▪️محاولة إعادة صناعة السودان بدون السودان
▪️تطبيع الابادة وشرعنة سرديات المليشيا لصالح الاجندة الاماراتية

كتب : المحرر الدبلوماسي – الرواية الاولي ١٠ ابريل ٢٠٢٦
مؤتمر برلين المقرر في 15 أبريل 2026 يُقدَّم رسمياً بوصفه المؤتمر الوزاري الدولي الثالث حول السودان، وتقول الجهات المعلنة لاستضافته — ألمانيا، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة — إن هدفه هو حشد الدعم الإنساني ودفع جهود السلام في ظل اتساع النزوح والفظائع الجماعية وتفاقم الاحتياجات الإنسانية. لكن المشكلة ليست في مبدأ عقد مؤتمر دولي حول السودان، بل في البنية السياسية التي صيغ بها هذا المؤتمر، والتي تجعل منه، في شكله الحالي، أقرب إلى أداة لإعادة هندسة التمثيل السياسي السوداني من كونه منصة منصفة لمساعدة السودان.
1) لأنه مؤتمر عن السودان من دون الدولة السودانية نفسها.
أخطر ما في الصيغة الحالية أنه تم استبعاد الحكومة السودانية من الدعوة، وهو ما فجّر اعتراضاً رسمياً ورفضاً من قوى سياسية أخرى رأت في ذلك خللاً جوهرياً في الشرعية والتمثيل. هذه ليست مسألة بروتوكول فقط؛ بل مسألة تتعلق بمن يملك حق التحدث باسم السودان في الملفات الإنسانية والسياسية والسيادية. حين يُستبعد اصحاب الولاية القانونية على الدولة، ثم يُفتح الباب لفاعلين آخرين لملء هذا الفراغ، يصبح المؤتمر عملياً جزءاً من معركة الشرعية لا إطاراً لحل الأزمة.
2) لأن الغرض المعلن إنساني، لكن البنية الفعلية سياسية.
الخطاب الرسمي يصف المؤتمر بأنه منصة لحشد المساعدات وتنسيق الجهد الدولي، لكن التصريحات الرسمية الألمانية والأوروبية تربطه أيضاً صراحةً بتقدم مسارات الوساطة وبدفع عمليتي الـQuad والـQuint. كما تم عقد الاجتماع التمهيدي في أديس أبابا يهدف إلى تشكيل لجنة لإدارة حوار سوداني–سوداني. هنا تظهر المشكلة الأساسية: لافتة “ الهم الإنساني” تُستخدم لتغطية انتقال فعلي إلى هندسة المسار السياسي من الخارج. أي أن المؤتمر لا يكتفي بجمع الأموال، بل يقترب من ترتيب من يتحدث، ومن يُستبعد، ومن يُعطى صفة “المدني المقبول” دولياً.
3) لأن اختيار المدعوين تم بنهج انتقائي، لا تمثيلي.
الاعتراضات التي أُثيرت حول المؤتمر لا تتركز فقط على استبعاد الحكومة، بل أيضاً على طبيعة الدعوات نفسها: من دُعي، ومن لم يُدع، وبأي معيار. تقارير منشورة خلال الأيام الماضية تحدثت عن دعوات وُجِّهت إلى عشرات الشخصيات من كتل وأحزاب ومنظمات، بينما احتجت قوى سودانية على أن ذلك يجري بطريقة غير متوازنة، مع حضور أوفر لجهات مرتبطة بتحالفات بعينها، بينها قوى تُتَّهم بأنها قريبة من “تأسيس” أو من السردية السياسية التي تمنح غطاءً مبهماً للمليشيا وحلفائها. بهذا المعنى، لا يعود المؤتمر مجرد مساحة استماع، بل يتحول إلى آلية انتقاء سياسي تمنح شرعية تفاضلية لقوى دون أخرى.
