
متون وحواش
واقعة النشر الفاضح لتسخط طالبة الشهادة الثانوية التي تدعو على المراقبتين لأنهما حرمتاها من استخدام ( بخرتها ) التي ( أصابت الهدف ) أي وافقت سؤال الامتحان ،يجعلنا نتساءل عن التكوين المعرفي والثقافي وحتى الديني لطلاب يستحلون البخرات ويدعون الله على من يحرمهم من الغش إن صحت جدية الواقعة .
أذكر قبل أكثر من عقدين واقعة بطلاها تربطهما صلة قرابة، أحدهما معلم لغة إنجليزية والآخر يجلس لامتحان الانجليزية في الشهادة الثانوية ،فقام المعلم بأخذ وسيلة الغش من قريبه ،و كانت قاموسا صغيراً بين اللغتين العربية والإنجليزية ،فكانت النتيجة أن خاصم الطالب قريبه المعلم لسنوات عديدة ،وقال لي المعلم : (أنا خدمته ليس من المعقول أن يبحث عن معاني أسئلة الامتحان كلمة كلمة ليفهمها ،سيضيع الوقت دون أن يفعل شيئا..من الأفضل له أن يعمل عقله ويحل ما استطاع دون القاموس ).
يبدو أن أول امتحان في الشهادة الثانوية الاثنين الماضي(الشهادة السودانية كما تعارف عليها السودانيون )، وهو في مادة التربية الإسلامية كانت تتخلل أسئلته الصعوبة ،فقد مرت بجواري طالبات تقول إحداهن لزميلاتها :(( امتحان التربية الإسلامية دا غلبني أشتغل فيهو شيء لو جابوا طالبة مسيحية يمكن تحلو أحسن مني )) ،وعلى الرغم من أن عموم الشكوى من الكثير من الطلاب أن الامتحان فيه أسئلة استنتاج وتفكير ، إلا أنني أرجح دور الطلاب السلبي بالتقصير في استذكار الدروس ،فقد وجدت مساء ذلك اليوم أوراقاً صغيرة متطايرة قذف بها طلاب مركز امتحانات مجاور على قارعة الطريق عقب خروجهم ،فتفحصت تلك القصاصات المرمية على الأرض وهي لا تكاد تقرأ بالعين المجردة لصغر حجمها ،إذ يبلغ حجم الصفحة ( 9× 6 ) سم ،وبعد التدقيق فيها وجدتها تصغيرا بماكينة تصوير المستندات لصفحات كاملة من كتاب التربية الإسلامية تحتوي على نصوص آيات قرآنية وشرحها عن حادثة الإفك ،فتعجبت كيف يرمونها على الأرض وفيها كلام الله عز وجل!
تأملت كيف أضحى الغش مستحدث الوسائل ،فقد كانت قصاصات الغش ( البخرات ) عسيرة الإعداد ،أذكر فتاة درجت على إعادة الجلوس لامتحان الشهادة السودانية كل عام لأكثر من عشر سنوات في ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي سعياً للنجاح ،كانت تحرص عقب كل امتحان سواءً صادفت تلك البخرات أسئلة الامتحان أم لا أن تعيد بخرات كل مادة في (كيس) وتضع الأكياس في علبة في انتظار العام القادم. فقد كانت كتابة (البخرات) متعبة خصوصاً أن الطلاب الذين أهملوا المذاكرة خلال العام يغلب عليهم التوتر في آخره ،فلا يستطيعون لا المذاكرة ولا كتابة البخرات ،فلجأت بعض الفتيات إلى أسلوب (النفير ) في كتابة ( البخرات ) حيث تأتي الزميلات والصديقات غير الجالسات للامتحان ويقمن بكتابة قصاصات الموضوعات المهمة في كل مادة .
أتذكر أيضاً في التسعينيات أن بعض الطلاب يصرون على ضرورة إكمال الكتابة من (البخرة) إن صادفت أسئلة الامتحان خاصة المقالات وموضوعات الإنشاء والتعبير في اللغتين العربية والإنجليزية ،وكان النمط السائد في المراقبة أن المراقب بمجرد أن يخرج الطالب القصاصة يحضر ويأخذها منه قبل أن يلتقط منها شيئاً ،وبذلك لا يتخذ ضده إجراءات حالة الغش باعتباره قام بعملية منعية قبل وقوع الغش ،فلجأ الطلاب إلى حيلة كتابة هذه الموضوعات مستنسخة (بالكربون )،والكربون لجيل اليوم هو ورقة خفيفة مصنوعة من مادة كربونية توضع بين ورقتين بحيث تستنسخ الكتابة التي يكتبها القلم على الورقة الأولى على سطح الورقة الثانية لكن بدرجة وضوح أقل .
يسعى الطالب لالتقاط كلمتين أو ثلاث من الصورة الكربونية الأولى قبل أن يلتقطها منه المراقب ،ثم يعود بعد قليل لاستخراج الصورة الكربونية الثانية فيلتقط منها الجملة أو الفكرة الثانية فيأخذها المراقب ،ثم يستخرج النسخة الأصلية ويلتقط منها بضع كلمات قبل مجئ المراقب ،ثم يجتهد بعد ذلك من أفكاره ويكون قد قطع شوطاً كبيراً في المقالة أو قطعة التعبير .
من الطرائف أذكر أستاذا يدعى (بريمة ) كان مديراً لمدرسة ورأى طالبا يريد أن يستخرج (بخرة ) فأتاه مسرعاً وأخذها فوجدها صورة كربونية ،فضحك وقال للطالب :((جيب الأصل يا حمدي )) فانتزع منه الصورة والأصل دفعة واحدة .
قبل عقد من الزمان كنت أقوم بأعمال الكنترول فجاءتني المراقبة في امتحان الترجمة الصحفية ،وكان مسموحا فيه باستخدام قاموس بين اللغتين العربية والإنجليزية ،لكن الطالب فضل أن يقوم باستنساخ جداول مصطلحات من الكتاب وجعلها على حجم صفحة القاموس وبعد كل خمس أو ست ورقات ألصق الصورة باستخدام الصمغ في صفحة القاموس بحيث تعتقد أنها واحدة من صفحاته .لم يكن هناك شاهد حين أخذت منه المراقبة القاموس ،فأنكر القاموس وقال لي إن هذه الأستاذة لديها مشكلة شخصية معه وجاءت بهذا القاموس من عندها لاختلاق هذه الحادثة .
صبرت حتى الامتحان التالي ،فحدثني أحد الأساتذة أثناء مروري أن هذا الطالب لديه كتابة في يده ،فوجدته نفس الشخص (صاحب حادثة القاموس) وهذه المرة الكتابة في باطن كفه .فاستدعيت مراقبين اثنين للشهادة عليه ،ثم قلت له :(( عليك الله برضو أنكر قول دي ما يدك )).
حاشية:
إن ما يبذله الطلاب من جهد في إعداد وسائل الغش كفيل بأن يجعلهم يستذكروا الموضوعات نفسها بذات الجهد ،أما الذين يتجارون في تصغير واستنساخ القصاصات فهؤلاء عليهم أن يعلموا أنهم يتاجرون في الممنوع والمشين .ومن عجب أن جيل اليوم يريد كل شيء جاهزاً حتى وسائل الغش ،ولا أستغرب أن يستخدموا الذكاء الاصطناعي في الغش إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً.نحتاج إلى تنشئة قيمية تنبذ الغش بكل أساليبه ،فالمجتمع الذي يتصالح مع الغش لا شك سيتصالح مع كل أشكال المحسوبية والفساد ويشكل حاضنة له .




