جنيف بين الإدانة والتحفظ… قراءة قانونية وسياسية في قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن السودان!؟

لم يكن قرار مجلس حقوق الإنسان الأخير على خلفية الأوضاع بمدينة الأبيض وما حولها ، وعموم المشهد بالسودان مجرد موقف سياسي من تطورات الحرب، بل جاء تجسيداً لتنامي حضور المنظومة القانونية الدولية في إدارة النزاعات المسلحة المعاصرة. فالحروب لم تعد تقاس فقط بنتائجها العسكرية، وإنما أيضاً بمدى التزام أطرافها بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي، وبقدرتها على حماية المدنيين وصون الكرامة الإنسانية.ومن هذه الزاوية، فإن القرار يمثل محطة مهمة في مسار تدويل المساءلة القانونية، ويبعث برسالة واضحة في تثبيت الشرعية الوطنية للدولة ورفض الحكم الموازي و ادانة المليشيا، مفادها أن الانتهاكات الجسيمة لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، بل أصبحت محل اهتمام المجتمع الدولي بأسره، لكن الانتقائية في تسمية وملاحقة الجناة ما تزال على المحك!
القانون الدولي… المرجعية الحاكمة للنزاع يقوم النظام القانوني الدولي على ركيزتين أساسيتين في النزاعات المسلحة.الأولى هي القانون الدولي الإنساني، الذي ينظم وسائل وأساليب القتال ويحمي المدنيين والأعيان المدنية والجرحى والأسرى والعاملين في المجال الإنساني، بغض النظر عن هوية أطراف النزاع.وتفصل بروتوكلاته المضامين التي ينبغي تجسيدها قانونا.
أما الثانية فهي القانون الدولي الجنائي، الذي يقرر المسؤولية الجنائية الفردية والجماعية عن الجرائم الدولية، وعلى رأسها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي الخ، بحيث لا يختبئ مرتكبو هذه الجرائم خلف الدول أو المؤسسات أو الرتب العسكرية.ومن هنا فإن قرار مجلس حقوق الإنسان لم يأت لإدانة سياسية مجردة، وإنما أعاد التأكيد على هذه المرجعية القانونية التي تحكم سلوك جميع أطراف النزاع دون استثناء.
من الإدانة إلى المساءلةإن أخطر ما يميز القرارات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان ليس لغة الإدانة، وإنما ما تؤسس له من مسارات قانونية مستقبلية، ويمكن تطويرها بالأدلة والتشبيكات الأخرى مع المحكمة الجنائية الدولية، الي توجيه التهم والمساءلة .فكل قرار يتضمن الدعوة إلى الرصد والتوثيق وجمع الأدلة يمثل لبنة في بناء ملف قانوني متكامل قد يستند إليه مستقبلاً القضاء الوطني أو الآليات الاقليمية والدولية المختصة. ولذلك فإن قيمة القرار لا تكمن فقط في أثره السياسي والدبلوماسي الآني، وإنما في حفظ الوقائع والأدلة ومنع طمس الحقيقة أو ضياع حقوق الضحايا، خاصة في عالم اليوم وتطور اليات الرقابة والفحص والتوثيق.
ولهذا أصبح التوثيق اليوم جزءاً أصيلاً من منظومة العدالة الدولية، وليس مجرد عمل إعلامي أو حقوقي، وانما ركيزة أساسية.
الإفلات من العقاب… التحدي الأكبرلقد رسخت المنظومة القانونية الدولية خلال العقود الأخيرة مبدأ أساسياً مفاده أن الجرائم الدولية الخطيرة لا ينبغي أن تمر دون مساءلة.
وأصبح مبدأ عدم الإفلات من العقاب أحد الأعمدة التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر، باعتباره الضمانة الأساسية لردع الانتهاكات ومنع تكرارها وتحقيق العدالة للضحايا او الهروب بالإنكار والتسويف كما يفعل الراعي الاقليمي للحرب ..ولا يستهدف هذا المبدأ دولة بعينها أو طرفاً محدداً، بل يقوم على قاعدة قانونية عامة مفادها أن المسؤولية الجنائية شخصية، وأن كل من يثبت تورطه في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يخضع للمحاسبة وفقاً للقانون، أياً كانت صفته أو موقعه.ومن ثم فإن احترام هذا المبدأ لا يتعارض مع سيادة الدول، بل يعززها من خلال ترسيخ سيادة القانون داخل الدولة نفسها.
