الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين الواقعية السياسية والمغامرة الاستراتيجية: لماذا يثير التفاهم الأمريكي الإيراني كل هذا الجدل!؟

السفير د. معاوية التوم


مقدمة
في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى تسويق مذكرة التفاهم واتفاق الشرف غير الموقع مع إيران باعتبارهما مدخلاً لخفض التوتر في الخليج ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، تتصاعد في واشنطن موجة انتقادات حادة من داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء، وسط تساؤلات جوهرية حول الثمن السياسي والاستراتيجي الذي ستدفعه الولايات المتحدة مقابل هذا التفاهم.
فالاعتراضات لم تعد تقتصر على تفاصيل الاتفاق أو آليات تنفيذه، بل امتدت إلى فلسفته الأساسية، وما إذا كانت واشنطن بصدد منح طهران مكاسب اقتصادية واستراتيجية ضخمة مقابل التزامات يصعب التحقق منها أو ضمان استدامتها.
اتفاق بلا توقيع وضمانات محدودة
أولى نقاط الضعف التي يركز عليها المنتقدون تتعلق بالطبيعة القانونية والسياسية للترتيب نفسه.
فما يجري الحديث عنه ليس معاهدة ملزمة ولا اتفاقاً دولياً مكتمل الأركان، وإنما تفاهمات سياسية وإجراءات متبادلة قابلة للتعديل أو التراجع عنها مع أي تغير في موازين القوى أو الإدارات الحاكمة.
ويرى منتقدو الاتفاق أن غياب التوقيع الرسمي والضمانات القانونية الصلبة يجعل الولايات المتحدة تقدم تنازلات حقيقية مقابل وعود سياسية قد تتغير مع تغير الظروف الداخلية والإقليمية.
ومن هذه الزاوية يطرح السؤال التقليدي في واشنطن: ماذا ستفعل الإدارة إذا حصلت إيران على المكاسب الاقتصادية ثم قررت لاحقاً إعادة تفسير التزاماتها أو تقليصها؟
الأموال المجمدة.. الجائزة الكبرى
النقطة الأكثر حساسية في النقاش الأمريكي تتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة وإمكانية الإفراج عن أجزاء معتبرة منها.
فالمعارضون يرون أن الاقتصاد الإيراني الذي عانى لسنوات من العقوبات والقيود المصرفية سيحصل على دفعة مالية كبيرة تسمح له باستعادة جزء مهم من قدرته على الحركة.
وبحسب هذا المنطق فإن طهران لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره مجرد تسوية سياسية، بل باعتباره فرصة اقتصادية استراتيجية تتيح لها الوصول إلى مليارات الدولارات التي ظلت خارج الدورة الاقتصادية الإيرانية لسنوات.
ويذهب بعض المشرعين الأمريكيين إلى أن هذه الموارد لن تقتصر آثارها على الداخل الإيراني، بل ستنعكس على مجمل النفوذ الإقليمي لإيران، وهو ما يفسر حجم الاعتراض داخل الكونغرس.
النفط الإيراني يعود بقوة إلى الأسواق
الاعتراض الثاني يرتبط بملف النفط.
فأي تخفيف فعلي للقيود المفروضة على صادرات النفط الإيراني سيؤدي إلى زيادة الإيرادات الحكومية الإيرانية بصورة كبيرة، خصوصاً في ظل الطلب العالمي المستمر على الطاقة.
ويعتقد المنتقدون أن واشنطن تنتقل عملياً من سياسة الضغط الاقتصادي القصوى إلى سياسة تسمح لطهران باستعادة جزء معتبر من عائداتها النفطية، دون أن تكون هناك ضمانات كافية بأن السلوك الإقليمي الإيراني سيتغير جذرياً بالمقابل.
ومن هنا يبرز التناقض الذي يشير إليه خصوم الاتفاق: إذا كانت العقوبات قد فُرضت أساساً لتقييد الموارد المالية الإيرانية، فلماذا يجري الآن السماح بتدفق تلك الموارد قبل التوصل إلى تسوية شاملة ونهائية؟
هرمز.. سابقة أمريكية مقلقة
ربما يكون البعد الأكثر إثارة للجدل هو ارتباط التفاهمات بملف أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
فالتاريخ الأمريكي الحديث لا يتضمن سوابق كثيرة اضطرت فيها واشنطن إلى الدخول في ترتيبات غير مباشرة مع خصم استراتيجي مقابل ضمان استمرار انسياب التجارة والطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويعتبر بعض المنتقدين أن مجرد ربط أمن المضيق بمسار تفاوضي مع إيران يمنح طهران ورقة نفوذ إضافية كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تحاول تجنب تكريسها.
فبدلاً من تثبيت مبدأ حرية الملاحة باعتباره حقاً دولياً غير قابل للمساومة، يخشى هؤلاء أن يُفهم الاتفاق على أنه اعتراف ضمني بقدرة إيران على التأثير في أمن المضيق واستخدامه كورقة تفاوضية في المستقبل.
