماذج التي صممها، وإنما في الاتجاه الذي تشير إليه. فالسنوات الماضية شهدت سباقا محموما لزيادة أحجام النماذج، وتوسيع قواعد البيانات، وتعزيز قدرات الحوسبة. أما هذه الورقة فتفتح بابا مختلفا، يقوم على أن يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه شريكا في ابتكار الجيل القادم من نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، لا أرى أن هذه التطورات تعني خروج الإنسان من دائرة التطوير، كما يذهب بعض المتحمسين. فما زال الإنسان هو من يحدد الأهداف، ويضع المعايير، ويصمم بيئة البحث، ويقيم النتائج، ويقرر الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه هذه الأنظمة. وقد تتوسع مساحة العمل التي يؤديها الذكاء الاصطناعي، غير أن مسؤولية التوجيه والحوكمة ستبقى مسؤولية بشرية في المستقبل المنظور.
وقد نكون أمام بداية مرحلة جديدة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، تتغير فيها طبيعة دور الباحث. فبدلا من قضاء الوقت في تجربة مئات الاحتمالات بنفسه، يمكن للباحث أن يقود منظومة ذكية تستكشف آلاف الأفكار، ثم يوجهها نحو الأهداف التي تحقق أكبر قيمة علمية أو اقتصادية أو مجتمعية.
وأعتقد أن هذه الورقة تحمل رسالة مهمة للجامعات، ومراكز البحوث، والمؤسسات التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي، وكذلك الدول.. فالمنافسة في المستقبل قد لا تقتصر على امتلاك أقوى نموذج، وإنما ستمتد إلى امتلاك أفضل الأنظمة القادرة على اكتشاف النماذج التالية. وعندها ستصبح سرعة التعلم والابتكار عاملا أكثر تأثيرا من حجم النموذج نفسه.
وربما يكون أهم ما خرجت به بعد قراءة هذه الورقة أن الذكاء الاصطناعي يقترب من مرحلة يصبح فيها أداة لا تكتفي بمساعدة الإنسان على حل المشكلات، وإنما مشاركا وربما منافسا في اكتشاف طرق جديدة للتفكير والحل. وإذا استمرت هذه المسيرة بالوتيرة الحالية، فإن السنوات القادمة قد تشهد تحولا كبيرا في أسلوب تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه، وهي مرحلة تستحق المتابعة بقدر كبير من الاهتمام، لأنها قد تعيد رسم مستقبل هذا المجال بأكمله.



