
1
الرجل الذي يدّعي قيادة نصف مليون مقاتل، يختبئ خارج الوطن منذ أشهر، ويظهر فجأة في كمبالا مرتديًا “زيًّا أفريقيًا” كاملًا، ليؤكد أنه “لا يريد الرئاسة” وأن هدفه فقط “اقتلاع الإخوان”!
ظهوره الآن لا يعدو أن يكون محاولة يائسة لتلميع صورة مجرم حرب ليلعب دورًا سياسيًا، وهيهات. الكثيرون انشغلوا بـ“ترهاته”، لكني أرى أن الرجل مات سياسيًا منذ زمن، وهذا الظهور ليس إحياءً له، بل دفن تحت طبقة من الدبلوماسية المستأجرة.
2
لفهم المشهد، يجب تتبّع خطى “الشيخ شخبوط”. فقبل ظهور حميدتي على مسرح كمبالا، كان شخبوط قد أتم قبل فترة جولة شملت: يوغندا، جنوب أفريقيا، كينيا، إثيوبيا، الكونغو، وبوروندي. وهي ذات المحطات التي وُضعت على جدول زيارات حميدتي الآن.
الإمارات، عبر نفوذها وعلاقاتها الدبلوماسية، تهيئ المسرح وتفتح الأبواب للمتمردين، بالتوازي مع تأمين سلاسل الإمداد وخطوط نهب المعادن. هي “مقايضة” واضحة؛ تحفيز القادة الأفارقة لاستقبال القتلة… وبالطبع “كلو بتمنو”.
3
لماذا هذا التحرك الآن؟ لأن الإمارات أدركت أن مشروعها العسكري في السودان قد خاب، ولن يثمر نصرًا يمنحها السيطرة المنشودة. لذا بدأت رحلة البحث عن “موطئ قدم سياسي في السودان”.
فقبل أيام قليلة (في 19–20 فبراير)، شارك الشيخ شخبوط بن نهيان في اجتماع الرباعية الدولية بنيويورك (الإمارات – السعودية – مصر – أمريكا)، مطالبًا بهدنة إنسانية فورية. هذا التزامن يؤكد أن الإمارات تحوّل جهدها من الدعم العسكري المباشر (الذي فشل في تحقيق النصر) إلى الضغط الدبلوماسي والسياسي لإنقاذ “جنجويدها” من الانهيار الكامل، مع فتح أبواب أفريقية عبر نفوذها.
وفي ذات جلسة مجلس الأمن، أمس الأول، طالب “مسعد بولس” بهدنة لإنقاذ ما تبقى من شتات المليشيا لتعود إلى الساحة السياسية، ومعها مجموعة العويش التي يتبعها
4.
تحاول الإمارات الآن “بعث” حميدتي من قبره ليلعب دورًا سياسيًا بعد أن قُصم ظهر جيشه ومرتزقته. لقد ظهر حميدتي لينفذ ما عجزت عنه واجهاته السياسية (تأسيس، وصمود وغيرهما)، مستندًا إلى أبواب فتحها له “شخبوط.
تسعى الامارات الان لاعادة تدويره سياسيًا ليصبح جزءًا من معادلة الحل
.5
تُرى أين يمكن لهذا المجرم أن يمارس السياسة؟
عربيًا: الأبواب موصدة؛ فلا اعتراف ولا حاضنة. حتى “حفتر” تم لَجمه بجهود مصرية سعودية، وإقناعه بأن مراهنته على حميدتي خاسرة، بصفقات تجاوزت 4 مليارات دولار.
غربيًا: التحرك مستحيل؛ فوصمتا “إبادة نيالا والفاشر” تلاحقانه حتى الأمس في تقرير لجنة مجلس حقوق الإنسان.
لم يتبقَّ له إلا بعض دول “أفريقيا السوداء”. وهنا المفارقة العجيبة: الرجل الذي أباد القبائل الأفريقية في دارفور، يستقبله بعض القادة الأفارقة بالبساط الأحمر! أي رابطة دم تلك التي تسمح للمجرم بمسح دماء الضحايا في ثياب أهلهم؟
لينسجم المجرم مع مسرحه الجديد، غيّر جلده؛ خلع “الكدمول” والعمامة والجلابية (التي يربطها بخصومه “الجلابة”)، وارتدى الزي الأفريقي كاملًا، متهيئًا لمخاطبة حلفائه الجدد.
6
السؤال الذي يشير إلى المأزق الحقيقي الذي يواجه حميدتي ورهطه: لماذا لم يبدأ حركته السياسية بالداخل؟
ببساطة، لأنه لا يملك الشرعية ولا السيطرة حتى في الأراضي التي يحتلها. لو كان غير ذلك، لظهر في نيالا أو الضعين أو الفاشر ليلتقي بجماهيره. لكنه يعلم أن هذه المدن المقهورة لا يأمن فيها على نفسه، ولا يستطيع فيها مواجهة الشعب كما يفعل الرئيس البرهان يوميًا في الأسواق والشوارع.
7
لقد خسر حميدتي كل شيء: خسر الحرب، خسر السياسة، خسر المحيط العربي والدولي، بل وخسر حتى الحواضن التي يحتلها. لم يتبقَّ له إلا “منصات مستأجرة” يتيحها له قادة أفارقة يقتاتون على الرشاوى، يتجول بينهم على وقع خطى “شخبوط”، الذي يتخبط هو الآخر، باحثًا عن وسيلة لغسل عار “جنجويده”.
.




