بين كبح التنين واندفاع النسر: كيف يعيد دخول الصين وروسيا تشكيل مسار الحرب الثلاثية؟

لم يعد خطاب الرئيس الأمريكي ترامب مجرد وتصريحاته المتوالية وتهديده بازالة حاضرة كاملة، بسبب الحرب وهرمز إشارة سياسية عابرة، بل بات جزءًا من معادلة تصعيدية محسوبة، تُدار فيها الحرب وفق سقف أعلى من الضغط العسكري والاقتصادي، تمهيدًا لا مفر منه للحظة إعلان وقفها بشروط تعكس موازين القوة. فالمهلة التي لوّحت بها واشنطن لم تكن سوى أداة لتهيئة مسرح عمليات يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، ليطال البنية الاقتصادية والخدمية، وعلى رأسها منشآت الطاقة والجسور إذا لم تنزل إيران للمطالب الأمريكية خلال ساعات.
في هذا السياق، لم يعد الصراع يتحرك فقط بين جبهتين، بل أصبح مشهدًا مركبًا يتداخل فيه التصعيد الثنائي المباشر علي جبهة الحرب وتلويح أمريكي بالانسحاب من حلف الناتو، ومضيق هرمز مع إدارة دولية للأزمة، تسعى إلى ضبط إيقاعها دون كسر منطقها.فيما تقول ايران بانها ترتكز الي الحق السيادي في هرمز المشاطئة مع عمان ١٢ ميلاً.
أولًا: التصعيد كسقف أعلى… من الميدان إلى الاقتصاد
التطور الأبرز في مسار الحرب يتمثل في انتقالها من استهدافات عسكرية محدودة إلى مقاربة أوسع تضرب عمق الدولة:
منشآت الطاقة، البنى التحتية، والمرافق الحيوية. هذا التحول يعكس إدراكًا لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بأن الحسم العسكري المباشر ليس متاحًا، وأن البديل هو رفع كلفة الصمود إلى الحد الأقصى.
بالنسبة لإسرائيل، فإن هذه المرحلة تمثل محاولة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة، عبر إضعاف القدرة الإيرانية على الاستمرار طويلًا، سواء من خلال الداخل أو عبر امتداداتها الإقليمية.
أما واشنطن، فتتعامل مع التصعيد كأداة تفاوضية مؤجلة: تضغط ميدانيًا لتفرض سياسيًا.
في المقابل، تدرك إيران أن استهداف منشآتها الحيوية يضعها أمام خيارين:
إما امتصاص الضربات مع الحفاظ على القدرة الردعية، أو توسيع دائرة الاشتباك لتشمل أدوات ضغط أكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي، ومفاقمة الأوضاع القائمة.
ثانيًا: دخول بكين وموسكو… إدارة الحافة لا إطفاء الحريق
مع تصاعد هذا السقف، برزت الصين وروسيا كفاعلين يسعيان إلى منع الانفلات والانفجار الكامل، دون تعطيل مسار الضغط.
بكين تنظر إلى الأزمة من زاوية أمن الطاقة؛ إذ إن أي تهديد لمضيق هرمز يعني اختلالًا مباشرًا في تدفقات النفط، وارتفاعًا في كلفة الإنتاج الصناعي. لذلك، فهي تدفع نحو “استقرار متوتر”: استمرار الضغط دون انهيار شامل.
أما موسكو، فتدير توازنًا دقيقًا؛ تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها لا ترغب في فقدان السيطرة على إيقاع السوق. كما أن انشغال واشنطن في هذا المسرح يمنحها هامش حركة أوسع في ساحات أخرى.
بكلمات أخرى، لا تسعى القوتان إلى إنهاء الحرب، بل إلى إبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها، أي تهدئةٌ تكبح الانفجار… لا تُنهي الصراع.
ثالثًا: هرمز… مركز الثقل في معادلة التصعيد
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل أصبح صمام التحكم في إيقاع الحرب.
التهديد بإغلاقه – حتى دون تنفيذ – يكفي لإحداث:
• قفزات حادة في أسعار النفط
• اضطراب في سلاسل الإمداد
• موجات قلق في الأسواق المالية
وربما المزيد من إشعال بؤر التوتر
وهنا تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد: أي تصعيد عسكري في محيط المضيق يتحول فورًا إلى أزمة عالمية، ما يجعل جميع الأطراف – بما فيها غير المنخرطة مباشرة – رهينة لهذا الممر الضيق.
