تقديم كتاب عصارة الأيام رحلة في الثقافة والذاكرة بين السودان وألمانيا
للدكتور حامد فضل الله

فى هذا الكتاب متن وروح. فالمتن ما أشتمل عليه من نصوص في التراجم والدراسات والمقالات والأدب، أما الروح فتكشفها ظلال شخصية كاتبه الدكتور حامد فضل الله المستكّنة بين السطور، والتى تمثل نصا إجتماعيا وثقافيا موازيا لمتن الكتاب، لأنها تختزن تاريخ إنسان منح وقته وطاقته لغاية نبيلة وهى المعرفة والحقيقة ونسج خيوط الحرير ليبنى جسرا بين عالمين. وتختزن شفرته سمة ثابتة ظلت ملازمة له مع تقلب الأيام وكرّ السنوات أنه عقل مشغول بالمعرفة وقلب عامر بالإنسانيات.
وهو كذلك كتاب من فصوص الحكم لكنه ليس على منهج محى الدين بن عربى، إذ إختار كاتبه عن وعى العقل على التصوف، لأنه صادر من نفس توّاقة للمعرفة فى سبيل البحث عن المعنى ، وعقل مشتغل بالأسئلة الوجودية ووجدان مفعم بحب الناس وذاكرة مشحونة بتفاصيل الأحداث والإنتقال وفواصل التاريخ وخطوط الجغرافيا وتوترات الإنتماء الى عالمين.
لم يجعل الدكتور حامد من تواترات الإنتماء الى عالمين عقدة تلازمه ، بل حولها لقضية معرفية وسمت حياته كلها، إذ لم تكن منفى يشقى به أو حنين يشدّه الى ماضٍ مؤرق فلا استجم محروراًعلى تراب أو أستسلم مقرورا للصقيع، أو أستثقل ذاكرة تزاحمت في تلافيفها الأضداد.، بل جعل من حياته كلها طقسا للعبور ، و حاول طوال فترة حياته المعرفية أن يبني جسرا ثقافيا بين هذين العالمين. لهذا فهذا كتاب يمثل زبدة التجربة الإنسانية والحياتية والمعرفية للدكتور حامد فضل الله، وهو وإن سار على نهج مؤلفاته السابقة خاصة “أحاديث برلينية” و”قضايا الإسلام والإندماج فى ألمانيا وأوروبا” إلا إنه يكتسب خصوصية من ناحية التوقيت وأختيار النصوص، إذ يمثّل الكتاب ختام مشروعه الثقافى الذى أختطه منذ عقود، بيّن فيه منهجه وأفكاره وإختيارته وكسبه ، وهو لا يأبه كثيرا لخيوط العمر وهى تنسج أقدارها على صفحة الزمن، إذ أنه ما يزالقادراً على العطاء الثقافى والفكرى، ولكنه بهذا الكتاب أوضحرؤيته للعالم وأهتدى لتعريف تجربته الخاصة بأنه جسر بين عالمين، محطما جدلية المنفى التى حوّلها من عقدة فى الثقافة العربية الى عطاء ممتد ومتدفق. و حامد لم يكتف بالعيش بين عالمين فى الشرق والغرب بل عاش تجربته الخاصة في ألمانيا الشرقية والغربية في إطار سياقين فكريين مختلفين وأوضاع سياسية وإجتماعية وثقافة متباينة إن لم تكن متعارضة ، بين ما يوصف بالعالم الحر والستار الحديدى.
فكما أختار العقل على التصوف ، رغم أن مهر قدومه طالباًلألمانيا عام 1957 كان الدعاء وقراءة الفاتحة وتبريكه بواسطة السيد على الميرغنى الزعيم الدينى للطريقة الختمية وفاءً لطلب والده، كذلك أختار مواصلة الإشتباك مع الحياة ناشطا في التأليف والندوات والعطاء الثقافى المتصل ، وهذا التصميم يعكس الشخصية الحقيقية للدكتور حامد فضل الله. فهو مقاتل بطريقته الخاصة ، إذ لا يوجد سودانى ترك بصمة عميقة فى كتاب العلاقات السودانية الألمانية كما فعل حامد فضل الله ، حتى صار رمزا لهذا الإرتباط فى سياقه الثقافى و الإجتماعى. وفى إطار كدحه الفكرى حطّم عقدة المنفى التى كانت ملازمة للمثقف العربى طوال حياته في الغرب، وعليه لا تكاد تشعر فى مقارباته حس النوستالجيا التى وسمت بميسمها أجيال من المثقفين العرب فلا عادوا لبسطام ولا أكلوا تفاحة نيوتن. وهى عقدة ظلت على سبيل المثال ملازمة للأديبة العربية مى زيادة خلال فترة أقامتها في برلين بعد هروبها من مصر، فلا وجدت سبيل لحبها الكبير مع جبران خليل جبران ولا عادت الى دفء مشاعر أدباء مصر، فماتت مقهورة مغمورة بعد أن كانت ملء السمع والبصر.
بعد أن حطّم عقدة المنفى، تعتبر حياته نموذجاً ناجحاً للإندماج فى المجتمعات الأوروبية دون أن يسلخ هويته أو يتنكر لتاريخه وأصوله، بل رسّخ من خلال تجربته فى الإندماج في المجتمع الألمانى لمبدأ التعددية الثقافية وهو أن يحفظ هويته و خصوصيته وتاريخه وقيمه الإجتماعية دون أن يذوب كليا فى مجتمعه الجديد. ولعل معظم تراجم ودراسات وإنتاج فضل الله الأدبية والمعرفية والثقافية تدور حول جدلية الإندماج فى المجتمعات الأوروبية، وقد عبّر عن ذلك في كتابه الصادر عام 2024 عن ” الإسلام الإندماج فى ألمانيا وأوروبا” الذي قدّمه بشمول ومحبة الدكتور عبد الله البشير. كما حاول الترميز لجدلية هذه العلاقة من خلال أقصوصته ” الأجنبى” التى أختزنت تلك التوترات الكامنة بين ذلك الغريب كما وصفه البير كامو وبين صاحب الثقافة القائدة والمهيمنة.
تعلُق الدكتور حامد بالمعرفة والثقافة لم يبدأ من مدينة هالة بألمانيا حين وصلها للدراسة الجامعية عام 1957، بل كانت بذرة نمت وترعرعت منذ بواكير صباه، إذ كان ناشطا في حضور المنتديات في القاهرة في عقد الخمسين من القرن الماضى وشاهد الدكتور طه حسين عميد الأدب العربى فى حديث الأربعاء ، وأصابه وميض من فكر العقاد ، وتأثر بالحركة الأدبية والنهضة الثقافية في أوج تألقها بمصر، كما صاحب لبرهة رواد الشعر السودانى مثل تاج السر الحسن وجيلى عبدالرحمن فى القاهرة. وهو كذلك ينحدر من أسرة كان الأدب والشعر والفصاحة ينداح سليقة على ألسنتها ، و لا غرو فقد خرج منها شاعر الجمال محمد عوض الكريم القرشي، صاحب الثنائية المبدعة مع الفنان الكبير عثمان الشفيع.
