بين شرعية المرور وشرعية الحصار: كيف تكسر حلقة الإغلاق في الخليج!؟

لم يعد الإغلاق المتكرر لمضيق هرمز مجرد أداة ضغط ظرفية، بل تحوّل إلى عقدة بنيوية تُهدد بتعطيل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. وفي المقابل، لم يعد الحصار الاقتصادي أداة “ناعمة” كما يُروَّج له، بل صار، حين يتجاوز حدوده، عاملاً موازياً للإغلاق في تقويض قواعد الاستقرار في المنطقة. مقابل دعوات مستمرة لان يضطلع المجتمع الدولي ومجلس الامن بمهامه في حماية الممرات المائية. بين هذين المسارين تتآكل شرعية السلوكين معاً: تعطيل المرور الدولي يفتقر إلى سند قانوني، والحصار الشامل حين يطال البنى الحيوية والاقتصاد المدني يقترب بدوره من منطقة الشبهة القانونية والأخلاقية. والحرب في اساسها بلا مشروعية ويصعب تبريرها، وفقا لقرار مجلس الامن والفيتو المزدوج للصين وروسيا ،فكيف يكون لمترتباتها مشروعية!؟
أولاً: إشكالية الشرعية المزدوجة
يقوم قانون البحار على مبدأ حرية الملاحة، لا سيما في المضائق الدولية. أي تعطيل منهجي للمرور الآمن أو تهديد لسلامة السفن يُعد خروجاً على هذه القاعدة. في المقابل، لا تُحظر العقوبات الاقتصادية بذاتها، لكنها تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى حصار واسع النطاق يخلّ بالحقوق الأساسية أو يُستخدم خارج أطر جماعية واضحة. النتيجة هي حالة “لا شرعية متبادلة” تُضعف قدرة الأطراف على الادعاء القانوني، وتفتح الباب لتصعيد مفتوح.
ثانياً: اقتصاد الإنهاك وخطر إطالة الأزمة
الرهان على إنهاك الخصم لفرض تنازلات سريعة غالباً ما يأتي بنتائج عكسية. فالإغلاق يضغط على الإيرادات ويهز الثقة في بيئة الأعمال، لكنه يدفع أيضاً إلى “تصعيد تعويضي” عبر أدوات غير متماثلة. والحصار المشدد يرفع الكلفة الداخلية، لكنه لا يضمن تغييراً سريعاً في السلوك، بل قد يُصلّب المواقف. حصيلة هذا التفاعل هي إطالة أمد الإغلاق ورفع كلفة فك الاشتباك على الجميع.
ثالثاً: التباين الغربي وإشكالية الضمانات
تُظهر المواقف الغربية تبايناً يؤثر مباشرة في بنية الحوافز. فخطاب كير ستارمر الذي يلمّح إلى استعداد للمساندة المؤسسية بعد الحرب يعكس توجهاً أوروبياً لإعادة الانخراط، بينما تُوحي مواقف دونالد ترامب بنزعة أحادية تقلّل من الاعتماد على الشركاء. هذا التباين حول فعالية الناتو يُضعف مصداقية أي ترتيبات أمنية، ويثير سؤالاً محورياً: من يضمن التنفيذ إذا اختلفت العواصم على الأدوار والالتزامات؟
رابعاً: نحو صفقة تبادلية لكسر الحلقة
المخرج العملي يتمثل في تحويل معادلة “الإغلاق/الحصار” إلى صفقة تبادلية محدودة وقابلة للتحقق: فتح المضيق مقابل تخفيف مرحلي ومدروس للقيود الاقتصادية. هذه الصيغة لا تُنهي الخلافات، لكنها تخفف الكلفة فوراً وتخلق أرضية لبناء الثقة، وعودة الحوار المباشر. نجاحها يتطلب:
• آلية تحقق فنية لسلامة الملاحة (ممرات محددة، إخطار مسبق، مراقبة متعددة الأطراف).
• تدرجاً في الحوافز (رفع جزئي ومشروط للعقوبات مقابل خطوات قابلة للقياس).
• سقفاً زمنياً واضحاً للمراجعة والتعديل.
خامساً: دور الوساطة الإقليمية—نافذة واقعية
تُعد أي مبادرة ثلاثية تقودها عُمان بحكم مشاركة الشواطي للمضيق ، بمشاركة إيران وباكستان، سيكون خياراً عملياً. تمتلك مسقط رصيداً في الوساطة الهادئة وقنوات خلفية موثوقة، فيما توفر باكستان جسراً سياسياً مع الخليج وقدرة على تسويق مخرج غير صفري. ولرفع فرص النجاح، ينبغي إسناد هذه الوساطة بضمانات أوروبية محدودة وواضحة تغطي جوانب التحقق والالتزام، وتدفع باتجاه التهدئة وصمود وقف إطلاق النار.
سادساً: ماذا عن الملف النووي؟
رغم اصرار الولايات المتحدة، إلا أن فصل الملف النووي عن صفقة الملاحة قد يسهّل إنجاز ترتيب سريع، لكنه يترك جذور الأزمة دون معالجة. الأنسب هو مسار موازٍ منخفض السقف (تجميد مقابل تجميد) يحدّ من التدهور دون ربط مباشر قد يعطّل فتح المضيق.
خاتمة: من حق الرد إلى خطر المعادلة الصفرية
تتعقد الصورة أكثر مع بروز مطالبات إيرانية محتملة بتعويضات من دول الخليج على خلفية “حرب الأيام الاثني عشر”، انطلاقاً من تصور أن إدارة العمليات جرت من فضاء إقليمي داعم. في المقابل، تُثار وقائع تتعلق بقيام الولايات المتحدة باعتراض أو الاستيلاء على سفينة إيرانية في خليج عمان، وباخرتين في طريقهما للمصادرة أيضاً ، الي جانب مغالاتها في وصف الأوضاع الداخلية بايران . ما يفتح باباً إضافياً للتصعيد القانوني والسياسي. في مثل هذا السياق، يتسع نطاق حق الرد لكل طرف، لكن خطره يكمن في أنه، إذا تُرك بلا ضوابط، يعيد الجميع إلى معادلة صفرية تُبدّد أي فرصة لاستمر وقف اطلاق النار وأي تسوية مرحلية.
الطريق العملي يمر عبر “تحييد” ملفات التعويض والرد المتبادل مؤقتاً، أو إحالتها إلى قنوات قانونية منفصلة، بالتوازي مع تثبيت صفقة فتح الملاحة وتخفيف القيود على امن الملاحة. فبدون فصل المسارات، ستظل كل خطوة تهدئة عرضة للانهيار تحت وطأة مطالب متبادلة لا سقف لها، أضرت وتضر بكل العالم. ويبقى تقليل الخسائر، لا تعظيمها، هو المدخل الوحيد لكسر الحلقة وإعادة الاستقرار.
—————
مطلع مايو ٢٠٢٦ م