4) لأن بعض “الرموز من الداخل” تُستخدم كأدوات ترميز تضليلي لشق الصف السوداني.
حين تختار العواصم الغربية الخارجية شخصيات سودانية بعينها وتقدمها بوصفها “صوت الداخل” أو “الضمير المدني” أو “البديل المقبول”، فهي لا تعكس الواقع السوداني بقدر ما تعيد ترميزه وفق حاجتها السياسية. هذا النوع من الانتقاء لا ينتج تمثيلاً وطنياً، بل ينتج شبكة وسطاء محليين وظيفتهم منح المشهد الخارجي غطاءً سودانياً. ولذلك فالمسألة ليست من هو أكثر شهرة أو قبولاً في الخارج، بل من الذي يستفيد من تحويل الانقسام الداخلي إلى مادة قابلة للإدارة الدولية. هنا يصبح بعض الحضور السوداني أداة لشرعنة مسار خارجي لا لتوحيد الجبهة الوطنية. وتؤكد التقارير نفسها أن قرارات الدعوة والاستبعاد صارت في حد ذاتها سبباً للتوتر حول المؤتمر.
5) لأن المؤتمر يفتح الباب لإعادة تقديم مجموعة عبد الله حمدوك ومن معه كالعنوان المدني الأوحد بالرغم من ارتباطهم المشهود بالامارات المتورطة في دعم المليشيا.
المشكلة هنا ليست في حق أي فاعل سياسي سوداني في أن يُسمَع، بل في إعادة إنتاج الاحتكار الرمزي للتمثيل. فبرلين نفسها استضافت في يناير 2026 نقاشاً مع وفد “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، كما جرت لقاءات سياسية في العاصمة الألمانية مع الوفد نفسه حول “مسارات السلام” ودور ألمانيا والمؤتمر المرتقب. هذا لا يثبت وحده أن حمدوك سيُقدَّم رسمياً ممثلاً وحيداً للسودانيين، لكنه يكشف بوضوح أي معسكر يجري تأهيله رمزياً داخل الفضاء الأوروبي بوصفه الواجهة المدنية المفضلة. والخطر هنا أن يتحول التنوع السياسي السوداني إلى مشهد مُختزل: حكومة مستبعدة، وقوى أخرى مهمشة، بينما يُعاد تسويق مجموعة محددة كأنها التعبير الطبيعي الوحيد عن “المدنية” و”الشعب السوداني”.
6) لأن هذا كله يشي بمحاولة لإعادة رسم الخارطة السياسية السودانية على أذواق خارجية.
المؤتمر، بهذا الترتيب، لا يبدو فقط إطاراً للمساعدة، بل جزءاً من محاولة أوسع لتحديد من هم الشركاء المقبولون في السودان ما بعد الحرب. وهذه آلية معروفة في أزمات ما بعد النزاع: تُعاد صياغة الحقل السياسي عبر الانتقاء الخارجي، لا عبر الوزن الوطني الفعلي. النتيجة هي أن الخارطة السياسية لا تُبنى على أساس التفويض الشعبي أو القدرة المؤسسية أو الموقف من الحرب ومسؤولياتها، بل على أساس الملاءمة للدوائر الغربية: من يستطيع الخطاب بلغتها، ومن يقبل سقوفها، ومن لا يربك معادلاتها الإقليمية. بهذا المعنى، يصبح المؤتمر ليس فقط اجتماعاً حول السودان، بل محاولة لصناعة السودان السياسي الذي تفضله بعض العواصم.
7) لأن التعامل مع الإمارات كشريك في المسار، رغم سجلها في الحرب، يضرب أي ادعاء بالحياد.