حين جاء الى ألمانيا الشرقية في نهاية عقد الخمسين من القرن الماضى كانت الأثقال الأيدلوجية والحرب الباردة والأجندة التقدمية وأشعار الأممية الإشتراكية تملأ بطبولها الآفاق ، فأخذ منها نزعة التحرر الوطنى والفكر النقدى والفلسفة الديالكتيكية وظل يبحث عن الحقيقة فى تجليات المادة لا الميتافيزيقيا والعرفان، فأخذ من اليسار الماركسى قضايا التحرر والعدالة الإجتماعية والجدل لكنه لم يقع في أتون التعصب الأيدلوجى ، ثم إنفتح من خلال تطور تجربته المعرفية والثقافية والإجتماعية على مختلف المدارس والمذاهب الفكرية دون تنازل عن أجندته التقدمية . وهو فى خط تطوره الفكرى أقرب لمدرسة فرانكفورت التى خصها بمقال في هذا الكتاب.ويتناول قضايا الإسلام فى اطار تجلياتها الفكرية خاصة قضايا الإندماج والحريات والتعددية أكثر من القضايا العقدية والفقهية، وهل يعتبر الإسلام جزء من تراث وتاريخ أوروبا أم أنه وافد وغريب؟، وهل توجد نسخة للإسلام تناسب أوروبا والغرب أكثر مما يسمى النموذج الشرق أوسطى حيث تتداخل العوائد الإجتماعية والموروثات القبلية مع مباديء الإسلام الخالدة ؟وهو تيار أصبح يطلق عليه الإسلام الأمريكي والإسلام الأوروبي، أى محاولة إلباسه لبوسا جغرافيا وثقافيا بما يتسق مع الخصوصية الثقافية والإجتماعية لكل بلد ، مما يتعارض مع مبدأ عالمية الإسلام وخلود مبادئه وأنه أُنزل للناس كافة بلسان عربى مبين، ومن ذات الميسم خرج المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد ليحررنظريته للعالمية الإسلامية الثانية وجدل الغيب والإنسان والطبيعة.
ليس غريبا أن يبعد شارع الفيلسوف إيمانويل كانط KANT(كانت أشتراسه) فى برلين بضعة أمتار من شقة الدكتور حامد فضل الله. فكأنه قد أصابته أضواء من ذلك العقل الفذ الذي أعاد الإعتبار للسببية ونقد العقل الخالص، ولا شك أن هذا الجوار الرمزى للفيلسوف (كانط) فى الشارع الذي يحمل أسمه جعل الدكتور حامد أكثر ميلا للعقل ونقد الفلسفة المادية، أكثر من روحانية الشرق الكامنة فى الشاعر الألمانى الكبير غوته. وفى ظنى هو يقع تحت ظلال أفكار إيمانويل كانط الذي جعل اليسار العربى منه أيقونة مقدسة فى حوار العقل مقابل الغيب.وهو فى هذا المنحى أبعد من أفكار الفيلسوف الألمانى نيتشه الذي أعلن موت الإله، ولهذا أسرج بعيره الي مدرسة فرانكفورت وجعل شيخه الفكري يورغان هابر ماس (1929-2026) الذي جسّد فى نظريته العقلانية التواصلية كيف تنمو المجتمعات فى سياق تطورها الإجتماعى والديمقراطى بهذا الحوار العقلانى بين الأفراد لتحقيق التفاهم وبناء المشتركات، وهو حوار يستلزم الصدق والإعتراف المتبادل والبحث عن الحقيقة. وأعتقد جازما أن مجمل الإنتاج الثقافى للدكتور حامد هو تجسيد حقيقى لنظرية هابرماس عن الفضاء العمومي الذي ملأه بالفعل والنشاط وكذلك مفهوم العقلانية التواصلية لتعميق التفاهم وبناء المشتركات بين عالمين، وبهذا النموذج الفكري حرر هابرماس العقلانية من سياقها التاريخي كعقلانية أداتية لتصبح عقلانية تواصلية تقوم على الحوار الموضوعى دون جبر أو إكراه.
تتميز تجربة الدكتور حامد فضل فضلاً عن الإندماج الواعى فى المجتمع الأوروبى وترسيخ مبدأ التعددية الثقافية والمحافظة على الهوية والخصوصية ومقاومة الذوبان الكامل في الثقافة القائدة والمهيمنة، – تتميز اضافة لذلك – بأنه كان شاهدا على عصر التحولات الكبرى في ألمانيا خاصة نهاية الحرب الباردة وسقوط حائط برلين وتوحد الألمانيتين ، وإمتصاص صدمة التيارات الشوفونية المتطرفة، والتخلص من إرث الدولة البوليسية ورعب جهاز الإشتازى ومعالجة الإختلالات الإجتماعية والإقتصادية بين شطرى ألمانيا وإعادة الهوية الألمانية الموحدة وصياغة الوجدان القومى الجديد. وعليه لم يكن حامد فضل الله شاهدا فقط أو متلقيا بل كان فاعلا فى المحيط الثقافى، حيث ساهم من خلال ترجماته لأهم الدراسات والكتب خاصة المرتبطة بقضايا الإندماج والإسلام والإستشراق والشرق الأوسط والدراسات الفكرية ذات الصلة فى تعميق التفاهم والقيم المشتركة بين هذين العالمين. كما ساهم أيضا فى تعميق هذا المسار من خلال بحوثه ودراساته التى يحتويها الكتاب لا سيما ورقته المرجعية الهامة عن تطور العلاقات بين السودان وألمانيا مستدلا بالرصد الموضوعى من المظان الأكاديمية الموثوقة إضافة الي معايشته الشخصية لصعود وهبوط الخط البيانى لمسار العلاقات الثنائية من خلال معرفته بديناميكيات العلاقة وسياقاتها الاقليمية والدولية وكذلك معرفته بكل السفراء والدبلوماسيين الذين خدموا في السفارة السودانية في ألمانيا.
يندهش الناس كيف جمع حامد فضل الله بين الصرامة المهنية كطبيب إختصاصي، و فضاء المثقف ورحابة الأديب، وصدق الكاتب وجموح الناشط . والإجابة ببساطة لأنه متسق مع نفسه، فهو قد عارض الحكومات لكنه لم يكره الوطن، و يفرق بين الكسب والمنهج، واللباب والقشور، والعنب والنبيذ. وهو مثقف لا يقتصر همه على الإنتاج الثقافى والأدبى بل هو مبذول لخدمة الثقافة وحفىٌّ بالمثقفين، وتلك خصلة نادرة فى الكرم المعرفى، وله سهم وافر فى تأسيس الجمعيات المدنية و الأدبية والمنظمات الثقافية العابرة للحدود والإيدلوجيات وفى نشر كثير من الأعمال ذات الأهمية النوعية والتاريخية على نفقته الخاصة، وله طاقة خلاّقة لا تنفد للإحتفاء بالناس وكسبهم الفكري وإنتاجهم الثقافى و الأدبي ، فلا تكاد ترتفع راية لإحتفال في برلين لشخصية ثقافية أو قامة فكرية من العالم العربى إلا كانفى مقدمة منظميها ، وينطبق ذلك على أى ندوة أو منشط ثقافى يناقش قضايا الإسلام والغرب والإستشراق وتطورات الشرق الأوسط إلا و يكون من المشاركين أو المتحدثين فيها. وكما مثّل جسراً بين عالمين، ظل أيضا طوال حياته حلقة الوصلبين الثقافات العربية في المنفى، إذ ظل صديقا لكل المثقفين العرب من سوريا وبلاد الرافدين ومصر وتونس والمغرب والجزائر والخليج وغيرها دون أن ينزع جلبابه السودانى أو عمامته المكورة على خط مشرع السدرة على عبارة عبد الله الطيب.
