ليمانيات / د. إدريس ليمان

موسم رحيل العظماء ..


وإنْ قتلوك وإنْ غدروك فلستَ المقصود بهذا الغَدْر يا سيِّدى بل المقصود إغتيال وطنٍ تمَثَّل فيك ، وقتل الحماسةَ التى غرستها فى جنودك ومقاتليك بحسن صنيعك الذى ملأ الآفاق وسارت بذكره الرُكبان .. فلستُ أدري كيف أُعَزِّي فيك ياسيِّدى ولازلت أذكر إلحاحك وملاحقتك لى بالهاتف للمجئ إليك فى رئاسة الفرقة فى مثل هذه الأيام من العام الماضى وجلوسك حافى القدمين فى مكتبك العامر لمناقشة العديد من القضايا التى تهم الوطن والتحدِّيَات التى تواجه أمنه وإستقراره بفكرٍ عميق وبصيرةٍ حادَّة ، وكنتَ تَنثُرُ الدُّرَر بلغةٍ بسيطة جميلة ، ساحرة وبليغة تستحضر هموم الوطن وكيفية السبيل للنهوض به ولم يكن يتخلل حديثك قطيعة ولا نميمة كما يحدث كثيراً بل كانت تتخلله أقداح الشاى وفناجين القهوة .. !! كيف أعَزِّي في طَودٍ لا تَهُزَّه الريح .. !! كيف أُعَزَّي في الوعى والنُضج والشجاعةِ والبسالةِ والشموخ و الكبرياء وأنا الذِّى أستَحِّقُ أن أُعَزَّى فيه وقد أصابتنا مصيبة الموت التى نتأسى فيها بسيدنا رسول الله وقد إرتقى إلى الرفيق الأعلى .. !! لقد رَحَلتَ ياسيِّدى عظيماً كريماً مهيبًا كما كُنتَ فى حياتك واثق الخَطوِ صادقَ الوَعدِ وفيَّ العهد لجنودك ولأهل مدينتك بعد أن رفع الله ذكرك كما رفعت معنويَّات جميع أهل السودان بفعلتك التى فعلتْ وتوسَدَّت روضَّة من رياض الجنَّة حفرت لحدَها بيديك بعد أن أنَارَ الله بصيرتك فكُنتَ من أولئك المؤمنين الذين ما وَهنُوا و ما استكانوا و ما بدَّلوا و هم يدافعون بشرفٍ و عِزةِ نفسٍ عن أوطانهم وأهليهم ومواطنيهم وأموالهم وممتلكاتهم ومبادئهم و قناعاتهم .. إيهٍ يادُنيا وأُفٍّ وتُف أن يموت من يستحق الحياة بيد من يستحق الموت .. فقد كنت يا ياسِر موطّأَ الأكنافِ تَأسِرُ بأخلاقك الرفيعةِ و رؤيتك الثاقبةِ كلّ من يلتقيك و كلّ من يَجلِسُ إليك ، لِمَ هذه العجلة وهذا الرحيِلْ وبلادنا وقواتنا المسلحة فى أمسَّ الحاجة إليك وإلى أمثالك من الأبطال العظماء ، وإلى خبرتك الثَرَّة وفكرِك النَيِّر ، فقد كان رحيلك مزلزلاً كما كانت حياتك .. فقد تركتَ وراءك فراغاً عريضاً وهوةً سحيقة يصعب ملأهما فقد ألهمتَ كل أهل السودان وهكذا هي طينة العظماء يرحلون فى وقتٍ يَعِزُّ فيه الرِجال ..!! وهل حقَّاً يرحل العُظماء ..!!
رحمك الله رحمةً واسعة أخى ياسر وأسكنك الفردوس الأعلى من الجَنَّة فقد كُنتَ شُجاعاً وهل الشجاعةِ إلاَّ كمالاً ..!! وكُنتَ تؤثرُ على نفسك وهل الإيثارُ إلاَّ كمالاً ..!! وكنتَ كريماً وهل الكرم إلاَّ كمالاً ..!! وإنا لله و إنا إليه راجعون .

اترك رد

error: Content is protected !!