
إن مشهد بعض السودانيين، على قلة عددهم، وهم يشجعون الأرجنتين ضد مصر في كأس العالم لم يكن مجرد موقف رياضي عابر، بل كان، في تقديري، سلوكًا مؤسفاً يعكس موقفًا يتناقض مع بدهيات الجغرافيا ومنطق التاريخ.
هل نحتاج الى أن نقول أنه ليس بين السودان والأرجنتين روابط تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية تبرر هذا الانحياز، بينما تمتد بين السودان ومصر وشائج عميقة نسجتها الجغرافيا ووحدة وادي النيل، والتاريخ المشترك، والتداخل الأسري والثقافي، والمصالح المتبادلة التي تراكمت عبر قرون؟!
من المألوف في العلاقات بين الشعوب أن يميل الناس إلى مؤازرة الدول الأقرب إليهم تاريخًا وثقافة وجوارًا عندما لا يكون منتخبهم حاضرًا في المنافسة. وهذا ما نراه في كثير من أنحاء العالم، حيث تبرز روابط الجوار والانتماء الإقليمي فوق المنافسة الرياضية. ومن ثم فإن الموقف الطبيعي، بالنسبة لأهل السودان يكون مؤازرة مصر بوصفها أقرب الشعوب إليهم، لا الوقوف في صف منافس لا يجمعهم به جامع ولا يربطهم معه رابط!
ويبلغ الأمر ذروة القبح عندما يكون التشجيع موجَّهًا ضد مصر لمجرد أنها مصر، لا حبًا في الأرجنتين ولا إعجابًا بها. عندئذٍ يفقد التشجيع أي معنى رياضي مشروع، ويتحول إلى موقف سياسي خبيث تمليه دوافع أخرى لا علاقة لها بالرياضة.
ذلك الموقف لا يمكن فهمه بطبيعة الحال بمعزل عن الأوضاع السياسية الراهنة في السودان، فمنذ اندلاع الحرب عام ٢٠٢٣ ترسخ لدى أنصار قوات الدعم السريع وحلفائهم السياسيون اعتقاد بأن مصر تساند الجيش والدولة سياسيًا ودبلوماسيًا، وأنها تقف إلى جانبه في هذا الصراع. ومن هذا المنطلق، رأى بعضهم في مباراة كرة القدم فرصة للتعبير عن موقف سياسي، فاختاروا الوقوف مع الأرجنتين نكايةً في مصر!
والرياضة في نهاية المطاف ليست ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ولا ينبغي أن تتحول مباريات كرة القدم إلى مناسبة لإظهار الضغائن أو تغذية الانقسامات، وليس من الحكمة تحميل الشعب المصري أو المنتخب المصري تبعات مواقف سياسية، حقيقية كانت أو متصورة، وإظهار الابتهاج بخسارة منتخبه، فالمنتخبات الوطنية ليست أطرافًا في النزاعات المسلحة والصراعات السياسية.
ويبقى ما يدعو إلى الارتياح أن الغالبية الساحقة من أبناء السودان، في الداخل وفي دول الشتات، انحازت إلى الموقف الطبيعي، واصطفت إلى جانب ملايين الأشقاء في مصر، وفاءً لما يجمع الشعبين من وشائج التاريخ والجوار والمصير. وتلك هي الصورة التي تعبر عن ضمير الشعب السوداني ووجدانه، وهي الأصدق تمثيلًا له من أي موقف شاذ أو صوت نشاز!