من ناحية أخرى فإن هذا الكتاب يجيب على سؤال محورى طالما لازم المثقفين العرب، وهو رهان الإختيار بين هدأة العمر أم الإشتباك مجددا مع صخب الحياة. فقد أختار الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل هدأة العمر وإعتزال الكتابة والإنسحاب تدريجيا من أضواء المسرح، حتى قال قولته الشهيرة لا تعاندوا القدر فقد إنتهت الرحلة. ولكن اختار الدكتور حامد فضل الله أن يظل مشتبكا مع الحياة ومتفاعلا مع قضايا الفكر والثقافة والتأليف كمثقف عضوى باحث عن المعنى، وهو بذلك يهزم قافية العباسى وهو يغني في سبعينيته ” سبعون قصرت الخطى وتركننى أمشي الهوينا ظالعا متعثرا” كما هزم قافية الشاعر القديم زهير بن أبى سلمى الذي تعب من تكاليف الحياة ” و من يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم”.لأن العمر حبات فى مسبحة الزمن وليست جرحا فى الروح. ولعل كدحه الثقافى يشابه الى حد كبير جهود الهرم الدبلوماسي الكبير بشير البكرى أول سفير للسودان في باريس واليونسكو، الذى ظل عطاؤه الثقافى متدفقا حتى وقت متأخر من عمره، إذ كان نجم المنتديات والليالى الثقافية فى الخرطوم دون منازع.
هذا الكتاب كما وصفه كاتبه متجاوز للجغرافيا والمكان ومفتوح على فضاء الإحتمالات والوقت، لأنه يجعل من العبور مفهوما متعديا أشبه بالواقع الإفتراضي الذي تحسه فى نبض الدقائق وإيقاع الزمن لكنه معلق على فضاء الوهم وخوارزميات التوهم، كما يحاول الربط بين عالمين أو سياقين ثقافيين مغايرين من حيث اللغة والتاريخ والفكر والواقع الإجتماعى. هذا المعراج الثقافي بين السودان وألمانيا الذي يجسد ذاكرة العبور والإنتقال مغزول من فتل التجربة والتاريخ ولكنه مع التحديات الراهنة أوهى من بيت العنكبوت . إن إختيارات هذا الكتاب من حيث الموضوعات تعّبر عن تجربة ووعى الكاتب الذي غمس ريشته ليرسم لون الذاكرة وظلال الواقع، وما نفهمه ولا نستطيع أحتماله أو بين ما نعيشه ولا نستطيع فهمه كما قال فى مقدمته..إنها متلازمة المنفى والعبور والإنتقال بين سياقين ثقافيين مختلفين مع مراعاة فروق التوقيت، وقد إجترح الكاتب سؤال ذاكرة العبور حتى تم تفخيخ النص، مما قاد لأن تحمل الإجابة إرتدادات تحس إهتزازاتها في المتن والحواشى، لكن روح التجريب والمغامرة التى أحتشد بها النص للبحث عن المعنى، تجعل روح الكاتب هى الثابت أما المتن فهو المتحول.
أغدق علىّ الزمان من كراماته وأنعم علىّ بصحبة الدكتور حامد فضل الله لبعض الوقت، وصحبته في دروب الندوات والمؤتمرات والإجتماعيات السودانية وكان له فضل تعريفي على ثلة من المثقفين العرب ذوى المشارب الفكرية المختلفة والمذاهب السياسية المتباينة، ووقفت على مدى تقديرهم وإحترامهم له بإعتباره مثقفا عربيا أصيلا ظل شريكا وفاعلا فى نشر الثقافة العربية والتبشير بأبرز التيارات الفكرية والإنتاج الثقافي والأدبي والفني، وفى كيف تكون الثقافة العربية تيارا فاعلا فى تشكيل هوية وثقافة ألمانيا الحديثة. وهى قضية عمّقت الإنقسامات الفكرية بين النخب الألمانية، منهم من رفض التعددية الثقافية وجعل من الألمنة والذوبان الكلى في الثقافة المهيمنة والقائدة هى الأساس، ومنهم من نادى على إستيحاء أن يسمح لهذه الثقافات الفرعية أن تعبر عن نفسها في سياقفضاء ديمقراطى و دستور علمانى يقف علي مسافة واحدة من جميع الثقافات والمعتقدات والأديان.
هذا الكتاب ليس مجرد نصوص تجسّد ذاكرة العبور كما زعم كاتبه، لكنه ترميزا ثقافيا للربط الموضوعى بين عالمين ، وهى نصوص تعزز من المشتركات وتستصفى النقائض و تعمق من التفاهم المشترك. كما أنه كتاب يحتفى بالنص و المتن لكنه فى ذات الوقت يقدح شعلة هذه الروح الوثابة التى جعلت هذا الكتاب ممكنا وممتعا ومفيدا. لذا لم يكن غريبا أن تصدرت قصته وذكرياته كتاب الباحثة الألمانية إيكا نُيْومان عن تجربة سير الأجانب الذين عاشوا جمهورية ألمانيا الديمقراطية بإعتباره صوتا متميزا ومتفردا فى تجربته فى سياق الحرية، و الهوية والعبور والإندماج. وهو نص آسر عماده التأمل في التجربة والتحولات عندما تستحيل الجغرافيا الى سجن والوجدان الى فضاء مفتوح من الذكريات.
يشتمل الكتاب على موضوعات تاريخية وفكرية وثقافية وسياسية متنوعة وتراجم ومختارات وقصص أدبية، على نهج ما يسمي بالكشكول وهي كلمة فارسية تعنى المفكرة او الدفتر وهو وعاء كان يحمله الدراويش في العصر القديم لتلقي العطايا والصدقات، والأصل فيه التنوع.
الفصلان الأول والثاني هما جوهرتا هذا الكتاب، إذ يناقش الدكتور حامد في الفصل الأول العلاقات السودانية الألمانية من الاستكشاف المبكر إلى التداخل الاستعماري وبناء الدولة الأمنية متتبعا تاريخ تطورها منذ القرن الخامس عشر الميلادى الي ما بعد ثورة ديسمبر.
قدم الدكتور حامد فضل الله فى هذا المبحث إحاطة شاملة وغير مسبوقة فى الأدبيات المنشورة باللغة العربية عن العلاقات بين الدولتين خاصة في بعدها التاريخي منذ العام 1492، ويعد هذا المبحث إسهاما رفيعا يسد فجوة كبيرة لدى المهتمين والباحثين. ورغم أن الباحث الألمانى رومان ديكارت يعتبر أول من قدم بحوثا معمقة حول تطور العلاقات التاريخية بين البلدين لكن زاد عليها الدكتور حامد فضل الله ربطا موضوعيا بين المراحل التاريخية المختلفة، خاصة حركة البعوث العلمية وتأسيس العلاقات الثقافية منذ وصول أول دفعة من الطلاب السودانيين لألمانيا الشرقية عام 1951، وقدم سردا تفصيليا للعلاقات الدبلوماسية لا سيما جهود السفارة السودانية في بون وبرلين فى تطوير العلاقات، وسرنى أنه توقف عند جهود الدكتور والسفير بهاء الدين حنفى الذى تشرفت بالعمل نائبا له وهو الذي وضع الأسس لتطور العلاقات عبر الحوار العميق والشفاف وبناء المشتركات مع مؤسسات الدولة الألمانية رغم الإختلافات السياسية بين الخرطوم وبرلين حينها.