هنا تجب الدقة: الإمارات ليست من الجهات الست المعلنة رسمياً كجهة مستضيفة لمؤتمر برلين. لكن الإشكال السياسي يبقى قائماً لسببين: أولاً، لأن المؤتمر يتحرك ضمن بنية وساطة أوسع تشمل الـQuad التي تضم الإمارات؛ وثانياً، لأن أبوظبي ما تزال تُعامَل دولياً كفاعل تفاوضي مشروع رغم تراكم أدلة خطيرة على دعمها العسكري لمليشيا الدعم السريع. منظمة العفو الدولية قالت بوضوح في مايو 2025 إنها وثقت أسلحة صينية متطورة “أُعيد تصديرها على الأرجح من الإمارات” إلى قوات الدعم السريع في خرق لحظر السلاح. كما أن مؤسسة SWP الألمانية وصفت الإمارات بأنها من داعمي مليشيا الدعم السريع، وذكرت أن الإمارات مع أطراف أخرى كانت قادرة حتى في مؤتمر لندن 2025 على تعطيل بيان ختامي مشترك. وإذا أضفنا إلى ذلك تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية في فبراير 2026 الذي خلص إلى أن نمط عمليات الدعم السريع ضد غير العرب في الفاشر يحمل “سمات الإبادة الجماعية”، فإن إبقاء أبوظبي داخل بنية المسار الدبلوماسي دون مساءلة جادة لا يبدو حياداً، بل تطبيعاً مع أحد أهم الممكّنين الخارجيين للحرب.
كما ان الشواهد على التورط الاماراتي في دعم الابادة الجماعية وجرائم الدعم السريع في السودان متعددة وتشمل :
1) أول شاهد هو وجود بنية شراء وتمويل مرتبطة بالدعم السريع داخل الإمارات نفسها، لا خارجها.
منذ يونيو 2023 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على Tradive General Trading L.L.C.، وهي شركة مقرها الإمارات، ووصفتها بأنها شركة واجهة يسيطر عليها ضابط في الدعم السريع، واشترت مركبات للمليشيا، وبعضها ربما جرى تعديلُه وتركيب أسلحة عليه لاستخدامه في الخرطوم وغيرها. ثم في أكتوبر 2024 قالت الخزانة الأمريكية إن ألقوني حمدان دقلو، مدير المشتريات في الدعم السريع، كان يسيطر على شركات واجهة بينها Tradive التي “استوردت مركبات إلى السودان لصالح RSF”. ثم في يناير 2025 انتقلت واشنطن من استهداف شركة واحدة إلى استهداف شبكة إماراتية أوسع، وقالت صراحة إن Capital Tap Holding، ومقرها الإمارات، “قدمت أموالاً ومعدات عسكرية” للـRSF، كما أشارت إلى شركات أخرى مقرها الإمارات استُخدمت لإخفاء التعاملات، وتمويل الشبكة، ونقل الذهب إلى دبي. هذه ليست قرينة سياسية عامة؛ بل وصف رسمي أمريكي لشبكة إسناد وتمويل ومشتريات تعمل من داخل الإمارات.
2) الشاهد الثاني هو أن “الممر الإنساني” في “ام جرس” ظهر مبكراً كغطاء مثالي لبنية لوجستية متورطة في جرائم حرب وابادة جماعية.
الإمارات نفسها أعلنت في 4 و9 يوليو 2023 إنشاء وافتتاح مستشفى ميداني في “ام جرس ” التشادية، وقدّمت ذلك كجزء من دعمها الإنساني للسودانيين الفارين من الحرب. لكن هذا الإعلان الرسمي مهم لأنه يثبت أن الإمارات أنشأت منذ وقت مبكر موطئ قدم عملياتي ثابتاً في مدينة حدودية قريبة من دارفور، تحت عنوان إنساني. لاحقاً، لم تعد المسألة مجرد وجود مستشفى، بل صارت السؤال: هل كان المستشفى هو الغاية، أم الغطاء؟ وهنا تصبح قيمة الشاهد في الجمع بين أمرين: الوجود الإماراتي المعلن في أمدجراس من جهة، ثم التقارير الأممية والصحفية التي ربطت نفس الموقع بعمليات إمداد للدعم السريع من جهة أخرى. أي أن البنية الإنسانية لم تعد منفصلة عن الاشتباه العسكري، بل التصقت به عضوياً.
