الرواية الأولى

نروي لتعرف

تقارير رصد

“رويترز” تكشف – إثيوبيا تبني معسكراً سرياً لتدريب مقاتلي الدعم السريع السودانيين..

رصد وترجمة : الرواية الأولى

بقلم: جوليا بارافيتشيني ورييد ليفنسون

نيروبي/لندن، 10 فبراير (رويترز) –

كشفت تقارير رويترز أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان المجاور، في أحدث مؤشر على أن أحد أكثر النزاعات دموية في العالم بات يستقطب قوى إقليمية من أفريقيا والشرق الأوسط.

ويمثل هذا المعسكر أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية، وهو تطور محتمل الخطورة يوفّر لقوات الدعم السريع إمداداً كبيراً من الجنود الجدد في وقت يتصاعد فيه القتال جنوب السودان.

وقال ثمانية مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي رفيع، إن دولة الإمارات العربية المتحدة موّلت إنشاء المعسكر وقدّمت مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً للموقع، وهو رأي ورد أيضاً في مذكرة داخلية لأجهزة الأمن الإثيوبية وفي برقية دبلوماسية اطّلعت عليهما رويترز.

ولم تتمكن وكالة الأنباء من التحقق بشكل مستقل من تورط الإمارات في المشروع أو من الغرض من المعسكر. ورداً على طلب للتعليق، قالت وزارة الخارجية الإماراتية إنها ليست طرفاً في النزاع ولا “متورطة بأي شكل” في الأعمال القتالية.

اندلعت الحرب الأهلية في السودان عام 2023 عقب صراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قبيل انتقال مخطط له إلى الحكم المدني. وقد تسببت الحرب في انتشار المجاعة واتسمت بفظائع ذات طابع عرقي، فيما فرّ ملايين اللاجئين إلى مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان.

ويستمد الطرفان قوتهما من داعمين دوليين، ما يغذي الحرب ويزيد من خطر امتداد القتال إلى الدول المجاورة.

وتحدثت رويترز إلى 15 مصدراً على دراية ببناء المعسكر وعملياته، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، كما حللت صور أقمار صناعية للمنطقة. وقد قدّم مسؤولان في الاستخبارات الإثيوبية والصور الفضائية معلومات دعمت التفاصيل الواردة في المذكرة الأمنية والبرقية الدبلوماسية.

ولم يُكشف من قبل عن موقع المعسكر وحجمه ولا عن الاتهامات التفصيلية بشأن تورط الإمارات. وتُظهر الصور حجم التطوير الجديد، الذي جرى حتى خلال الأسابيع القليلة الماضية، إضافة إلى إنشاء محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة في مطار قريب.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن النشاط في المعسكر تسارع في أكتوبر، ويقع المعسكر في إقليم بني شنقول-قمز الغربي النائي، قرب الحدود مع السودان.

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية ولا الجيش الإثيوبي ولا قوات الدعم السريع على طلبات مفصلة للتعليق على نتائج هذا التحقيق. وفي 6 يناير، أصدرت الإمارات وإثيوبيا بياناً مشتركاً تضمّن دعوة إلى وقف إطلاق النار في السودان، إضافة إلى الإشادة بالعلاقات التي قالا إنها تخدم أمن كل من البلدين.

كما لم ترد القوات المسلحة السودانية على طلب للتعليق.

ووفقاً لمذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية التي اطّلعت عليها رويترز، كان 4,300 مقاتل من قوات الدعم السريع يخضعون للتدريب العسكري في الموقع حتى أوائل يناير، وأن “إمداداتهم اللوجستية والعسكرية يتم توفيرها من قبل الإمارات”.

وكان الجيش السوداني قد اتهم الإمارات في السابق بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة، وهي اتهامات اعتبرها خبراء في الأمم المتحدة ونواب أميركيون ذات مصداقية.

وقد كانت أبوظبي داعماً قوياً لحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد منذ توليه السلطة في 2018، وبنى البلدان تحالفاً عسكرياً في السنوات الأخيرة.