ويكفى ألمانيا كما ذكر دكتور حامد محقا أنها تحتضن أكبر كنوز الحضارة السودانية وهى ذهب الكنداكة أمانى شخيتو الذي ظل موزعا بين متحفى ميونخ وبرلين. وتعود قصته الى الطبيب الإيطالى جوزيه فرليني الذى سرق هذا الكنز من الهرم السادس وهو المدفن الملكى للكنداكة أمانى شخيتو فى مملكة مروى القديمة ، بعد أن دمره وفجره بالديناميت. وبعد أن هرب به الى بولونيا مسقط رأسه عرضه فى الأسواق الأوروبية عام 1837 ، وقد أشترى ملك بافاريا لودفج الأول عام 1842 حوالى 90 قطعة من أصل 270 تمثل الطقم الكامل لهذا الكنز بعد نصيحة من عالم الآثار ليبسيوس الذى أكد للملك أصالته وحقيقته. وأشترى ملك بروسيا أيضا بنصيحة من ليبسيوس بقية قطع الكنز بعد أن ضاعت منه أجزاء كثيرة لا أحد يعلم مكانها حتى الآن. لهذا توزع الكنز بين متحفى ميونخ وبرلين. وقال لى عالم آثار ألمانى بعد أن سمع نبرة إحتجاج على بقاء الكنز فى ألمانيا خارج دولته الأصل، إنه من حظ التاريخ أن هذا الكنز فى حوزة الدولة الألمانية وإلا كان تعرض للتلف و الضياعللأبد إذا بقىّ في السودان عبر الحقب السياسية المختلفة التى شهدت حروبا وإضطرابات منذ حقبة محمد على باشا 1821، لكن يشاهده الآن الملايين من زوار المتحف سنويا ليقف شاهدا على عظمة الحضارة السودانية القديمة .
قدم الألمانيان ليبسيوس وهنكل أياد بيضاء في التوثيق والتنقيب عن الحضارة المروية القديمة. ومن المتأخرين بروفيسور فيلدونغ وبروفيسور كارلا اللذان قادا بعثات تنقيبية في منطقة مروى القديمة. وسار أستاذ الآثار الألماني فيلدونغ مع ما قدمه السويسري شارل بونيه أن الحضارة السودانية تمتلك خصائصها الذاتية وتميزها المستقل من أي حضارة أخري ولهذا يجب دراستها وفصلها عن المصريات وبالتالى فهى ليست رافدا فرعيا للحضارة المصرية بل كانت حضارة مستقلة بذاتها. ومن يدرس مقتنيات أماني شخيتو في ألمانيا يدرك عظمة الحضارة السودانية إذ يؤكد فيلدونغ في حوار سجلته له مع قناة الشروق أن هذه المقتنيات لا مثيل لها في حضارات العالم، وكما يقول البروفيسور الأمريكى ريشتارد لوبان وهو يتأمل دهب أمانى شخيتو إن السودانيين أستخدموا تكنلوجيا النانو قبل أن يكتشفها العالم بآلاف السنين.
ومما غفل عنه السرد التاريخي فى هذا المبحث هو قصة المرتزق الألمانى أشتاينر الذي ألقت عليه السلطات السودانية القبض وهو يدرب قوات أنانيا المتمردة فى جنوب السودان فى مطلع سبعينيات القرن الماضى . ومن قصصه فى السجن أنه أول من بدأ تعليم الشيخ الترابي اللغة الألمانية في سجن كوبر. وقد رجّح الباحث رومان ديكارت أن أشتاينر كان يعمل لصالح المخابرات البريطانية MI6 وليس لصالح الحكومة الألمانية.
يقدم الفصل الثانى مدخلا لدراسة مدرسة فرانكفورت النقدية ، وعلى قدر ما تم نشره من كتب ومباحث باللغة العربية عن تاريخ وتطور هذه الظاهرة الفكرية إلا أن حامد يقدم نظرة شاملة وموضوعية لتطور هذه المدرسة ويقدم ربطا علميا محكما بين أجيالها الثلاثة منذ هوركهايمر الي هابرماس، وما تأثرت به من الفلاسفة السابقين خاصة كانط وهيغل . وكما زعمت مبكرا في هذا التقديم فإن حامد فضل الله من حوارىّ هذه المدرسة، وأعتقد كذلك أن الدكتور حيدر على أبراهيم رغم وجوديته وتأثره بسارتر إلا أنه من حوارييها في النظرية النقدية وقضايا الحرية والفضاء العالم والعقلانية التواصلية. وهذا الفصل عن مدرسة فرانكفورت الذي حرره حامد فضل الله هو أفضل ما كتب في مجاله خارج سياق الإبحاث الجامعية.
يتضمن الكتاب نص الخطاب الذي قدمه الدكتور حامد في الذكري 25 لتأسيس منبر السودان أو يسمي مؤتمر هيرمانسبورغ الذي رعته الإيفانجليكانية الناشطة مارينا بيتر. ورغم أننى كنت حضورا فى المؤتمر عندما تلاه أنابة عن السودانيين إلا أننى عندما طالعت النص مجددا وجدت فيه العمق والنقد والأصالة التى تميز الإنتاج الفكرى للدكتور حامد، وزاد عليه تلك اللمسة الحميمية من العرفان والإمتنان لهذا المنشط الذي استمر 25 عاما دون توقف. وكانت مارينا بيتر قد عبرت عن أعجابها بالخطاب فى حديث جانبي معها في ختام المؤتمر. ولعل الإشادة المستحقة من البروفيسور أبوشوك تعكس قيمته التاريخية أيضا. وكنت أتطلع أن يعقب الدكتور حامد بعد نشر الخطاب على دور المنبر في فصل جنوب السودان، إذ لم يعد خافيا أن المنبر رغم أنفتاحه على مختلف التيارات السياسية والفكرية في السودان، إلا أنه كان أحد المنابر الأيفانجليكانية التى كانت تدعم إنفصال جنوب السودان وهو ما عبرت عنه سفيرة دولة جنوب السودان (ستونة عثمان)عندما قالت في كلمتها الرسمية أمام المؤتمر شكرا لأنكم ساعدتمونا في نيل إستقلالنا.
تكمن موهبة الدكتور حامد الله فضل ليس فى حذق الترجمة الرصينة من الألمانية الى اللغة العربية مما يسد فجوة ثقافية ومعرفية كبيرة بين العالمين، لكن فى أختياراته الدقيقة للمقالات والأوراق والبحوث والتى يخضعها لمعايير قاسية منها أن تكون جديدة ومواكبة وتشكل أضافة معرفية فى الحوار السائد في قضايا المعرفة والفكر والسياسة. وإذا نظرت الي مقال الدكتورة دانيلا تشافتيز عن تحولات النظام الدولى الليبرالى تجد تمسكه الصارم بهذه المعايير الدقيقة ، لا سيما وأن فكرته المركزية تمخضت مما أحدثه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إهتزازات عنيفة لتجريف النظام الدولي التعددي الليبرالى والعودة الي سياق منطق القوى العظمى، وهى ما تقاومه أوروبا على إستحياء علي المستوي السياسي لكن تتصدى له المؤسسات الأكاديمية والفكرية الأوروبية بقوة أكبر وتعمل على تفكيك منطقه الداخلى مثلما فعلت الدكتورة دانيلا وهى تسلط الضوء على ما أسمته التداخل البنيوي بين ظاهرتين مركزيتين هما: “تآكل النظام الدولي الليبرالي، وتصاعد أزمة الديمقراطيات الليبرالية. ولا يمكن فهم أيٍّ منهما بمعزل عن الأخرى، إذ يعكسان معًا تحوّلًا عميقًا في توزيع القوة وأنماط ممارستها”. وتلخص طبيعة الصراع الخفى بين الولايات المتحدة في عهد ترامب وأوروبا بقولها: ” لن تصبح أوروبا ذات أهمية في النظام العالمي الجديد من خلال تمسّكها بالقواعد أو إثبات صوابها، بل من خلال قدرتها على الفعل: أمنيًا، وتكنولوجيًا، واقتصاديًا، ومن خلال الشراكات”.