رابعًا: نحو لحظة الذروة… التصعيد تمهيدًا للتهدئة
المعطيات الحالية تشير إلى أن التصعيد ليس غاية في ذاته، بل مرحلة ضرورية لفرض شروط ما بعده.
فالتاريخ الحديث للصراعات الكبرى يُظهر نمطًا متكررًا:
رفع السقف إلى أقصاه، استنزاف القدرات الحيوية، ثم الانتقال إلى إعلان وقف الحرب بصيغة تحفظ ماء وجه الجميع.
في هذا الإطار، تبدو أمريكا أقرب إلى هذا المنطق؛ فهي لا ترغب في حرب مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى “نقطة ذروة” تبرر الانتقال إلى التهدئة دون أن تُفهم كتنازل.
إسرائيل من جهتها قد تدفع باتجاه إطالة أمد هذه المرحلة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية، بينما تحاول إيران الصمود إلى حين تغير ميزان الكلفة.
ويبقى أسوأ سيناريو إذا نفّذت امريكا تهديدها هو انفلات التصعيد إلى حرب إقليمية شاملة: رد مباشر من ايران، تعطيل مضيق هرمز، اشتعال جبهات متعددة بمشاركة اسرائيل، وصدمة طاقة تُربك الاقتصاد العالمي مع خطر احتكاك غير مباشر مع الصين وروسيا.
خامسًا: السيناريو المرجح… وقف حرب تحت سقف النار
في ضوء ما سبق، يبدو أن السيناريو الأقرب ليس الحسم ولا الانفلات، بل:
• تصعيد ثنائي مستمر يستهدف البنية الاقتصادية والطاقة
• ضبط دولي للإيقاع عبر قنوات الصين وروسيا
• وصول تدريجي إلى لحظة إنهاك متبادل
• إعلان وقف الحرب – خاصة من الجانب الأمريكي – بوصفه “نجاحًا في إعادة الردع”
سادساً:آخر تحديث لموقف الصين وروسيا
مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس ترامب اليوم، برز تنسيق صيني–روسي أكثر وضوحًا يهدف إلى كبح الانزلاق نحو مواجهة واسعة؛ إذ جدّدت بكين وموسكو رفضهما لأي تصعيد عسكري أو منح غطاء دولي له، ودفعهما المشترك داخل مجلس الأمن نحو قرارات مخففة تُبقي الباب مفتوحًا أمام التهدئة والحلول السياسية. وفي المقابل، ورغم هذا الحراك الدبلوماسي النشط، لا تُظهر القوتان استعدادًا للانخراط العسكري المباشر، ما يعني عمليًا أن أي خطوة أمريكية محتملة ستجري في ظل معارضة سياسية دولية دون مظلة شرعية كاملة، وهو وضع يفتح المجال أمام تصعيد غير منضبط وتداعيات أوسع على توازنات النظام الدولي واستقرار المنطقة.
خاتمة: من توازن الردع إلى توازن الإنهاك
ما يتشكل اليوم يتجاوز مفهوم توازن الردع التقليدي، ليدخل في إطار “توازن الإنهاك”، حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك الآخر اقتصاديًا واستراتيجيًا قبل الجلوس إلى الطاولة، فيما توالي واشنطن وتل أبيب الضغط على ايران بكثافة . وبين اندفاع النسر الأمريكي، ومحاولات التنين الصيني كبح الانفجار، والمبادرة الباكستانية التركية المصرية، والمبادرة الفرنسية ، جميعها على الطاولة . وستظل مخاوف دول الخليج التي نقلتها للإدارة الاميركية حال تنفيذ ترامب تهديده قائمة وواقعية، فيما تبقى لحظة إعلان وقف الحرب مرتبطة لا بمن ينتصر عسكريًا، بل بمن ينجح في الصمود حتى اللحظة التي يصبح فيها استمرار الحرب أكثر كلفة من إنهائها.
—————-
٧ أبريل ٢٠٢٦ م


