ليمانيات / د. إدريس ليمان

وأنثرها عبيراً فى يديك ..!!


في الأول من يناير من كل عام ونحن نرى أعلام السودان تُرفرف فى كل مكان بعد أن أخذت شوارعنا ومؤسساتنا ذُخرُفها وإزَّيَنتْ كان يستيقظ فينا الحُلم الجميل بوطنٍ أكثر إزدهاراً وعدلاً وأمناً ، وطن يبادلنا حباً بحب ، ويربت على أكتافنا ويتغاضى عن زلاَّتنا ويشعل قناديل الأمل في نفوسنا ويوزع الفرح على مواسمنا المجدبة المترعة بالكآبة…
 أمَّا في ذكرى الإستقلال هذا العام رغم الأعلام المُنَكسة حُزناً وحِداداً ، ورغم كل المآسي والدماء والدموع والمهاجر والملاجئ ، ورغم الوجع والألم والخراب والدمار إزددنا إيماناً بأنَّ هذا السودان الوطن العظيم بكل النقص الذى فى ساسته وبنيه هو المأوى والمؤل ، وأن جغرافيته وتاريخه أطمعت فينا كلاب الصحراء ممن يطوحون في رحلة التيه والبحث العبثي عن وطنٍ ينهبونه ولايسكنون فيه والذى لن يتأتي لهم ولا يكون لهم أبداً مهما كانت ( عُفونة أُم قدوماً عفن ) بتقديراتٍ خاطئة بل موغِلة فى الأنانية والنرجسية مِنْ حُكامنا عفى الله عنهم ..
وتأتى ذكرى الإستقلال الثامنة والستون وقد أصبح محمد أحمد السودانى ( كطَير الوِدَّىْ نَزَّاح يسَابق الشاردة ) من نزوحٍ إلى نزوح ..!! أورثه الذُّل والهوان وسَلّمه إلى التِيه والضياع مُشَرَّداً فى وطنه هائماً بين حدود الدول ..!! فأوقن الجميع بعد رأوا الجحيم وذاقوا العذاب على يد المليشيا الجبانة الغادرة أن منجَاتَهم فى أن يكونوا يدٌ على من سواهم ، وأن يُعيدوا رسم ملامح العلاقات التي تجمعهم ، وأن يُصحِحوا الأخطاء والخطايا حُكاماً ومحكومين ، وأن يزدادوا إيماناً بهذا الوطن الذى لايملكون غيره ولا يملك سواهم ، ولا بُدَّ مِمَّا ليس منه بُدُّ ، ولكُلٍّ قِبلَةً هو موليها فليَستَبِقوا الخَيرات ..
فبلادنا أضحت جريحة كسيفة تنتظر النصر والفرح على دوى المدافع وأصوات الرصاص رغم جُرحها النازف المفتوح والمرشوش عليه من ملح الخيانة ..!! والمسكينة لاتدرى ما السبب لكل ذلك وكيف حدث ما حدث ؟ ولِمَ ؟ ومِمَّ ؟ وعَمَّ ؟ وكل صور الإستفهام التى تناثرت صيحاتها من أهلها على مسامع العدم ..!! وستظل ذكرى الإستقلال رغم كل الوجع والألم والفجيعة ، ورغم أخطاء القوى السياسية وخطايا الحكام هى اللحن الذي يطربنا ويشجينا جميعاً ، ويمنحنا العِزَّة والكرامة ويورثنا شرفاً ومقاماً .. فلم يَعُد فى قاموس حياتنا بعد الفظائع التى أحدثتها المليشيا المتمردة وأرادت بها قلع أوتاد الدولة المشدودة بالمحبة والمودة والتى إختبأت خلفها بعض القوى الإقليمية والدولية تُدير المشهد المأساوي وتُعمِّق الجراحات بما لديها من أساليب وأدوات وأموال طمعاً فى أرض السودان وفى ثرواته إلاَّ القتال دفعاً للصائل وإفساداً لمؤامرات دولة المؤامرات ، ولن يتخلى أحد مِنَّا عن أرضه أو يُفَرِّط فى عِرضه فنحنُ فى الشِدِّة بأسٌ يتجلى كما قال شاعرنا ، وسيظل السودان دوماً في ثنايا القلب حلماً يكبر مع أهله لإزاحة هذا الكابوس القادم من عمق الصحراء وإستئصال هذا الورم الخبيث ومن ثم ثورة البِناء والإعمار التى ستجعل أفئدة الباحثين عن الإستثمار تهوى إليه ..
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظ بلادنا وأهلها من كل سوء ، وأن يفك أسرانا وأن ينصر جيشنا ويُحَقِّق أمننا ..
وكل عام وبلادنا وأهلها وسائر بلاد المسلمين بألف خير.
الأحد ٣١ ديسمبر ٢٠٢٣م

اترك رد

error: Content is protected !!