ومع إهتمام الباحثين بالظاهرة السياسية للصعود الشعبوى للرئيس دونالد ترامب، وما أحدثته سياساته من تحولات عميقة فى النظام الليبرالى الدولى، يناقش الدكتور الأمريكى روبرت كاجان فى مقاله عن عالم بلا قواعد وكيف يبدد دونالد ترامب قوة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يرى أنه مع صدور استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، فإن واشنطن تسعى ليس لمجرد هدم النظام الليبرالى الذي بنته بل أستبداله بمنطق القوى الكبرى، “وليس السبب في ذلك أن الولايات المتحدة غير قادرة ماديًا على الحفاظ عليه، بل لأن الولايات المتحدة قررت أنها لم تعد ترغب في لعب دورها التاريخي غير المسبوق كضامن للأمن العالمي”.
لم تغفل أختيارات دكتور حامد للترجمة عن جدل اللحظة الراهنة عن الذكاء الإصطناعى، حيث أستعرض مقال روبيرتو سيمانوفيسكى عن تداخلات الإعلام والفلسفة والتحديات التى أفرزها التطور التقنى والذكاء الإصطناعى، وتخلص المرافعة الى ضرورة المقاومة حتى لا نستسلم للآلة، لأن ذلك يمنعنا متعة التفكير والوجدان والنقد وأن نبقى ذواتاً فاعلة في الوجود.
لم ينفك الكتاب من إسار جدل ومناقشات الشمولية والديمقراطية، لذا أختار الدكتور حامد ترجمة مقالة سيلا بنحيب عن راهنية فكر حنا آرنت ، “بوصفه إطارًا نظريًا لتحليل السياسة في مرحلة ما بعد الشمولية”. وقد وجد الباحثون مع تصاعد تيار الشعبوية بعد إنتخاب الرئيس الأمريكيى ترامب للمرة الثانية في أعمال حنة آرنت الملاذ لتحليلها البارع للعلاقة بين النخب والغوغاء، ووصفها للحركات المناهضة للديمقراطية والأحزاب السلطوية.
أشتمل الكتاب على جملة مقالات مترجمة تم إختيارها بعناية تدور حول قضايا الإنزياحات السياسية والإقتصادية ومناقشة التحولات الجيوسياسية الهائلة وصراعات القوة والنفوذ .و هو بذلك يسلط الضوء على التحولات الراهنة من وجهات نظر مختلفة مما يعطي الكتاب قيمة أضافية فى أنه لا يصدر عن أنحياز سياسى أو أيدلوجى فى أختيارات الترجمة بل يحتفى بتعدد وجهات النظر لإثراء الفضاء المعرفى. وفى هذا السياق يمثل ترجمة مقال جوته والشرق فى منحاه الأدبى بعدا مهما فى كشف المؤثرات الشرقية فى الإبداع الشعري لشاعر ألمانيا العظيم جوته.
غمرتنى السعادة وأنا أطالع في الكتاب مقالة الصديق والباحث الألمانى رومات ديكرت عن السودان والتى صدرت بعنوان “السودان: نموذجٌ أوليّ لحربٍ من نوعٍ جديد”. ويتميز رومان عن غيره من الباحثين في قضايا السودان فى أنه محب للسودان وأهله وتربطه صداقات عميقة بكثير من المثقفين السودانيين. لهذا لا ينطوى مقال ديكرت على أي أحكام قيمية إذ لم تؤثر عليه ميوله الإشتراكية العميقة في تأسيس تحليل نقدى موضوعى لمجريات الحرب فى السودان. وأرتبط ديكرت بمشروع مجلة (النيلان) وهى مجلة دورية كانت تصدر فى ألمانيا لتعزيز أواصر الإرتباط حتى بعد إنفصال جنوب السودان. ويعضد المقال من فرضية الخبير في الشأن السودانى أليكس دى وال في أن ما يحدث فى السودان يعتبر نموذجًا أوليًا لنوع جديد من الحروب ذات الطابع الإمبريالي الجديد في منطقة القرن الأفريقي وما بعدها. ويتفق ديكرت مع التوصيف الدقيق لأكس دي وال أن نتيجة هذا النوع الجديد من الحروب هو ” إزاحة الدولة الوطنية ذات الحدود الواضحة لتحلّ محلها إقطاعات ذات حدود مرنة ومتغيّرة. ويقود هذه الكيانات زعماء ميليشيات يعملون كأتباع أو وكلاء، ولا يخضعون للمساءلة إلا أمام القوى الإقليمية المقتدرة ماليًا التي تدعمهم”. وفى تحليله للقوى المتورطة فى إشعال حرب السودان يقدم نقدا قويا لموقف بلاده ألمانيا تجاه ما يسميه النقد المغلق للإمارات بدلا من تحميلها مسئولية المحرقة والإنتهاكات تحت مبررات الشراكة الإستراتيجية لدوافع إقتصادية وتجارية محضة.
ويناقش الدكتور جيريت كورتز الأستاذ بالمعهد الألمانى للسياسات الدولية والأمن فى مقاله عن حماية المدنيين فى السودان، جهود المجتمع الدولي ومنظومة المبادرات الوطنية والمحلية لحماية المدنيين، و يرى أن هناك بدايات مهمة لحماية المدنيين قبل التوصل الي وقف لإطلاق النار، ويدعوا في ختام المقال الى ضرورة فرض عقوبات على الأطراف بواسطة الإتحاد الأوروبي خاصة أنتهاكات حقوق الإنسان من قبل الدعم السريع والدول الداعمة للصراع وتلك المتورطة فى تجنيد المرتزقة من كولمبيا ودول الجوار.
أحسن الدكتور حامد أختيار مقال هاوكا برنكهورست عن رحيل الفيلسوف الألمانى يورغان هابرماس بعنوان العالم على الورق. ولا شك إن النعى بشرح مآثر وأرث وتراث المثقفين والمفكرين لم يكن أدبا مواطئا فى الثقافة العربية الحديثة، بل هو أدب قائم بذاته عند الفرنجة كما يقول بروفيسور عبد الله على إبراهيم.ومن أبدع ما وجدته فى الرثاء فى سياق الثقافة السودانية فضلا عن المناحات القديمة التى تعتبر إبداعا نسائيا محضا وشعر المحجوب فى رثاء السيد عبدالرحمن المهدى وعبد الله الطيب فى رثاء المجذوب ومحمد الواثق وصلاح أحمد إبراهيم في رثاء أشقائهما.وجدت ما خطه قلم الراحل منصور خالد فى نعيه المؤثر لصديقه الدكتور عبد العزيز بطران وأستاذه جمال محمد أحمد لوحة بلاغية قشيبة تفيض بمعانى الوفاء. وأختار الدكتور الواثق كمير أن يوثق مناقب منصور خالد فى كتابه الخروج من الذات لملاقاة الآخر متجاوزا الرثاء وإنفعالات اللحظة الى معنى أدق وهو ينمنم ببيانه وبنانه رسم لوحة إنسانية وفكرية لعلم ترك أثرا عميقا فى كتاب الثقافة والسياسة فى السودان.