مجاذا كسب السودان؟
ورغم أن القرار حمل انتقادات واضحة لما يجري في السودان، فإنه في المقابل منح الدولة السودانية فرصة مهمة لإثبات التزامها بالشرعية الدولية، التي تسعي الأطراف التي أشعلت الحرب ورعتها ومولتها لضربها بتثبيت فكرة (الطرفانية)..فالقرار لم يفرض عقوبات جديدة، ولم ينشئ محكمة خاصة، ولم يصدر أحكاماً قانونية مسبقة، وإنما ركز على ضرورة احترام القانون الدولي، والتعاون مع الآليات الأممية، ومواصلة عمليات الرصد والتوثيق، في سياق ما تعودت البلاد عليه من انتقائية وتسويف.
وهذا يتيح للسودان أيضا مساحة دبلوماسية وقانونية لإبراز جهوده الوطنية في التحقيق والمساءلة، وتطوير مؤسساته العدلية، وإظهار أن مكافحة الإفلات من العقاب تمثل التزاماً وطنياً قبل أن تكون مطلباً دولياً.
رسالة السودان إلى المجتمع الدوليإن الرسالة التي ينبغي أن يحملها السودان في هذه المرحلة لا تقتصر على رفض الانتهاكات، وإنما تتمثل في إعلان التزام واضح بمنظومة القانون الدولي بأكملها وتطبيقها على الجناة والممولين ورعاة الحرب .
فالسودان، بوصفه عضواً في الأمم المتحدة وطرفاً في عدد من الاتفاقيات الدولية، يؤكد احترامه لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويجدد التزامه بمحاسبة كل من يثبت تورطه في الجرائم الجسيمة، وفقاً للقانون الوطني والمعايير الدولية، بعيداً عن الانتقائية أو التسييس.
وفي الوقت ذاته، يطالب المجتمع الدولي بأن يتعامل مع جذور الأزمة، وألا تقتصر المقاربة على إدانة النتائج، بل تمتد إلى وقف مصادر التسليح والتمويل والدعم الخارجي التي تؤدي إلى تجاوز السردية الوطنية واستمرار النزاع وإطالة أمد معاناة المدنيين.
العدالة طريق السلام
لقد أثبتت التجارب الدولية، من البلقان إلى رواندا وسيراليون، أن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما بإقامة منظومة عدالة تكفل كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، بما يمنع إعادة إنتاج العنف.ومن ثم فإن قرار مجلس حقوق الإنسان على ما تضمنه من بنود إيجابية وأخرى تحفظ عليها السودان ، لعدم تسميته للجناة والراعي، ينبغي النظر إليه باعتباره فرصة لتعزيز دولة القانون في السودان، لا مجرد وثيقة للإدانة أو الضغط السياسي. فكلما كانت مؤسسات العدالة الوطنية أكثر قدرة واستقلالاً، تقلصت الحاجة إلى تدخل الآليات الدولية، وترسخت السيادة الوطنية في صورتها الحقيقية، بوصفها سيادة القانون لا سيادة الإفلات من العقاب. وبالمقابل فان رفض السودان تجديد تفويض لجنة تقصي الحقائق، لأنه يرى أنها تفتقر للمهنية والتوازن والحياد، وتتجاوز الآليات الوطنية والإقليمية، ولم تعكس حقيقة المسؤوليات بصورة منصفة وعادلة لانها تعاملت مع تبعات الحرب لا جوهر الأزمة. وهكذا، فإن المكسب الحقيقي للسودان لا يكمن في كيفية التصويت على القرار داخل قاعة مجلس حقوق الإنسان، وإنما في قدرته على تحويل مبادئ القانون الدولي إلى ممارسة وطنية راسخة، تجعل العدالة أساساً للمصالحة، وسيادة القانون طريقاً لاستعادة الدولة، وحماية الإنسان غايةً لكل مشروع وطني بعد الحرب.
ويبقى قرار مجلس حقوق الإنسان محطة جديدة في مسار الأزمة السودانية، لكنه ليس نهاية المطاف. فالقرارات الدولية لا تغير الوقائع على الأرض ما لم تقترن بإرادة وطنية حقيقية لحماية المدنيين، وإنفاذ القانون، وإنهاء الإفلات من المساءلة والعقاب.



