
(٥/٣)
بعد أن أمضى الذكاء الاصطناعي سنوات في التعلم والتدريب، تأتي اللحظة التي يبدأ فيها عمله الحقيقي، فعندما يكتب المستخدم سؤاله، أو يرسل قصيدة شعرية، أو يرفق مستندا، ثم يضغط زر الإرسال، تبدو العملية في غاية البساطة، إلا أن ما يحدث بعد تلك الضغطة يعد من أكثر العمليات الحاسوبية تعقيدا في عصرنا.تبدأ الرحلة بانتقال السؤال عبر شبكة الإنترنت إلى أقرب مركز بيانات، حيث تستقبله آلاف الحواسيب المتخصصة، ولا يستغرق وصول السؤال سوى أجزاء صغيرة من الثانية، بفضل شبكات الألياف الضوئية التي تنقل البيانات بسرعات تقترب من سرعة الضوء.
وعند وصول السؤال لا يقرأه الذكاء الاصطناعي بالطريقة التي يقرأ بها الإنسان الكلمات والجمل، فهو لا يرى الحروف العربية أو الإنجليزية كما نراها نحن، وإنما يحولها إلى تمثيل رياضي تستطيع معالجات الحواسيب التعامل معه. وتصبح كل كلمة جزءا من شبكة ضخمة من العلاقات الرياضية التي تعلمها النموذج خلال سنوات التدريب.
ثم تبدأ مرحلة فهم السياق، وهي من أهم مراحل الاستجابة، فكلمة واحدة قد تحمل أكثر من معنى، ولا يمكن تحديد المقصود منها إلا بالنظر إلى بقية الكلمات. فكلمة “العين” قد تعني العين التي نبصر بها، أو عين الماء، أو الجاسوس، أو الذهب الخالص في بعض الاستعمالات العربية. والسياق وحده هو الذي يحدد المعنى الصحيح.
ولا يكتفي النموذج بفهم الكلمات، وإنما يحاول أيضا فهم نية المستخدم، وهد المستخدم هل يريد تعريفا مختصرا؟ أم مقالا علميا؟ أم نقدا أدبيا؟ أم ترجمة؟ أم برنامجا بلغة برمجية مثل بايثون؟ ولهذا نجد أن تغيير صياغة السؤال أحيانا يؤدي إلى اختلاف في جودة الإجابة ودقتها. وخلال هذه المرحلة تنشط شبكة رياضية تضم مليارات أو مئات المليارات من العلاقات أو الخوارزميات التي تكونت أثناء التدريب، فتبدأ في مقارنة السؤال بما تعلمه سابقا، وتحديد الكلمات والأفكار الأكثر ارتباطا بالسياق المطلوب.
وقد يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي يكتب الفقرة كاملة مرة واحدة، بينما الحقيقة أنه يبني الإجابة تدريجيا، يبدأ بالكلمة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ويعيد في كل خطوة تقييم ما كتبه، وما سيكتبه بعد ذلك، وتتم هذه العملية بسرعة هائلة، حتى يبدو للمستخدم أن الفقرة ظهرت دفعة واحدة. ولو طلب عشرة أشخاص السؤال نفسه في اللحظة ذاتها، فإن النموذج يستطيع التعامل مع طلباتهم جميعا في وقت متزامن، اعتمادا على مراكز بيانات يتجاوز اعدادها عشرة الف مركز ، يضم كل مركز مئات الآلاف من المعالجات التي تعمل بصورة متوازية، وهو ما يفسر قدرة هذه الأنظمة على خدمة ملايين المستخدمين حول العالم في كل لحظة.
كما أن هنالك معلومة مهمة، أن جودة الإجابة لا تعتمد على قدرات نموذج الذكاء الاصطناعي وحدها، وإنما تعتمد أيضا على جودة السؤال نفسه، فكلما كان السؤال واضحا ومحددا وغنيا بالتفاصيل، ازدادت قدرة النموذج على إنتاج إجابة دقيقة. ولهذا ظهر في السنوات الأخيرة تخصص جديد يعرف باسم هندسة الأوامر أو Prompt Engineering، ويعنى بصياغة الأسئلة بطريقة تساعد النماذج على تقديم أفضل النتائج، وبعد أن يفهم النموذج السؤال ويحدد هدفه، تبدأ المرحلة الأخيرة، وهي بناء الإجابة كلمة بعد كلمة، وهي رحلة لا تقل أهمية عن رحلة فهم السؤال نفسه.
وهنا نصل إلى السؤال الذي سنجيب عنه في الحلقة القادمة: إذا كان الذكاء الاصطناعي لا يبحث عن إجابة جاهزة، فمن أين تأتي الكلمات والجمل التي يكتبها؟ وكيف يستطيع أن ينتج في كل مرة مقالا جديدا لم يكتبه أحد من قبل؟