ويمثل هاوكا برنكهورست عن رحيل الفيلسوف الألمانى يورغان هابرماس ومآثره الفكرية إنعكاسا لهذا الضرب من الأدب عند الغربيين. وقد لمس المقال جوهر أفكار رائد أختراع مفهوم الفضاء العمومي في بعديه الفلسفى والإجتماعى فى أنه مازج بين نقد المعرفة وبناء نظرية إجتماعية. ولم يعش هابرماس فى عالم اليوتوبيا والأفكار بل كان مشتبكا مع الحياة السياسية والإجتماعية وكان يحاول على الدوام المحافظة على روح الحداثة والتقدم بالحقيقة والديمقراطية ومحاربة الإتجاهات الشمولية، وواجه فى أخريات سنوات عمره صعود التيار الشعبوى وأصبحت رؤيته للعالم أكثر قامتة مع وصول ترامب الى سدة البيت الأبيض. ويلخص الكاتب فى عبارة مؤثرة أحسن نقلها للعربية الدكتور حامد، إن “حياة يورجن هبرماس بأكملها يمكن فهمها بوصفها محاولة للدفاع عن ادعاء الحداثة بالتقدم والحقيقة والديمقراطية. ومن هذا المنظور، كان لا بد أن تبدو له شخصية مثل ترامب نقيضًا كاملًا لمشروع حياته”. مات يورغان هابرماس وحيدا بعد أن فقد إرادة الحياة فى عمر يناهز السادسة والتسعين عاما، ولم يبق لنا إلا عالمه وأفكاره على الورق.
أستعرض الكتاب عدد من المقالات المترجمة عن تطورات الشرق الأوسط والحرب الأمريكية على إيران، وتعكس المقالات الروح الإحتجاجية والتشكيكية للمثقفين الأوروبين حول جدوي الحرب ، وضرورتها فى تشكيل شرق أوسط جديد. و فى هذا السياق يواصل الدكتور حامد إختياراته فى الترجمة ليستعرض كتاب المهمة القذرة الذى يناقش تطورات الشرق الأوسط وما يسميه مؤلف الكتاب مايكل لودرز جنون العظمة الأمبراطورى فى الشرق الأوسط ، ويستند لودرز على تجربة عملية ثرة فى الشرق الأوسط حيث درس السياسة والإسلام في برلين ودمشق وعمل مراسلا صحفيا لفترة طويلة فى الشرق الأوسط، وينتهى الى حقيقة جوهرية مفادها أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط لا تتغير بتغيّر الإدارات فى سدة البيت الأبيض بين جمهورى وديمقراطى، لأن مصالح واشنطن تقتضي حماية إسرائيل وتعزيز هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة.
يستعرض الدكتور حامد كتاب الدكتور محمد محمود الصادر حديثا بعنوان “الرؤية القرآنية: قراءة تحليلية نقدية ” وهو أمتداد لكتابه السابق عن صناعة النبوة الذى أحدث ردود فعل متباينة ، إذ قال الدكتور محمد وقيع الله إنه لا يساوى الحبر الذى كتب به، ويقول الشاعر السورى أدونيس إنه أفضل كتاب أطلع عليه في حياته. ويمثل هذان العملان الأساس النظرى للتيار الإلحادى فى السودان إن شئت، أو نقد الأديان فى إطار الحوار المتمدن إن أردت ميوعة الموقف والخضوع لمنطق هذا التيار، إذ إنتقل موقف إنكار الإله والكفران بالأديان من مجرد نزعات فردية الى تيار يرتكز على أسس نظرية ، ومنابر مزدهرة للحوار المتمدن. وهذا الوصف هو ما حذر منه الدكتور محمد محمود فى مقدمة كتابه عن الرؤية القرآنية إذ عبّر عن خشيته من التجريم الفكرى الذى ينتهى باصدر حكم الردة، ويرى أنه يؤسس لتيار عريض لنقد الأديان، ونزع القداسة من النص القرآنى والتعامل معه كنص بشرى مخترع ومبتدع. ويجد فى المقابل أن العالم الغربى متسامح مع نقد تراثه المسيحي اليهودي دون ضيق أو تبرم فى إطار حرية الفكر. بيد أن الدكتور حامد وهو يستعرض هذا الكتاب، يعبر عن إعجابه بمادته ومنهجه، إذ يقول ” قدم محمد محمود مادة علمية رصينة، محيطاً بموضوعه من كل جوانبه، عارضاً ومستشهداً بآيات وسور من القرآن الكريم فقط، محللاً وشارحا وناقداً لها، ومقارنتها مع آراء وشروح أساطين علمائنا السابقين ، عارضاً آراءه واستنتاجاته بوضوح وحيادية، لا يقول القول الفصل وإنما يفتح آفاقا جديدة من البحث والتلقي، محترماً بذلك قارئه بأن يأخذ بعد ذلك ما يتفق مع قناعاته وثوابته”.
وهذا المنهج ليس جديدا كل الجدة، ونجد جذوره التاريخية عند مستشرقين كثر، كان أبرزهم فى مرحلة متأخرة مرجليوث وهاميلتون جب بيد أن محمد محمود أضاف منهجا تحليليا فى محاولة لإثبات تناقضاته الداخلية -وهو جوهر تحدى القرآن للبشر- بإعتباره نصا مؤلفا من خيال النبى صلي الله عليه وسلم بمشاركة الصحابة كرافد فرعى حسب سياق الأحداث.ويعتبر أن اللحظة القرآنية متشربة من التراث الدينى السابق وخيال محمد صلي الله عليه وسلم ومقترحات الصحابة، كما شاركت فى نظمه وتأسيسه مؤثرات أخرى، مما يجعل منه نصا تاريخيا مفتوحا وليس نصا مقدسا، بل ويجعل من القرآن كلاما مؤلفا يرتقى الى لغة الكهان وتمتزج فيه عناصر الإيقاع الشعرى بالسجع والنثر. ويرصد الكاتب حسب ظنه وجود أصوات متعددة فى النص القرآنى، منها صوت الإله “تعالى الله عما يصفون” وصوت المؤلف وصوت إبليس الذى يمثل التمرد وصوت المشتركين المتوجسين وصوت المؤمنين المتطلعين الى نعيم الجنة.وإشكالية الكاتب المنهجية ليس مجرد نزع القداسة عن النص القرآنى والتعامل معه كنص تاريخى كما طرح مرجليوث وسار على نهجه طه حسين ثم أركون من المحدثين وغيرهم، لكن فى إعادة تحويله الى نص مبدع أقرب للقصة ترتفع فيها أصوات متعددة وحبكة وممثلين ومخرج وبطل وخائن ومسرح مضاء ترتفع فيه الستارة وتنزل حسب الإيقاع الدرامي.
