الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

ليبيا والسودان: تحولات المواقف وصياغة التوازنات الإقليمية في شمال وغرب أفريقيا.

محمد الحاج

استقلت ليبيا عام 1951 كأول دولة عربية أفريقية تنال استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تبعها السودان عام 1956، ليبدأ البلدان مساراً من العلاقات الثنائية التي اتسمت بالتقارب والتباعد وفقاً للظروف السياسية والإقليمية. في الستينيات، شهدت العلاقات تنسيقاً في ملفات سياسية واقتصادية، لكن وصول العقيد معمر القذافي إلى السلطة عام 1969 أدخلها مرحلة جديدة اتسمت بالمد والجزر. ففي السبعينيات، توترت العلاقة مع نظام الرئيس جعفر نميري، خاصة بعد محاولة انقلابية في الخرطوم عام 1976 اتهمت ليبيا بدعمها، قبل أن تعود العلاقات إلى التقارب إثر زيارة القذافي إلى السودان، والتي مثّلت بداية مرحلة استثمارية تركت بصماتها في الخرطوم، أبرزها مشروع برج الفاتح. ومع تصاعد أزمة دارفور في التسعينيات، تراجعت العلاقات، قبل أن تدخل مرحلة جديدة بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، حيث واجهت ليبيا تحديات داخلية أعاقت بلورة موقف موحد تجاه السودان.

الجغرافيا تفرض نفسها كعامل حاسم في هذه العلاقة. فالحدود المشتركة بين السودان وليبيا تمتد لمسافة تقارب 383 كيلومتراً، تبدأ من جبل العوينات عند المثلث الحدودي مع مصر شمالاً، وتنتهي عند المثلث الحدودي مع تشاد جنوباً. هذه الحدود الصحراوية قليلة السكان لكنها ذات أهمية استراتيجية، إذ كانت تاريخياً ممراً للقوافل التجارية، وأصبحت اليوم مسرحاً لنشاط الجماعات المسلحة والتهريب والهجرة غير النظامية. منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا وتشاد باتت محوراً للتوتر الأمني، حيث شهدت محاولات لتهريب الأسلحة والوقود، ما دفع إلى تنسيق أمني بين ليبيا وتشاد لمراقبة هذه المنطقة الحساسة. هذا الواقع يوضح أن استقرار السودان وليبيا لا يمكن فصله عن استقرار فضاء الساحل والصحراء.

من منظور الأمن القومي، يمثل السودان بالنسبة لليبيا عمقاً استراتيجياً في مواجهة التهديدات القادمة من الجنوب، بينما تنظر الخرطوم إلى ليبيا باعتبارها بوابة نحو شمال أفريقيا ومصدراً محتملاً للدعم السياسي والاقتصادي. وتشترك الدولتان في مهددات عديدة، أبرزها انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة، نشاط الجماعات المتطرفة، والهجرة غير النظامية. هذه التحديات تجعل التنسيق الأمني ضرورة لا خياراً، خاصة في ظل التدخلات الإقليمية والتنافس الدولي على النفوذ في شمال أفريقيا.

بعد انهيار نظام القذافي، واجهت ليبيا تحديات داخلية عميقة، أبرزها وجود حكومتين متنافستين في طرابلس وبنغازي، ما أضعف القدرة على تبني سياسة خارجية موحدة تجاه السودان. ومع ذلك، بدأت ملامح موقف أكثر وضوحاً تتشكل خلال العامين الماضيين، مع إدراك متزايد بأن الحرب في السودان تهديد مباشر لليبيا، خصوصاً مع ازدياد حركة النزوح واحتمالات انتقال السلاح والمقاتلين عبر الحدود. في هذا السياق، جاءت زيارة الوفد السوداني بقيادة الفريق الركن محمد علي صبير إلى طرابلس في أبريل 2026 لتشكل نقطة تحول مهمة، حيث حملت الزيارة رسائل سياسية واضحة، أبرزها شرح تطورات الحرب، تأكيد شرعية الحكومة السودانية، وطلب دعم ليبي أكبر في المحافل الإقليمية. وقد نجحت الزيارة في تحقيق نتائج ملموسة فقد عكست التصريحات الليبية الأخيرة هذا التحول بوضوح، إذ أكدت الحكومة الليبية دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه، ووقوفها مع المؤسسات الشرعية، ودعت إلى وقف الحرب والعودة إلى الحوار. كما شددت على أن استقرار السودان جزء من استقرار ليبيا، وأن التعاون بين البلدين ضرورة لمواجهة التحديات المشتركة. هذه التصريحات جاءت منسجمة مع إدراك ليبي متزايد بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى تداعيات خطيرة، سواء على مستوى الأمن الحدودي أو على مستوى التوازنات الإقليمية.

وهنا يبرز العمق المغاربي والساحلي كعامل إضافي في صياغة المواقف الليبية. فالجزائر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، يمكن أن تشكل قطباً محورياً في أي عملية تقارب ليبي–سوداني، خاصة وأنها تبدي اهتماماً متزايداً باستقرار منطقة الساحل والقرن الأفريقي. كما أن مصر، بحكم موقعها ودورها التقليدي في القرن الأفريقي، تظل طرفاً أساسياً في أي معادلة إقليمية. أما دول الساحل الأفريقي، مثل النيجر، ومالي، وصولاً إلي بوركينافاسو فهي تشهد تحولات سياسية واقتصادية تجعلها جزءاً من معادلة الاستقرار، إذ أن أي انفلات أمني فيها ينعكس مباشرة على السودان وليبيا. ومن هنا، فإن إدماج هذه الدول في نموذج تقارب جديد بين ليبيا والسودان، مدعوماً من الجزائر ومصر، يمكن أن يخلق حلقة ضغط إقليمية قادرة على فرض أجندة استقرار على الأطراف التي تهدد استقرار المنطقة، ويعيد صياغة التوازنات الدولية والإقليمية بما يخدم مصالح شعوب المنطقة و رفاهيتها.

في الختام، فإن قراءة المواقف الليبية تجاه الحرب في السودان لا تكتمل دون استحضار التاريخ، بدءاً من استقلال ليبيا ثم السودان، والجغرافيا، والعمق المغاربي والساحلي، إضافة إلى التحركات الدبلوماسية الأخيرة مثل زيارة الفريق صبير إلى طرابلس. هذه العناصر مجتمعة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، وتم التعامل مع التحديات بواقعية، بما يضمن استقرار البلدين ويعيد التوازنات الإقليمية في شمال وغرب أفريقيا، ويؤسس لنموذج تقارب قادر على مواجهة الضغوط الدولية وصياغة معادلة استقرار جديدة في المنطقة.


١٣ أبريل ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!