وقال ستة مسؤولين إن مجندي المعسكر هم في الغالب إثيوبيون، إلى جانب مواطنين من جنوب السودان والسودان، بمن فيهم عناصر من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (SPLM-N)، وهي جماعة متمردة سودانية تسيطر على أراضٍ في ولاية النيل الأزرق المجاورة. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من هوية الموجودين في المعسكر أو من شروط التجنيد. ونفى قائد بارز في الحركة الشعبية – شمال، طلب عدم ذكر اسمه، وجود قواته في إثيوبيا.

وقال المسؤولون الستة إن من المتوقع أن ينضم المجندون إلى قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني في ولاية النيل الأزرق، التي برزت كجبهة في الصراع على السيطرة في السودان. وأضاف اثنان من المسؤولين أن مئات المقاتلين عبروا بالفعل في الأسابيع الأخيرة لدعم القوات شبه العسكرية في النيل الأزرق.

وذكرت المذكرة الأمنية الداخلية أن الجنرال غيتاتشو غودينا، رئيس إدارة استخبارات الدفاع في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، كان مسؤولاً عن إنشاء المعسكر. وأكد مسؤول حكومي إثيوبي رفيع، إلى جانب أربعة مصادر دبلوماسية وأمنية، دور غيتاتشو في إطلاق المشروع.

ولم يرد غيتاتشو على طلب للتعليق.

بناء المعسكر

أظهرت صور الأقمار الصناعية والبرقية الدبلوماسية أن المعسكر أُقيم على أرض غابية في منطقة تُدعى منغي، على بعد نحو 20 ميلاً (32 كيلومتراً) من الحدود، في موقع استراتيجي عند تقاطع إثيوبيا والسودان وجنوب السودان.

وبدأت أولى مؤشرات النشاط في المنطقة في أبريل، مع إزالة الغابات وبناء منشآت ذات أسقف معدنية في مساحة صغيرة شمال الموقع الحالي للمعسكر، في حين بدأ العمل في منطقة الخيام في النصف الثاني من أكتوبر.

ووصفت البرقية الدبلوماسية، المؤرخة في نوفمبر، المعسكر بأنه قادر على استيعاب ما يصل إلى 10,000 مقاتل، مشيرة إلى أن النشاط بدأ في أكتوبر مع وصول عشرات سيارات لاندكروزر، وشاحنات ثقيلة، ووحدات من قوات الدعم السريع، ومدربين من الإمارات. ولم تكشف رويترز عن الدولة التي أرسلت البرقية حفاظاً على المصدر.

وقال مسؤولان إنهما شاهدا شاحنات تحمل شعار شركة الخدمات اللوجستية الإماراتية “غوريكا غروب” تمر عبر مدينة أسوسا باتجاه المعسكر في أكتوبر. ولم ترد الشركة على طلب للتعليق.

وتمكنت رويترز من مطابقة عناصر من الجدول الزمني الوارد في البرقية مع صور الأقمار الصناعية. وأظهرت صور من شركة “إيرباص للدفاع والفضاء” أنه بعد أعمال الإزالة الأولية، بدأت الخيام في ملء المنطقة منذ أوائل نوفمبر، مع ظهور عدة حفارات في الصور.

وأظهرت صورة التقطتها شركة التكنولوجيا الفضائية الأميركية “فانتور” في 24 نوفمبر وجود أكثر من 640 خيمة في المعسكر، تبلغ مساحة كل منها نحو أربعة أمتار مربعة. وبحسب تحليل شركة “جينز” الاستخباراتية الدفاعية، يمكن لكل خيمة أن تستوعب أربعة أشخاص بشكل مريح مع بعض المعدات الفردية، ما يعني أن المعسكر قد يؤوي ما لا يقل عن 2,500 شخص.

وقالت “جينز” إنها لا تستطيع تأكيد أن الموقع عسكري استناداً إلى تحليل الصور وحده.

وقال مسؤولان عسكريان رفيعان إنهم رصدوا وصول مجندين جدد إلى المعسكر في منتصف نوفمبر. ففي 17 نوفمبر، مرّ رتل من 56 شاحنة محمّلة بالمتدربين عبر طرق ترابية في المنطقة النائية، بحسب ما أفاد المسؤولان اللذان شاهدا القوافل، وقدّروا أن كل شاحنة كانت تقل بين 50 و60 مقاتلاً. وبعد يومين، شاهد المسؤولان قافلة أخرى من 70 شاحنة تقل جنوداً في الاتجاه نفسه.

