بين فشل التفاوض واتساع رقعة الاشتباك: إلى أين يمضي مشهد الصراع!؟

في لحظة إقليمية مشحونة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد السياسي وتداعياته على أطراف الحرب والعالم بأسره ، يبدو أن فشل جولات التفاوض بين الأطراف المعنية لم يكن مجرد تعثر عابر، بل انعكاسًا عميقًا لتباينات بنيوية في الرؤى والأهداف. فالمشهد الراهن لا يُدار بمنطق الوصول إلى تسوية، بقدر ما يُدار بمنطق إدارة الصراع وتوزيع كلفه، مع إبقاء باب الانفجار مفتوحًا على احتمالات متعددة.
هدنة بلا أرضية صلبة
رغم الحديث عن هدنة، إلا أنها تفتقر إلى الضمانات السياسية والأمنية التي تجعلها قابلة للاستدامة. فالولايات المتحدة تدفع باتجاه ما تصفه بـ”جهود دولية” لتأمين الملاحة وفتح المضائق، وكبريات الدول ترفض المشاركة في تبعات حرب لا مشروعية دولية لها ولم توافق عليها ، لكنها في الواقع تمضي في استراتيجية ضغط مركب على إيران، يتخذ أبعادًا بحرية واقتصادية متزامنة لخنقها تجارياً. ويبدو أن الهدف لا يقتصر على احتواء طهران، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل توازنات الإقليم عبر خنق أدواتها الحيوية.
في المقابل، لا تتعامل إيران مع هذه الضغوط بوصفها إجراءات ظرفية، بل تراها جزءًا من معركة سيادة، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل استراتيجية تعيد تعريف مفهوم الحصار نفسه، وردود فعل الحصار تفاقم من ازمة الطاقة عالمياً.
البحر كساحة مواجهة مفتوحة
التحركات الأمريكية في الممرات البحرية، بما في ذلك إزالة الألغام وتأمين خطوط الملاحة، تُقرأ في طهران باعتبارها تمهيدًا لفرض واقع جديد في الممرات الحيوية على خلفبة ما جري مع كوبا ، خصوصًا مضيق هرمز. ومع تصاعد الحديث عن حصار الموانئ الإيرانية ومنع تصدير النفط، يتحول البحر إلى مسرح اختبار الإرادات، حيث تتداخل حرية الملاحة مع حسابات الردع.
لكن هذا المشهد لا يقف عند حدود المواجهة البحرية، بل يمتد إلى ما هو أبعد: إعادة رسم خرائط الطاقة والتجارة في المنطقة، بما يعيد توزيع النفوذ بين القوى الكبرى.وايران لم تغلق المضيق إلا تجاه أمريكا وإسرائيل !؟.
إسرائيل والتصعيد المحسوب
في موازاة ذلك، تواصل إسرائيل تصعيدها الميداني، خصوصًا في لبنان، في محاولة لفرض معادلات ردع جديدة. هذا التصعيد لا ينفصل عن السياق الأوسع، بل يشكل أحد أدوات الضغط غير المباشر على إيران، عبر استهداف بيئتها الإقليمية. ومع ذلك، فإن هذا المسار يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، قد تخرج عن السيطرة إذا ما تلاقت الجبهات المفتوحة في توقيت واحد، او قاد الي هدفها بإعاقة التفاوض بين الطرفين.
بدائل إيران: كسر طوق الحصار
في مواجهة الضغوط، تتحرك إيران نحو تفعيل مسارات بديلة للصادرات والواردات، مستفيدة من شراكاتها مع الصين، ومن شبكات النقل البرية والسكك الحديدية التي تربطها بآسيا الوسطى، بما في ذلك طاجكستان. هذه البدائل لا تمثل مجرد حلول لوجستية، بل تعكس تحوّلًا استراتيجيًا نحو تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة للرقابة الغربية.
غير أن هذه المسارات، رغم أهميتها، لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالكلفة، والقدرة الاستيعابية، والاستقرار السياسي في بعض مناطق العبور والإجراءات المتصلة بها.
إلى أين يمضي الصراع؟
المشهد الراهن يتجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم”
حيث تستمر الهدنة الهشة، مع تصعيد ميداني موضعي وضغوط اقتصادية متبادلة، دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
2. انفجار إقليمي واسع
نتيجة خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب، خصوصًا إذا تداخلت الجبهات البحرية مع الجبهات البرية في لبنان أو غيره.
3. عودة مشروطة إلى التفاوض
لكن هذه العودة لن تكون إلا بعد إعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض، بما يمنح كل طرف أوراقًا تفاوضية جديدة.
خاتمة: صراع يتجاوز الجغرافيا
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في صراعٍ على مضيقٍ أو ميناء، بل هو تعبيرٌ مكثّف عن صراعٍ أعمق على هندسة النظام الإقليمي القادم، وعلى قواعد الاشتباك في عالمٍ يتجه بثبات نحو تعددية قطبية أكثر حدّة وتعقيدًا. وفي ظل التصعيد المتبادل وتزايد الاحتكاك على الأرض، تبدو كل الأطراف وكأنها تختبر حدود القوة والردع، في سباقٍ مفتوح على تحسين الشروط لا على إنهاء الأزمة.
لكن خطورة هذه اللحظة لا تكمن فقط في اتساع رقعة التوتر، بل في قابلية الانزلاق من إدارة الصراع إلى الانفجار غير المحسوب، حيث تتحول أدوات الضغط إلى مسارات مواجهة يصعب احتواؤها. ومن هنا، فإن الهدنة القائمة لا تبدو سوى “استراحة محارب” مؤقتة، تعيد خلالها الأطراف ترتيب أوراقها أكثر مما تفتح أفقًا حقيقيًا للسلام.
ومع ذلك، فإن إبقاء قنوات الحوار مفتوحة يظل الخيار الأكثر عقلانية في بيئة مضطربة كهذه، ليس بوصفه ترفًا دبلوماسيًا، بل كضرورة استراتيجية لتفادي كلفة الانفجار الشامل. فالحل المستدام لن يتأسس على منطق الغلبة أو الاستنزاف، بل على مقاربة سياسية تعالج جذور الاختلال، وتعيد تعريف المصالح المتبادلة ضمن إطار إقليمي أكثر توازنًا واستقرارًا.
—————
١٣ أبريل ٢٠٢٦ م