لمست زهدا فى النقد الموضوعى والتصدى لأطروحات دكتور محمد محمود منذ كتابه السابق عن صناعة النبوة، ورغم أننى كنت أحد المتداخلين لنقد الكتاب وأشتبكت مع الكاتب فى جدل فكرى مفيد حول أطروحته الأساسية ، إلا أزورار النخبة عن هذا الجدل جعلنى أتساءل عن سر هذا التزهيد؟ هل مثل هذا النهج لم يعد يمثل تحديا للمثقفين والمفكرين في الحقل الإسلامى، إذ حملته موجات تاريخية سابقة وتم تفنيده ودحضه ولا فى فائدة فى العودة اليه مجددا؟ أم أن التحدى الفكرى الأبرز هو قضايا العولمة والدولة الدينية والإرهاب وتفكيك النظام الليبرالى التعددى، وتجديد الفقه والمنهج الإسلامى لمقاربات قضايا الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. ومهما يكن من أمر فإن محمد محمود لم يخضع القرآن لقواعد الجدل الديالكتيكي أو المنطق الإفلاطونى بل يحاول أن يستخلص من نص القرآن وجغرافية تنزله والحالة الثقافية والفكرية والإقتصادية للمجتمع الذى تنزل عليه وعناصر المقاومة التى تصدت له ما يدعم فرضيته الأساسية. إن مجرد تجاوز هذه الأطروحة أو ابتذالها لا تمثل إجابة فى ظنى بل تمثل تحديا فكريا يستحق التوقف عنده، ليس فى أطار مشروع نقد الأديان فحسب أو نزع القداسة عن النص القرآنى بل فى سياق بروز تيار يرتجى من الحوار المتمدن خلاصا فكريا من قضايا الدين وهو يجمع بين النزعات المادية والعلمانية والإلحادية وذلك على هدى عبارة الطنانة أنه لن تنهض الإنسانية حتى تموت فكرة النبوة فى خيال المجتمعات الحديثة. بهاتين الأطروحتين يجرد الدكتور محمد محمود سيفه فى ساحة النزال الفكرى دون وجود خصم فى الحلبة، ولم أجد تفسيرا لهذا الإزورار الفكري من النخب فى التصدى لهذه الأطروحة تهيبا كان أم استتفاها؟. ويقف حامد فضل الله محايدا، لأنه ممن يمجد منهج محمد محمود فى نقد الأديان لكنه لا يرضى كلية بأطروحاته. ويجب أن تتسع فضاءات الحرية الفكرية لمناقشة مثل هذه الأطروحات دون حجر أو تجريم، بما فى ذلك أسقاط أي مادة تدين الردة الفكرية في القوانين السودانية والعربية، لأنها جزء هى من وسائل الثراء الثقافى والمعرفى والإرتقاء الفكرى والتطور العقلى والإجتماعى لأى أمة.
يتكشف البعد الإنسانى فى شخصية حامد فضل الله فى مرثياته لأصدقائه وأحبابه، إذ تعبر عن مشاعر صادقة وأحاسيس دافئة وتجد ذلك فى مرثيته لزميل دراسته ورفيق دربه الدكتور عبدالرحيم بلال أول مدير سودانى لمنظمة فريدرش آيبرت الألمانية في السودان، وللدكتور الرحل فتحى غطاس ذلك الذى كان يزرع دروب برلين بالمحبة والقفشات وصخب الحياة.وهو أشبه ما يكون فى شخصيته بما رسمه الطيب صالح فى روايته “منسى” التى قال عنها دكتور الخانجى أن فيها أصداء من السيرة الموازية ، إذ كان فتحى غطاس إنسانا نادرا على طريقته الخاصة.
وللدكتور حامد خاصية أخرى فى الكرم المعرفى سبق وأن وصفته فى تقديم كتابه “أحاديث برلينية” فى أنه مثقف عضوى متجاوزا مفهوم غرامشي إذ أنه يغدق من وقته وجهده وفكره لخدمة المعرفة والثقافة وفى الإحتفاء بالمبدعين، وهو فى ذلك متجاوز لخطوط الأيدلوجيا ومدارس الفكر ومذاهب الثقافة لا يفرق بين ماركسى وعروبى وليبرالى وإسلامى ما دام البحث عن المعنى والحقيقة والمعرفة هى القاسم المشترك. وهو بهذا الطقس المعرفى يتجاوز خيانة المثقف كما وصفه بندا، وهو ذات الخيط الذى التقطه الدكتورعبدالله البشير فى تقديم كتابه عنأندماج الإسلام فى ألمانيا و أوروبا وهو يشير الى أن إدوارد سعيد يرى أن مقاييس النجاح المدرسى سرعان ما تتلاشى عند أقتحام الحياة العملية ويبقى الأثر فيه للعمل و أيهم أنفع للناس فى الفضاء العام؟. والدكتور حامد ربما لا يحسن حذلقة المثقفين المزيفين ولا تقعر قاموسهم اللغوى لكنه من واقع سجلات حياته العملية والإنجازات الثقافية والمعرفية هو فى صدارة هذه القائمة لأنه يملك حس الأديب وضمير المثقف وهو من أنفع الناس للناس في الفضاء العام. ولعل إلتفاتة صغيرة لدوره فى إعادة طباعة ديوان غابة الأبنوس للشاعر صلاح أحمد إبراهيم وكتاب “الوحدة فى التنوع” للدكتور عبد الغفار محمد أحمد أو حتى الندوة التى ساهم في إقامتها للإحتفاء بكتاب بروفيسور يوسف فضل عن العرب فى السودان بمناسبة مرور نصف قرن على تحريره تكفى لتبيان شغفه الأصيل فى خدمة الثقافة والمعرفة.
يمثل الجزء الأخير من الكتاب البعد الإبداعى في شخصية حامد فضل الله، وهو فضلا عن أنه ناثر فهو قاص أيضا. وقد وجدت أقصوصته التى نشرها فى كتابه أحاديث برلينية بعنوان ” الأجنبى” صدى واسعا إذ مثلت تجسيدا أبداعيا لتوترات العلاقة بين المجتمع الألمانى والأجنبى والتى قال عنها الكاتب أنها أختزنت عنصرية مستترة.
وتتميز القصص القصيرة للكاتب من ناحية الأسلوب، فى القدرة على أختزال المشاهد وتكثيف السرد والمباشرة فى التعبير عن الحبكة أو العقدة، مع الإبقاء على الشخصيات مشحونة بكل تناقضات اللحظة الفارقة، ويبدو أن غالبها الأعم مستمد من وقائع حياتية حقيقية وتجارب ذاتية مع غلالة من الخيال والخداع الفنى، فمثلا تختصر أقصوصة “سيرة الزيف فى المنفى” ، وهى سيرة شخصية تبدو حقيقية عاشت القشور فى المنفى وتركت اللباب فسقطت فى قاع النسيان بعد أن أنحسر الضوء من المسرح وأنصرف الجمهور. وهناك قصص نابعة من وقائع عمله الطبى مثل “عنبر دقدق” الذي يشبه يوميات طبيب فى الأرياف على نهج توفيق الحكيم، وهى قصة معبرة جدا، إذ تبدو عقدة القصة فى المسافة الفاصلة بين الواجب والضمير، وهو يقول فى سطرها الأخير: ” للمرة الأولى شعر أن الطريق إلى العنبر أقصر بكثير من الطريق إلى الضمير”.
هناك نصوص أخرى أقرب للخواطر منها للقصة مثل ” الصمت الذى لم يكتمل”. فى كل هذه القصص والخواطر يبرز عنصر الصدق الفنى مما يجعل هذه النصوص شخصانية حد التماهى بين الواقع والخيال الأدبى، وهى مشحونة بالشخصيات والوقائع مع قدرة إستثنائية على أستخلاص العبر والدروس مثل ما ورد في قصته بعنوان “الشيطان” إذ يقول: “أدركت يومها أن الثقافة لا تعصم صاحبها من السقوط، وأن الفكر، مهما سما، قد يهوي إذا تخلّى الإنسان عن إنسانيته. وأن الشيطان لا يدخل بين الناس إلا حين يجد في أحدهم بابًا مفتوحًا”. وهذا يلخص الجدل الفلسفى القديم أن الوجود سابق على الماهية وأن الإنسان قبل الفكر.