وتُظهر صورة 24 نوفمبر وجود ما لا يقل عن 18 شاحنة كبيرة في الموقع. وبحسب تحليل رويترز، تتطابق أحجام المركبات وأشكالها وتصميمها مع نماذج تُستخدم كثيراً من قبل الجيش الإثيوبي وحلفائه لنقل الجنود. ولم تتمكن الوكالة من التحقق بشكل مستقل مما كانت تحمله الشاحنات أو مما إذا كانت هي نفسها التي شوهدت في القوافل قبل أيام.

وأظهرت صور “فانتور” استمرار أعمال التطوير حتى أواخر يناير، بما في ذلك عمليات إزالة وحفر جديدة في مجرى النهر شمال المعسكر الرئيسي، واصطفاف عشرات الحاويات حول المعسكر في صورة التُقطت في 22 يناير. وقال مسؤول حكومي إثيوبي رفيع إن أعمال البناء لا تزال جارية، دون الخوض في خطط مستقبلية.

وأضاف مسؤول إثيوبي أن معدات البناء، بما في ذلك الجرافات والحفارات، كانت تُنقل يومياً عبر مدينة أسوسا القريبة.

مطار أسوسا

شهد مطار أسوسا، الواقع على بعد 33 ميلاً (53 كيلومتراً) من المعسكر، أعمال إنشاء جديدة منذ أغسطس 2025. وتُظهر صور الأقمار الصناعية حظيرة طائرات جديدة ومساحات مرصوفة قرب المدرج تُعرف بساحات الوقوف، إضافة إلى ما حدده ويم زفايننبرغ، خبير التكنولوجيا العسكرية في منظمة السلام الهولندية “باكس”، كمحطة تحكم أرضية للطائرات غير المأهولة وهوائي أقمار صناعية. ويشبه هذا البنية التحتية لدعم الطائرات المسيّرة تلك الموجودة في قاعدتين أخريين للطائرات المسيّرة في إثيوبيا، وفقاً لمراجعة رويترز للصور المتاحة.

وقال مسؤول حكومي إثيوبي رفيع وأحد المسؤولين العسكريين الكبار إن الجيش الإثيوبي يخطط لتحويل المطار إلى مركز لعمليات الطائرات المسيّرة، إضافة إلى خمسة مراكز أخرى على الأقل في أنحاء البلاد.

وقال مصدر دبلوماسي إن تجديد المطار جزء من خطة أوسع للجيش الإثيوبي لنقل قواعده الجوية نحو الجناح الغربي للبلاد، لمواجهة تهديدات محتملة على الحدود مع السودان وحماية بنى تحتية حيوية مثل سد النهضة الإثيوبي الكبير.

وأعرب ثلاثة مسؤولين إقليميين ودبلوماسيين عن قلقهم من قرب معسكر منغي من السد العملاق، وهو أكبر سد كهرومائي في أفريقيا، خشية أن يتعرض لأضرار أو للاستهداف إذا اندلع القتال في المنطقة. ويبعد المعسكر الجديد نحو 63 ميلاً (101 كيلومتر) عن السد. ولم ترد الحكومة المالكة للسد على طلب للتعليق.

وقال محلل عسكري غربي وخبير أمن إقليمي ومسؤول إثيوبي رفيع إن أعمال البناء في المطار مرتبطة بزيادة وجود قوات الدعم السريع في المنطقة. وأضاف المحلل والخبير أن المطار أصبح محورياً في إمداد قوات الدعم السريع عبر الحدود داخل السودان.

وقال المسؤول الإثيوبي الرفيع ومحلل أمني إقليمي إن الإمارات موّلت أيضاً تجديد المطار. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من مصدر تمويل المطار.

وبعد أشهر من تولي آبي أحمد السلطة، تعهدت الإمارات بتقديم ما مجموعه 3 مليارات دولار كمساعدات واستثمارات، في إشارة إلى الثقة والدعم للزعيم الجديد، بينها مليار دولار مخصص للبنك المركزي الإثيوبي لتخفيف حدة نقص العملة الأجنبية.

وفي عام 2025، وقّعت القوات الجوية الإماراتية والإثيوبية مذكرة تفاهم لتطوير القدرات الجوية والدفاعية للبلدين، بحسب تقارير إخبارية آنذاك.

اترك رد

error: Content is protected !!