3) الشاهد الثالث، وهو من أقوى الشواهد، يتمثل في الجسر الجوي من الإمارات إلى “ام جرس ” وما كشفته تقارير الأمم المتحدة ورويترز عنه.
في يناير 2024 نقلت رويترز عن خبراء العقوبات التابعين للأمم المتحدة أنهم وصفوا الاتهامات الخاصة بتقديم الإمارات دعماً عسكرياً للـRSF عبر ” ام جرس ” بأنها “ذات مصداقية”، وأن هذا الدعم كان يتم “عدة مرات أسبوعياً”. ثم في ديسمبر 2024 نشرت رويترز تحقيقاً أوسع استند إلى بيانات رحلات وصور أقمار صناعية، وقالت إن 86 رحلة على الأقل انطلقت من مطارات إماراتية إلى أمدجراس منذ اندلاع الحرب، وإن إجمالي الرحلات على هذا المسار بلغ 170 رحلة، كثير منها شغلته شركات سبق أن اتُّهمت في تقارير أممية بنقل أسلحة من الإمارات إلى حفتر في ليبيا. والأهم أن رويترز راجعت فيديو من المدرج يظهر صناديق تحمل علم الإمارات، ورأى خبراء أسلحة أنها على الأرجح صناديق ذخيرة أو سلاح، لا مساعدات إنسانية. كما قال عاملون في الإغاثة إن حجم المساعدات الفعلي لا يقترب من الحجم الذي قالت الإمارات إنها أرسلته. هذه ليست ثغرات صغيرة؛ إنها فجوة بنيوية بين الرواية الإماراتية والقرائن المادية على الأرض.
4) الشاهد الرابع هو أن نمط الإسناد لم يتوقف حين انكشف، بل تكيّف وتحوّل إلى مسارات بديلة، ما يرجّح وجود سياسة لا مبادرة عابرة.
بحسب تحقيق رويترز في ديسمبر 2025، أصبحت الكفرة في جنوب شرق ليبيا، الواقعة تحت سيطرة حليف للإمارات، ممراً حيوياً للأسلحة والوقود والمقاتلين إلى الدعم السريع. ونقلت رويترز عن أكثر من مسؤول وخبير أن هذا المسار ساعد RSF على استعادة زخمه بعد خسارة الخرطوم، وربطت بين الرحلات إلى الكفرة وبين شركات طيران سبق اتهامها بنقل سلاح من الإمارات في مسارات أخرى. كما أوردت أن وول ستريت جورنال نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن الإمارات كثّفت شحنات السلاح إلى RSF عبر ليبيا والصومال. ثم في مارس 2026 كتبت Le Monde أن الإمارات أعادت تنظيم شبكة الإمداد عبر إثيوبيا وأفريقيا الوسطى، مع رحلات متكررة لطائرات مرتبطة بشركات لها صلات إماراتية، وذكرت الصحيفة وجود معسكر تدريب في إثيوبيا أُقيم لحلفاء الإمارات السودانيين في 2025. مغزى هذا الشاهد أن ما نراه ليس “اشتباه مطار واحد”، بل منظومة إمداد تتبدل مساراتها كلما زاد الضغط على مسار سابق.
5) الشاهد الخامس مادي جداً: معدات ومركبات إماراتية الصنع ظهرت في يد الدعم السريع داخل السودان، وخصوصاً في دارفور.