لماذا استعجل ترامب؟
في المقابل، يدافع مؤيدو التفاهم عن منطق مختلف يقوم على البراغماتية السياسية.
فالإدارة الأمريكية تواجه ضغوطاً اقتصادية عالمية مرتبطة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، كما أن أي إغلاق أو اضطراب واسع في مضيق هرمز قد ينعكس فوراً على الأسواق العالمية والداخل الأمريكي.
ومن ثم فإن التسريع نحو التفاهم لا يرتبط فقط بالملف الإيراني، بل أيضاً بالرغبة في تجنب صدمة اقتصادية عالمية جديدة قد تؤثر على الداخل الأمريكي وعلى الحلفاء الأوروبيين والآسيويين.
غير أن هذا التبرير نفسه أصبح مادة للنقد؛ إذ يرى معارضو الاتفاق أن الاستعجال الأمريكي يعكس حاجة واشنطن إلى التهدئة أكثر مما يعكس حاجة طهران إليها، وهو ما أضعف الموقف التفاوضي الأمريكي وأعطى إيران هامشاً أوسع للمناورة.
أسوأ تخبط في السياسة الخارجية؟
العبارة التي تتردد في أوساط بعض المشرعين والمعلقين الأمريكيين هي أن واشنطن انتقلت خلال سنوات قليلة من سياسة “الضغط الأقصى” إلى سياسة “الحوافز القصوى”، دون أن تشرح للرأي العام الأمريكي ما الذي تغير فعلياً في السلوك الإيراني ليبرر هذا التحول.
ولهذا يصف بعض المنتقدين المسار الحالي بأنه نموذج للتخبط الاستراتيجي؛ إذ تُرفع القيود تدريجياً، وتُفرج الأموال المجمدة، وتُخفف الضغوط النفطية، بينما تبقى الملفات الخلافية الكبرى قائمة من دون حلول نهائية.
وبالنسبة لهؤلاء فإن المشكلة ليست في التفاوض مع إيران بحد ذاته، وإنما في حجم التنازلات المقدمة قبل الوصول إلى اتفاق شامل وقابل للتحقق والتنفيذ.
الجدل حول مشروعية الحرب وأساس التدخل
ولم يقتصر الجدل داخل الولايات المتحدة على تفاصيل الاتفاق أو مخرجاته السياسية، بل امتد إلى التساؤل حول مشروعية الحرب نفسها والأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية عند الانخراط في المواجهة. فقد أثار عدد من المشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت السلطة التنفيذية قد تجاوزت صلاحياتها الدستورية، خاصة في ظل غياب تفويض صريح من الكونغرس للحرب أو لعمليات عسكرية واسعة النطاق قد تجر الولايات المتحدة إلى نزاع إقليمي مفتوح. ويرى منتقدو الإدارة أن الانتقال السريع من سياسة “الردع والاحتواء” إلى مسار المواجهة ثم التفاوض تحت ضغط التطورات الميدانية عكس حالة من الارتباك الاستراتيجي أكثر من كونه نتاج رؤية متماسكة للأمن القومي الأمريكي.
وفي هذا السياق، برزت أصوات تعتبر أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة قد تمنح أي إدارة مستقبلية مساحة أوسع لتجاوز الرقابة التشريعية في قضايا الحرب والسلم، بينما ذهب آخرون إلى أن التكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية للمواجهة لم تكن متناسبة مع المكاسب التي انتهت إليها المفاوضات. ومن هنا نشأ السؤال الأكثر إحراجاً داخل واشنطن: إذا كانت النتيجة النهائية هي القبول بتفاهمات تتيح تدفق النفط وفتح الممرات البحرية والإفراج عن أموال مجمدة وتخفيف الضغوط الاقتصادية، فلماذا جرى خوض المواجهة أصلاً وما الذي حققته الولايات المتحدة استراتيجياً يفوق ما كانت تستطيع بلوغه عبر التفاوض المباشر منذ البداية؟ وهو سؤال ما يزال يتردد بقوة في أروقة الكونغرس ومراكز الفكر الأمريكية مع استمرار تقييم حصيلة الأزمة وتداعياتها على مكانة الولايات المتحدة ومصداقية ردعها في المنطقة.
خاتمة
يبقى الجدل الحقيقي داخل الولايات المتحدة أبعد من تفاصيل مذكرة التفاهم أو اتفاق الشرف غير الموقع. فالمسألة تتعلق بالسؤال الأعمق حول موقع القوة الأمريكية في النظام الدولي وكيفية استخدامها.
فبين من يرى أن الواقعية السياسية تقتضي تقديم تنازلات مؤقتة لتجنب مواجهة مكلفة، ومن يعتبر أن ما يجري يمثل تراجعاً استراتيجياً يمنح إيران موارد مالية ونفوذاً إضافياً دون مقابل كافٍ، يبدو أن الاتفاق سيظل أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل واشنطن، وربما أحد أكثر اختبارات السياسة الخارجية الأمريكية حساسية في السنوات الأخيرة. كما أعادت المذكرة الي الواجهة جدل مشروعية الحرب من اساسها .
—————-
١٨ يونيو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!