وأنا أودع أستاذى سعادة السفير والدكتور بهاء الدين حنفى الذى عملت نائبا له فى سفارة السودان فى برلين وهو يهم بالمغادرة قافلا الى السودان بعد سنوات من العطاء الدبلوماسى والغرس والزرع والثمر، قال لى موصيا: ” إنني لا أوصيك على مال تركته أو على عيال خلفتهم لكننى أوصيك علي أصدقائى من العواجيز وكان يشير الي حامد فضل الله والراحل فتحي غطاس وجعفر سعد لأنهم ثمرة علاقاتى الإنسانية التى غرستها في برلين”. فعرفت معنى الوفاء فى أزهى صوره، والإنسانية فى أبهى تجلياتها.
والسفير بهاء الدين إضافة لخبرته الدبلوماسية فهو ايضا مثقف رفيع، وأكاديمى درس العلوم السياسية فى جامعة الخرطوم ولندن ونال درجة الدكتوراة من الولايات المتحدة الامريكية ، تغلب عليه تأملات المفكر وترجيحات العقل وروح الباحث ودقة الأكاديمى ومنهج الحوار والقدرة على قبول الآخر والتسامح عن هفوات الآخرين إلا ما يسميه ضاحكا “الملحسة” وهى المداجاة. حاولت ان أتعلم منه -قدر إستطاعتى- فضلا عن انسانيته، صبره على البحث وعزائمه على توخى الموضوعية ولو على نفسه ، وقدرته على المراجعة وإستعادة الطريق متى ما ضاعت منه البوصلة ، والاستقامة فى الموقف وأخذ نفسه بالشدة والإبتعاد عن المزالق والشبهات. لذا إختار أن يحلق حراً مثل طائر النورس فوق دخان الأيدلوجيا.
الوجه الآخر لدكتور فضل الله بعيدا عن صفة المثقف والكاتب يعبر عن إنسانيته الدفّاقة وحسه الوجدانى وهويته السودانية ودقته الألمانية فى أداء الأعمال، وصداقته الوارفة العابرة للأيدلوجيات والأجيال. و ظل أباً ودوداً ورحيماً بأسرته وأبنائه رغم الرحيل الفاجع لزوجته الفاضلة برجته حيث مثّلا معا خلال ستة عقود من الزواج نموذجا متفردا في لقاء هذين العالمين. ورغم مصاهر الحزن التى تعتمل فى دواخله لم يفقد إيمانه برسالته الثقافية والأدبية والفكرية التى نذر لها شطراً ثميناً من عمره من أجل الحقيقة والمعرفة، وما هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزى القارئ إلا بعضا من رهانه على الحياة والتمسك برسالته الثقافية والفكرية ويشهد الكتاب أنه ترك بصمة قوية فى كل مجال تحرك فيه، فقد كان طبيبا ناجحا وظل مثقفا فاعلا وكاتبا مرموقا وإجتماعيا مواسيا، خدم الثقافة والمثقفين وظل ناشطا في أعمال الخير وقضاء حوائج الناس.
كان الأسلوب الذى يُعرّف به الدكتور حامد نفسه لجموع السودانيين والعرب فى مقتبل حياته في برلين : “أنا حامد فضل الله القرشي من المسلمية، ونحن من الجعليين العمراب وقبيلة المسلمية هي أحدى بطون الجعليين. فأذن أنا قريشي حجازي وكنعاني عراقي و سوداني جعلي، وسوف أمارس مهنتي كطبيب يخفف الآلام والضيق وبل الريق بالحقنة والمحاية والسبحة والأبريق.”. وبالفعل عاش حياته وفيا لهذا الوصف وهو يعالج هموم الثقافة بالوعى، ويطبب الآلام بالمحاقن والأدوية ويداوي القلوب بالمسبحة والمحاية وهو يحمل إبريقه وركوته فى ذاكرة العبور. لا يهم فى أى نهر سبح ومن أى نبع أغترف فهو يقرأ كانط ويتذكر فاتحة السيد على التى باركته محمولا الى مدينة هالة دون أي إحساس بالتناقض بين إشتراكيته التي تقدس العقل وذلك الغيب الذي يستكن فى وجدانه ليكون علم الحقيقة مقدم على الشريعة كما فعل الشيخ الهميم مع القاضى الدشين كما ورد فى طبقات ود ضيف الله..
الدكتور حامد فضل الله بهذا الكتاب الذى يشتمل على مختلف ضروب الثقافة والمعرفة ، قد قال كلمته وبقي يحرث فى الأرض حتى يمكث فيها ما ينفع الناس وربح رهاناته في حياته المهنية والإجتماعية والثقافية والأسرية ، إذ رزقه الله بركة العمر وحب الناس، وهو غاية ما يتمناه المرء فى شيخوخته، وهذه البركة هى استكثار ما يفيض من كسب على لوحة الزمان المحدود والنسبي، إذ أنجز كثيرا في سنوات معدودة وترقت كسوبه وأسهاماته بما تعجز عنه المؤسسات ذوات العدد ، ووضع بصمته الشخصية على كتاب الأيام ، إذ كرّس نموذجا للإندماج الناجح في المجتمعات الأوروبية دون أن يفقد هويته وخصوصيته الثقافية ، وأهدى من خلال تجربته العميقة منهجا يعزز كفة التعددية الثقافية لا الذوبان في أمواج التيارات الثقافية والفكرية الألمانية الهادرة وحطّم عقدة المنفى التى لازمت أجيال من المثقفين العرب، وتعد أبرز أسهاماته أنه حاول وسع أستطاعته أن يكون جسرا بين عالمين، فكما أستخدم مبضع الجراح طبيبا أختصاصيا من قبل فقد أستخدام الثقافة والفكر والمعرفة والترجمة وسيلة لتعميق التفاهم وبناء المشتركات بين هذين العالمين. وبقي شاهدا على عصر التحولات الكبري في ألمانيا وظل فاعلا لا متلقيا وأصيلا لا تابعا وغزل من وعيه وتجربته جسرا ثقافيا بين عالمين ولم ينقضه أنكاثا، ترك فى كل مجال عمل فيه بصمة لا تمحى وسجلا من الإنجازات لا تنسى ، و ظل عقله مشغول بإنتاج المعرفة والبحث عن المعني مع قلب نابض بالحب و عامر بالإنسانيات.
هذا كتاب إذا أعجبك نصه ومتنه فقد رعته روح توّاقة للتعلم والمعرفة وشغوفة بالفعل الثقافى و سكوبة على مناهل الوعى وحمله قلب نابض بالإنسانية ورفيق بالمبدعين. وفوق ذلك حرره عقل كاتب مجيد له خصوصيته الإستثنائية كمثقف عابر للحدود والأجيال والأيدلوجيات، وإنسان نذر شطرا من حياته للبحث عن الحقيقة والمعنى، وفاعل إجتماعى يده مغموسة فى أعمال الخير، وظل عنوانه على الدوام أنه سودانى بميلاده وهويته ووجدانه وعربي بلسانه وإنتمائه، أفريقى بسحنته وتاريخه وتراثه ، ألماني بإندماجه وسنوات عمره وسياق حياته وأسرته، عولمى بثقافته. بما يشير الى شمول وعيه وتعدد تجاربه وثراء معارفه وتنوع ثقافاته ، وفوق هذا وذلك فهذا كتاب متعدد المداخل من أى باب ولجت رشفت منه رحيق المعرفة ، وكل معابر الخروج فيه للطوارئ فلا تخشّ الدخول.
___________________________________
*كاتب وأديب ودبلوماسى، ويعمل سفيرا للسودان فى دولة رواندا.