في يوليو 2024 قالت منظمة العفو الدولية إنها حددت استخدام ناقلات جند مدرعة حديثة الصنع من الإمارات بواسطة قوات الدعم السريع في دارفور. ثم في نوفمبر 2024 ذهبت أبعد من ذلك، إذ وثقت أن مركبات Nimr Ajban الإماراتية التي يستخدمها RSF مزودة بنظام الدفاع الفرنسي Galix، واعتبرت أن وجود هذه المنظومات في السودان يرجح وقوع خرق لحظر السلاح على دارفور. الدلالة هنا مزدوجة: أولاً، أن السلاح أو المنصة القتالية نفسها ذات منشأ إماراتي؛ وثانياً، أن وجودها في مسرح العمليات لم يعد ادعاءً سياسياً، بل شيئاً جرى التعرف عليه بصرياً وتحققه من صور ومقاطع منشورة من أرض المعركة.
6) الشاهد السادس هو تتبع الذخائر نفسها إلى الإمارات، لا فقط تتبع الرحلات أو المركبات.
في أبريل 2025 كشفت رويترز أن فريق خبراء أممي كان يحقق في كيفية وصول قذائف هاون بلغارية إلى قافلة إمداد للدعم السريع في دارفور، بعدما تبيّن أن الأرقام التسلسلية نفسها تعود إلى شحنة قالت بلغاريا إنها صدّرتها إلى الإمارات عام 2019، وأضافت صوفيا أنها لم تُمنح إذناً بإعادة التصدير إلى طرف ثالث. وهذا مهم جداً لأننا ننتقل هنا من مستوى “يُحتمل أن الإمارات سهّلت” إلى مستوى الذخيرة نفسها تقود إلى الإمارات في سلسلة التتبع. ثم في مايو 2025 أعلنت منظمة العفو الدولية أنها حددت استخدام قنابل موجهة صينية GB50A ومدافع AH-4 عيار 155 ملم في السودان، وقالت إن هذه الأسلحة أُعيد تصديرها على الأرجح من الإمارات إلى السودان، في خرق واضح للحظر المفروض على دارفور. ومع هذا النوع من التتبع، تصبح القضية ليست مجرد رواية جيوسياسية، بل تحقيق تسلسلي في مسارات السلاح.
7) الشاهد السابع هو أن مؤسسات دولية وحكومية غربية لم تعد تتعامل مع الاتهام بوصفه دعاية سودانية، بل بوصفه ادعاءً ذا صدقية يستدعي إجراءات مضادة.
في يناير 2025 قال عضوان في الكونغرس الأمريكي، السيناتور كريس فان هولن والنائبة سارة جاكوبس، إنهما توصلا إلى أن الإمارات توفّر أسلحة للـRSF، استناداً إلى إحاطة من إدارة بايدن وتقارير أخرى، وأعلنا مواصلة محاولة وقف مبيعات السلاح الأمريكية للإمارات. كما أن رويترز أشارت في تقريرها عن حكم محكمة العدل الدولية في مايو 2025 إلى أن بعض خبراء الأمم المتحدة وبعض المشرعين الأمريكيين وجدوا هذه المزاعم ذات مصداقية. هنا لا نتحدث عن ناشطين أو خصوم سياسيين، بل عن مستويات رسمية غربية رأت أن الشواهد بلغت درجة تستوجب مواقف عملية، لا مجرد متابعة إعلامية.
8) الشاهد الثامن هو أن المسار القانوني الدولي نفسه بُني على هذا التراكم، حتى وإن تعطل إجرائياً.
في 5 مارس 2025 رفعت السودان دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات، وقالت في طلبها إن الأفعال المرتكبة ضد المساليت “تم تمكينها” عبر الدعم المباشر الذي قدمته الإمارات للمليشيا، وإن أبوظبي “متواطئة” عبر تقديم دعم مالي وسياسي وعسكري واسع. وفي 5 مايو 2025 قضت المحكمة بأنها تفتقر إلى الاختصاص، وأكدت، بحسب ملخص الحكم الذي نقلته رويترز، أنها لهذا السبب لا تبدي أي موقف بشأن موضوع الادعاءات نفسها. هذه نقطة بالغة الأهمية: شطب الدعوى لم يكن حكماً ببراءة الإمارات من الوقائع، بل حكماً بعدم الاختصاص. لذلك يبقى المسار القانوني نفسه شاهداً على أن الملف لم يعد مجرد تراشق سياسي، بل أصبح نزاعاً دولياً مؤسساً على ملف اتهامي متكامل.
