الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

اختلال وظائف الجسد الوطني: أعراض المرض ومسارات التعافي (1/2)

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

من أعظم ما أودعه الله في خلق الإنسان ذلك التناسق المدهش بين مليارات الخلايا التي يتكون منها الجسد. فكل خلية تؤدي وظيفة محددة، وكل عضو يعمل ضمن منظومة متكاملة، وكل جهاز يرتبط بغيره بعلاقات دقيقة تجعل الحياة ممكنة ومستقرة. ولا تقوم صحة الإنسان على سلامة عضو واحد أو جهاز بعينه، وإنما على كفاءة المجموع وتوازن الوظائف الحيوية كلها. فإذا تعطلت إحدى الوظائف الأساسية أو أصاب الخلل أحد الأجهزة الرئيسة، بدأ المرض يتسلل إلى الجسد كله، مهما بدا بعض أجزائه سليماً في الظاهر.

وهذه الحقيقة البيولوجية لا تختلف كثيراً عن حقيقة الدول والأمم. فالدولة في جوهرها ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات إدارية أو سلطة سياسية، وإنما كائن اجتماعي وسياسي واقتصادي حي، يشبه في بنيته ووظائفه الجسد البشري. فالمجتمع هو خلاياه، والمؤسسات هي أعضاؤه، والاقتصاد هو طاقته، والأمن هو مناعته، والقانون هو الإطار الذي ينظم عمله، بينما تمثل القيادة والإدارة جهازه العصبي الذي ينسق الحركة بين مختلف الأجزاء.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى السودان بوصفه جسداً وطنياً عظيماً يمتلك من المقومات والإمكانات ما يؤهله للحياة والنمو والازدهار، لكنه تعرض عبر عقود طويلة إلى سلسلة من الاختلالات التي أصابت عدداً من وظائفه الحيوية الأساسية، فتراكمت الأزمات وتعقدت التحديات وظهرت أعراض المرض في السياسة والاقتصاد والأمن والاجتماع والتنمية.

وفي الجسد الإنساني يؤدي الدم دور الناقل الرئيسي للحياة، فهو يحمل الغذاء والأكسجين والطاقة إلى مختلف الأعضاء والخلايا. وفي الدولة تؤدي الموارد الوطنية الدور ذاته؛ فالثروات الزراعية والمعدنية والمائية والبشرية تمثل الدم الذي يغذي الاقتصاد والتنمية والاستقرار. وعندما يتعطل تدفق الدم أو يختل توزيعه، تبدأ بعض الأعضاء في الضعف والضمور. وكذلك فإن سوء إدارة الموارد أو احتكارها أو سوء توزيع عوائدها يؤدي إلى ظهور مناطق مهمشة وأخرى متخمة بالفرص، فتختل دورة الحياة داخل الجسد الوطني وتتراجع قدرته على النمو المتوازن.

أما القلب، ذلك العضو الذي يحافظ على تدفق الدم واستمرار الحياة، فيقابله في الدولة الشعور الوطني الجامع والهوية المشتركة التي تمنح المواطنين الإحساس بالانتماء إلى مصير واحد. فحين تضعف الهوية الوطنية أو تتغلب الانتماءات الضيقة على فكرة الوطن، يصبح الجسد الوطني معرضاً للتشظي والانقسام، تماماً كما ينهار الجسد إذا عجز القلب عن أداء وظيفته. ولهذا فإن ترسيخ قيم المواطنة والعدالة والمساواة ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، وإنما ضرورة وجودية لبقاء الدولة واستقرارها.

ويُعد الدماغ والجهاز العصبي مركز القيادة والتحكم في الجسد، حيث تُتخذ القرارات وتُنسق الحركات وتُدار الاستجابات المختلفة. ويقابل ذلك في الدولة منظومة القيادة والإدارة ومراكز صنع القرار والتخطيط الاستراتيجي. وعندما يفقد الجهاز العصبي كفاءته، تصبح حركة الجسد مضطربة ومتناقضة. وكذلك فإن غياب الرؤية الوطنية طويلة المدى، وضعف التخطيط، وتنازع مراكز القرار، وتغليب المصالح الضيقة على المصالح العليا للدولة، كلها مؤشرات على خلل أصاب العقل المدبر للجسد الوطني، فانعكس ارتباكاً في السياسات وتذبذباً في الأولويات وعدم استقرار في المسارات العامة.

أما الجهاز التنفسي فهو مصدر الأكسجين الذي يمنح الخلايا القدرة على الحياة والإنتاج. وفي حياة الأمم تمثل الحرية والمعرفة والحوار وتداول المعلومات ذلك الأكسجين الذي تتنفسه المجتمعات. فالدول التي تضيق فيها مساحات التفكير والتعبير والنقاش العام تدخل تدريجياً في حالة من الاختناق الفكري والسياسي، فتتراجع قدرتها على الإبداع والتجديد والتكيف مع المتغيرات، وتفقد جزءاً من حيويتها الوطنية.

