الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

القمة الصينية ــ الأمريكية والشرق الأوسط على حافة الانفجار!؟. هرمز والطاقة وإيران ولبنان… هل يقود الهدوء المؤقت إلى تصعيد أكبر؟

السفير د. معاوية التوم


مقدمة
بعيد عن المصالح الاقتصادية التي تربط بين القوتين العظميين أكثر من ٦٥٠ بليون دولار سنويا، تأتي القمة الصينية الأمريكية في توقيت بالغ الحساسية، بينما يقف الشرق الأوسط عند تقاطع أزمات متفجرة تشمل مضيق هرمز، والتصعيد الإسرائيلي في لبنان، والتوتر المستمر بين واشنطن وطهران، إلى جانب الاضطرابات المتزايدة في أسواق الطاقة العالمية. وفي خلفية المشهد، تتسارع التحركات داخل مجلس الأمن، مع تصاعد الدعم الدولي للمشروع البحريني بشأن أمن الملاحة، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية خانقة بفعل العقوبات والحصار والتصعيد العسكري.
ورغم المؤشرات التي توحي بوجود رغبة دولية في التهدئة، فإن المنطقة تبدو أقرب إلى “هدوء هش” قابل للانهيار عند أي خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية. فالقوى الكبرى تسعى إلى منع الانفجار الشامل، لكنها في الوقت ذاته تواصل تعزيز أوراق الضغط والردع، بما يجعل احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.

أولًا: القمة الصينية الأمريكية… إدارة الأزمة لا حلّها
لا تبدو القمة المرتقبة بين واشنطن وبكين موجهة نحو إنتاج تسوية نهائية لأزمات المنطقة، بقدر ما تهدف إلى منع خروجها عن السيطرة. فالولايات المتحدة تريد احتواء التهديدات التي تطال أمن الطاقة والملاحة الدولية، بينما تحاول الصين حماية مصالحها الاقتصادية ومنع توظيف الأزمة لتوسيع الهيمنة العسكرية الأمريكية في الخليج.
ومن هنا، فإن التفاهمات المحتملة بين الطرفين قد تتركز على “إدارة التوتر” لا إنهائه، عبر منع إغلاق مضيق هرمز، وضبط مستويات التصعيد، والحفاظ على الحد الأدنى من استقرار الأسواق العالمية، وأمن منطقة الخليج.

ثانيًا: مضيق هرمز… مركز الصراع الدولي الجديد
تحول مضيق هرمز إلى نقطة ارتكاز رئيسية في الصراع الدولي الراهن، بعدما باتت إيران تستخدمه كورقة ردع استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية والغربية.
فالتهديدات المرتبطة بالملاحة، والرسوم المفروضة على بعض السفن، واحتمالات الاحتكاك العسكري، دفعت الولايات المتحدة إلى حشد دعم دولي واسع تحت عنوان “حماية حرية الملاحة”. وفي هذا الإطار برز المشروع البحريني داخل مجلس الأمن كأحد أبرز أدوات الضغط السياسي على طهران.
لكن الأزمة تتجاوز مسألة الملاحة نفسها، لتطرح سؤالًا أكبر يتعلق بمن يملك حق إدارة الأمن الإقليمي في الخليج: هل هي الولايات المتحدة عبر تحالفاتها العسكرية التقليدية، أم أن النظام الدولي يتجه نحو ترتيبات جديدة أكثر تعددية تشارك فيها قوى كالصين وروسيا وتركيا ؟

ثالثًا: إيران بين معادلة الردع وضغط الداخل
رغم قدرة إيران على فرض معادلة ردع أربكت خصومها، فإنها تواجه في المقابل ضغوطًا اقتصادية داخلية متزايدة. فالعقوبات، وتراجع الصادرات النفطية، وارتفاع التضخم، وتدهور العملة الوطنية، كلها عوامل تضغط بقوة على الداخل الإيراني.
وفي ظل هذه الظروف، تسعى طهران إلى التفاوض من موقع القوة عبر طرح شروطها الخمسة التي تشمل رفع العقوبات، وضمان أمن النظام، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي، والاعتراف بحقوقها النووية، ووقف الدعم المفتوح لإسرائيل.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة تحقيق هذه المطالب بالكامل، خاصة مع استمرار التصعيد الإقليمي، وتزايد الضغوط الغربية والخليجية داخل المؤسسات الدولية.

