الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

ترامب والسيد المسيح: الصورة المحذوفة .. توظيف الدين في السياسة .. الحاضر وامتداده التاريخي


ترامب والسيد المسيح: الصورة المحذوفة .. توظيف الدين في السياسة .. الحاضر وامتداده التاريخي


في ليلة الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” صورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُصوّره في هيئة السيد المسيح، وهو يمدّ يده ليشفي مريضًا على سرير في مستشفى. كانت الصورة محاطة برموز وطنية أمريكية مثل العلم الأمريكي، والنسر الأصلع، وتمثال الحرية، مع خلفية تضم طائرة مقاتلة وشخصيات تبدو كجنود أو مؤيدين. جاء النشر بعد دقائق من هجومٍ حاد من ترامب على البابا، في سياق سياسي متوتر داخليًا وخارجيًا، والمفارقة كانت في تزامن النشر مع عيد القيامة المجيد لمسيحيي الشرق.
بقيت الصورة متداولة لأكثر من ١٢ ساعة قبل أن تُحذف صباح الاثنين ١٣ أبريل، وسط موجة من الاستنكار، فى ظرف لا يمكن خلاله فصل الواقعة عن سياق سياسي أوسع يستند إلى قاعدة مسيحية إنجيلية عريضة، ويستثمر في خطاب “الزعيم المختار” الذي يحمي “القيم المسيحية”. هذا المشهد لم يكن لصورة عابرة، بل يعكس توظيفًا للرمزية الدينية في الخطاب السياسي، بما يثير أسئلة عن حدود هذا التوظيف.

ترامب وإدارته وتوظيف الرمزية الدينية:

لم يكن ترامب بعيدًا عن استدعاء الرموز الدينية في خطابه السياسي، إذ سبق له أن أعاد نشر صور تُظهر السيد المسيح جالسًا إلى جواره في سياقات قضائية، وقدم محاكماته على أنها “اضطهاد”، في إسقاط رمزي يستدعي صورة السيد المسيح. كذلك، قارنت شخصيات قريبة من ترامب معاناته السياسية بما تحمّله السيد المسيح.
في محيطه السياسي والإعلامي، تظهر أيضًا إشارات إلى شعارات ذات دلالات تاريخية، مثل عبارة “Deus Vult” أي “تلك هى مشيئة الرب”، المرتبطة بتاريخ الحروب الدينية في أوروبا والحملات الصليبية على الشرق التى يضعها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث كوشم على عضده. ورغم أن هذه الرموز تعبّر عن قناعات شخصية لدى بعض من يرفعها، إلا أن حضورها في المجال السياسي العام يعكس امتزاجًا بين الإيمان الشخصي والرسائل السياسية.
اللافت أن الصورة التي نشرها ترامب أثارت استياءً واسعًا، بما في ذلك داخل الأوساط المسيحية المحافظة، حيث وُصفت بأنها “تجاوز غير مقبول” و”إقحام للمقدّس في سياق سياسي”، وطالبت أصوات مسيحية وإنجيلية بحذفها، معتبرة أن توظيف صورة السيد المسيح في سياق دعائي يُفرغ الرمز من قدسيته. هذا الاعتراض لم يكن معاديًا للدين، بل على العكس، انطلق من حرصٍ على احترام رمزية السيد المسيح ومنع استخدامها كأداة سياسية.

الرمزية التاريخية: من “مشيئة الرب” إلى استدعاء ذاكرة الصراع:

يحمل شعار “تلك هى مشيئة الرب – Deus Vult” ذاكرة تاريخية مرتبطة بالحملات الصليبية، وقد استخدمته تنظيمات دينية-عسكرية مثل فرسان جبل الهيكل وفرسان الهوسبيتاليين، الذين تطورت أدوارهم من رعاية الحجاج والمرضى إلى أدوار عسكرية منظمة بعضها انحدر على دركات جرائم الحرب بمقاييس تلك الحقبة. اليوم، لا يُعاد إنتاج تلك المرحلة حرفيًا، لكن استدعاء رموزها يمنح الصراعات المعاصرة إيحاءات تاريخية وقدسية، وهو ما يضفي على السياسة بُعدًا رمزيًا يتجاوز واقعها.
اللافت أن هذا الاستدعاء لا يعني تطابقًا مع الماضي بقدر ما هو توظيف لرمزية الماضي في صراعات الحاضر، وهو ما يفرض ضرورة التمييز بين التاريخ كذاكرة، وبين استخدامه كأداة تعبئة.

ذاكرة الصراع واختلاف السياقات:

كانت الحملات الصليبية تاريخيًا صراعًا معقدًا ذا أبعاد دينية وسياسية واجتماعية، وخلّفت آثارًا عميقة على المسلمين والمسيحيين الشرقيين واليهود على حد سواء. ومع أن الحملات الصليبية التاريخية كانت صراعًا معقدًا أثر على الجميع، فإن استدعاء رموزها اليوم في سياق التحالفات السياسية-العسكرية في الشرق الأوسط يفتح الباب لقراءات تاريخية متعددة. فبعض الأصوات ترى في الدعم الغربي المتواصل لإسرائيل منذ ١٩٤٨ تحولًا في المعادلة التاريخية، حيث انتقل اليهود من موقع الضحية في أوروبا إلى موقع القوة الإقليمية، في مشهد يجمع بين الديني والجيوسياسي.
أما اليوم، فالمشهد مختلف؛ فالصراعات الحديثة تتشابك فيها السياسة بالهوية وبالتحالفات الإقليمية، ولا يمكن اختزالها في إطار ديني واحد. ومع ذلك، فإن توظيف الخطاب الديني في الصراعات المعاصرة يذكّر بكيفية استدعاء المقدّس لتبرير قرارات سياسية، وهو ما يفرض الحذر من تحويل الرموز الدينية إلى أدوات صراع.

خاتمة: احترام المقدّس وفصل الدين عن التوظيف السياسي:

في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام وبالذكاء الاصطناعي، يصبح فصل الرموز المقدسة عن الدعاية السياسية أمرًا أساسيًا للحفاظ على قدسيتها واحترام مشاعر ملايين المؤمنين بها. النقد هنا لا يمس المسيحية كديانة ولا المسيحيين كأفراد – الذين يستحقون كل تقدير واحترام – بل يركز على ضرورة حماية الرموز الدينية من الاستغلال السياسي الذي قد يفرغها من معناها الروحي.
إن احترام الأديان جميعها، بما فيها المسيحية والإسلام، يقتضي أن تظل مصدر إلهام وتسامح ووحدة، لا وقودًا للاستقطاب أو أداة في المعارك الانتخابية. هذه الواقعة، رغم بساطتها الظاهرية، تدعو إلى تأمل أعمق في كيفية بناء خطاب سياسي يحترم المقدس ويحافظ على مسافة واضحة بين الإيمان والسلطة، في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى حوار بنّاء وحد أدنى من التفاهم المشترك.

اترك رد

error: Content is protected !!