ويأتي الجهاز الهضمي بوصفه المسؤول عن تحويل الموارد إلى طاقة نافعة للجسد. وهذه الوظيفة تمثلها في الدولة المنظومة الاقتصادية والإنتاجية. فالسودان ليس بلداً فقيراً في موارده، بل يمتلك من الأراضي الزراعية والمياه والثروات المعدنية والحيوانية والموقع الجغرافي ما يؤهله ليكون من الدول المنتجة والمؤثرة اقتصادياً. غير أن امتلاك الموارد وحده لا يكفي إذا كانت آليات الإدارة والإنتاج عاجزة عن تحويلها إلى قيمة مضافة وتنمية مستدامة وفرص عمل وتحسين حقيقي لمستوى المعيشة.

وفي المقابل يؤدي جهاز الإخراج وظيفة حيوية لا تقل أهمية عن بقية الأجهزة، إذ يتولى التخلص من السموم والفضلات التي تتراكم داخل الجسد. وبدون هذه الوظيفة يصبح الجسد معرضاً للتسمم مهما كانت بقية أعضائه سليمة. وفي الدولة تمثل أجهزة الرقابة والمحاسبة والقضاء وسيادة القانون هذا الدور الحيوي. فحين تضعف آليات المساءلة أو تتراجع معايير النزاهة والشفافية، تبدأ السموم السياسية والإدارية والاقتصادية في التراكم داخل الجسد الوطني، فتنتشر مظاهر الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة، وتتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات مزمنة تعيق التنمية والاستقرار.

أما الجهاز الدوري، الذي يضخ الدم إلى مختلف أنحاء الجسد، فيقابله نظام توزيع الموارد والخدمات والفرص بين الأقاليم والمجتمعات المختلفة. وعندما يتوقف الدم عن الوصول إلى أحد أعضاء الجسد يبدأ ذلك العضو في الذبول وربما الموت. وكذلك فإن الاختلالات الكبيرة في التنمية والخدمات والبنية التحتية بين مناطق السودان المختلفة أسهمت في خلق شعور بالتهميش والإقصاء وأضعفت الروابط الوطنية الجامعة.

وإذا كان الدماغ يمثل مركز القيادة والتحكم، فإن الهيكل العظمي يمثل البنية التي يستند إليها الجسد كله. فالعظام لا تمنح الإنسان شكله الخارجي فحسب، وإنما توفر له التماسك والقدرة على الحركة والوقوف ومقاومة الضغوط. وفي الدولة تؤدي المؤسسات الدائمة هذا الدور الحيوي؛ فالخدمة المدنية المهنية، والمؤسسات العدلية، والأجهزة الرقابية، والمؤسسات التعليمية والبحثية الوطنية، وسائر البنى المؤسسية الراسخة، تشكل الهيكل الذي يحمل الدولة ويحفظ استمراريتها عبر تغير الحكومات والقيادات والظروف السياسية. وعندما يضعف هذا الهيكل أو يتعرض للتسييس والتفكيك المستمر، تفقد الدولة جزءاً من قدرتها على الثبات والاستقرار، وتصبح أكثر عرضة للاهتزاز أمام الأزمات والتحديات.

ويؤدي الجهاز المناعي مهمة الدفاع عن الجسد ضد الأخطار الداخلية والخارجية. وفي الدولة تقوم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بهذا الدور الحيوي. غير أن المناعة الفعالة لا تعتمد على القوة وحدها، وإنما على المهنية والانضباط والتكامل مع بقية مؤسسات الدولة. فالمناعة الضعيفة تفتح الأبواب أمام التهديدات والاختراقات، والمناعة المختلة قد تتحول إلى عبء على الجسد نفسه. ولذلك فإن بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية قوية ومحترفة يظل من أهم شروط استقرار الدولة وصيانة سيادتها.

وقد كشفت الحرب الراهنة بصورة قاسية حجم الاختلالات المتراكمة داخل الجسد الوطني عبر عقود طويلة. فالأزمات الكبرى لا تصنع مواطن الضعف بقدر ما تكشفها، تماماً كما تكشف الأمراض الحادة ما كان كامناً في الجسد من علل لم تُعالج في وقتها. وقد أظهرت هذه الحرب جوانب متعددة من الخلل في بنية الدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والمؤسسية، مؤكدة أن التعافي الحقيقي يبدأ من معالجة الأسباب العميقة لا الاكتفاء بالتعامل مع الأعراض الظاهرة.

لقد أظهرت رحلة التأمل في وظائف الجسد الوطني أن الأزمات التي تعيشها الدول لا تنشأ فجأة، ولا تُفسَّر بعامل واحد أو مؤسسة واحدة أو قرار واحد. فكما تتراكم الأمراض داخل الجسد عبر الزمن قبل أن تظهر أعراضها على السطح، تتراكم الاختلالات داخل الدول عبر سنوات طويلة حتى تبلغ مرحلة الأزمة الظاهرة. وما كشفته الحرب السودانية لم يكن سوى جزء من هذه الحقيقة؛ إذ أزاحت الغبار عن مواطن ضعف تراكمت في بنية الدولة ومؤسساتها وعلاقاتها الوطنية. غير أن تشخيص المرض، على أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق التعافي، فالسؤال الأهم يظل: كيف تستعيد الأمم عافيتها بعد أن تدرك مواضع الخلل؟ وذلك ما سنحاول الاقتراب منه في الجزء الثاني.

الجمعة 5 يونيو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!