رابعًا: التصعيد الإسرائيلي في لبنان… منع التعافي الاستراتيجي
التطورات في لبنان تكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع التهدئة بوصفها نهاية للصراع، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب ساحات المواجهة. ولذلك تستمر الضربات والعمليات العسكرية ضمن استراتيجية تهدف إلى منع خصومها من استعادة قدراتهم العسكرية والتنظيمية.
هذا المسار يجعل أي تهدئة إقليمية شديدة الهشاشة، لأن إسرائيل تتحرك وفق حسابات أمنية مختلفة عن حسابات واشنطن، التي تبدو أكثر اهتمامًا بمنع الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد المصالح الأمريكية وأسواق الطاقة العالمية، ونائب الرئيس ترامب يقول بأن بلاده تحرز تقدماً مع طهران.

خامسًا: تزايد الدعم الدولي لواشنطن… ورسائل مجلس الأمن
التحركات الأخيرة داخل مجلس الأمن تعكس محاولة أمريكية لبناء شرعية دولية أوسع لمقاربتها الأمنية في الخليج. فالمشروع البحريني المدعوم أمريكيًا يهدف إلى خلق جبهة دولية ضد أي تهديد للملاحة والطاقة.
كما أن اتساع دائرة الدول المؤيدة لهذا المسار يمثل رسالة سياسية لطهران بأن هامش المناورة الدبلوماسية بدأ يضيق، رغم استمرار الدعم الروسي والصيني النسبي لها في بعض الملفات، التي تعتبر الضمانة السياسية والغطاء داخل المجلس ازاء مشروعية الحرب.

سادسًا: هدوء مؤقت أم ما قبل الانفجار؟
المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة تعيش مرحلة “تعليق انفجار” أكثر من كونها مرحلة تسوية حقيقية. فكل الأطراف تدرك كلفة الحرب الشاملة، لكنها في الوقت نفسه تواصل تعزيز أدوات الردع والضغط.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى: أي خطأ في التقدير، أو ضربة غير محسوبة، أو احتكاك عسكري في الخليج أو لبنان، يمكن أن يدفع المنطقة سريعًا نحو مواجهة واسعة يصعب احتواؤها.

سابعًا: أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي تحت التهديد
استمرار التوتر في هرمز يعني بقاء أسواق الطاقة رهينة التطورات العسكرية والسياسية. فارتفاع أسعار النفط، واضطراب حركة الشحن، وتزايد المخاوف بشأن الإمدادات، كلها عوامل تهدد الاقتصاد العالمي بموجة جديدة من التضخم والاضطراب.
ولهذا تبدو القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة، أكثر حرصًا على منع الانهيار الكامل في الخليج، لأن تداعياته لن تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل ستطال الاقتصاد العالمي بأسره.

خاتمة
في المحصلة، تبدو القمة الصينية الأمريكية محاولة لإدارة التوازنات ومنع الانفجار الكبير، لكنها لا تحمل حتى الآن مؤشرات على معالجة جذور الأزمة. فالمنطقة ما تزال محكومة بمعادلة شديدة الهشاشة: ردع متبادل بلا ثقة، تصعيد محسوب قابل للانفلات، ضغوط اقتصادية على إيران، وتحركات دولية متسارعة لحماية أمن الطاقة والملاحة، والمشهد الدولي يحمل هذه القمة فوق طاقتها ويغالب في النتائج.
وبين التهدئة المؤقتة واحتمالات التصعيد، يبقى الشرق الأوسط مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، أخطرها أن يتحول “الخطأ المحدود” إلى شرارة مواجهة إقليمية واسعة تعيد رسم توازنات المنطقة والعالم.
—————
١٣ مايو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!