9) الشاهد التاسع والأخطر هو علاقة هذا الدعم بطبيعة القوة المتلقية له، لا بمجرد استمرار الحرب.
بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قالت في سبتمبر 2024 إن الدعم السريع وحلفاءه ارتكبوا انتهاكات واسعة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم قالت في فبراير 2026 إن الأدلة في الفاشر تكشف حملة تدمير منسقة ضد المجتمعات غير العربية تحمل سمات الإبادة الجماعية. معنى ذلك أن أي دعم مالي أو لوجستي أو عسكري مستمر لهذه القوة بعد هذا القدر من التوثيق لم يعد يمكن فهمه كـ“رهان سياسي خاطئ” فحسب، بل كإسناد لقوة باتت موصوفة أممياً بأنها مسؤولة عن فظائع جماعية ذات طابع إبادي. وهذا يرفع المسألة من سؤال: “هل دعمت الإمارات طرفاً في الحرب؟” إلى سؤال أخطر: هل استمرت في تمكين طرف متهم بارتكاب فظائع جماعية بعد أن أصبح ذلك معلوماً دولياً؟
مجمل الشواهد منذ 2023 يرسم صورة متماسكة: شبكات شراء وتمويل في الإمارات، شركات واجهة مرتبطة بقيادات RSF، ذهب يُنقل إلى دبي، ممر أمدجراس تحت غطاء إنساني، رحلات جوية كثيفة مشبوهة، مركبات إماراتية في أرض المعركة، ذخائر جرى تتبعها إلى الإمارات، ثم انتقالٌ تكيفي للمسارات عبر ليبيا والصومال وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى. لا يعني ذلك أن كل عنصر وحده يكفي كحكم قضائي نهائي، لكنه يعني أن التراكم الكلي للشواهد أصبح بالغ الكثافة بحيث يجعل إنكار أي دور إماراتي مجرد موقف سياسي دفاعي، لا تفسيراً مقنعاً للوقائع المتاحة.
بالاضافة الي مشاركة الدول التي ترفع شعار “الأزمة الإنسانية” بينما تتبنى سياسات تمنع من وصول السودانيين إلى فرص للتعليم مثل بريطانيا، في تنظيم الموتمر تعري الفجوة بين الخطاب والممارسة. وخصوصا ان نفس هذه الدولة البريطانية تورطت من قبل في محاولة اسكات الاصوات المنتقدة للمليشيا. لا يمكن الادعاء بحماية المدنيين في المنصات الدولية، مع إغلاق المسارات القانونية أمامهم في الواقع. هذه ليست سياسة إنسانية، بل إدارة انتقائية للأزمة وفق اعتبارات سياسية.
الخلاصة
المشكلة في مؤتمر برلين، بصيغته الحالية، ليست أنه مؤتمر دولي عن السودان، بل أنه مؤتمر دولي يعيد ترتيب السودان من الخارج: يستبعد الدولة، يخلط الإنساني بالسياسي، ينتقي المدعوين على نحو غير متوازن، يرفع بعض الواجهات المدنية فوق غيرها، ويتعامل مع بنية إقليمية ما زالت تمنح مساحة لدولة متهمة بتسليح القوة التي ارتكبت فظائع موثقة. لذلك فإن الاعتراض الجوهري ليس اعتراضاً على المساعدة الدولية، بل على تحويل المأساة السودانية إلى منصة لإعادة توزيع الشرعية السياسية وفق معايير غير سودانية. وأي مؤتمر لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيظل أقرب إلى إدارة الأزمة من حلها.





