ليمانيات / د. إدريس ليمان

الفصل والفيصل ..!!

إستوقفتنى دراسة تتحدث عن الإنفجار السكانى لدول جنوب الصحراء الكبرى بإزدياد عدد المواليد بما يفوق الأربعين مليون طفل سنوياً وهو ما يعادل عشرة أضعاف المواليد فى دول الإتحاد الأوروبى ، ويفوق عدد المواليد فى الصين والهند معاً ، علماً بأنَّ الناتج القومى لدول جنوب الصحراء مجتمعة أقل من نصف الناتج القومى لألمانيا وحدها ..!! وهذا الفائض الديموغرافى أنتج رياحاً أفريقية نفذت عبر كل الثقوب الجغرافية والحدودية المتاحة لتنتشر وتستقر فى مختلف أصقاع الدنيا وتصل إلينا .. فما تعيشه بلادنا من أحداث دامية منذ عامين ليس بعيداً مما جاء فى تلك الدراسة .. فإن كان العرب قد إجتاحوا سائر المعمورة فقد إجتاحوها وهم يحملون رسالة الإسلام وسماحته إلى تلك الأمم والشعوب ، وإجتاحها المغول والتتار وهم يحملون الموت على صهوات الجياد وعلى أسٌنَّة السيوف والرماح ، وإجتاحها الأوروبيون عُلوَّاً فى الأرض وفساداً وإستكباراً .. فإنَّ الكائنات الصحراوية القميئة أرادت إجتياح بلادنا بالطوفان البشرى والجراد الصحراوى والسحالى الأفريقية والقُمَّل والدم ، وتيارات الوحل كثيرة اللزوجة دائمة الجريان حتى أضحت كأنها بحيرة بشرية علاها الزبد واللمم .. !! والأمر الذى ساعد أولئك الأوغاد ومكنهم من رقابنا هى التركيبة الإجتماعية والبنيوية للإنسان السودانى وطبيعته المتسامحة لدرجة الغباء مع الغرباء فضلاً عن الغفلة والإنتهازية والأنانية التى مارستها حكوماتنا المتعاقبة .. تلك التى إلتقَطَت ( جنى النديهة ) من قارعة الطريق وتَبَنَّته ومنحته إسماً ووسماً .. وتلك التى أرضعته وغذته وَرَبَّته وليداً فى قصر الحاكم وألبسته الحرير والرياش والديباج ولكنها لم تُحسِنْ تأديبه ..!! حتى إذا قوى عوده أصبح يتحدث بلسان البذاءة والجرأة على الباطل ويتحدَّى المؤسسة العسكرية بغباء لايُحسد عليه ( فالعرق دَسَّاس ) ..!! وأهل السودان واجمون من هول مايرون ويسمعون .. ومندهشون من صمت القيادة السياسية والقيادات العسكرية أمام ذلك الصَلَف والغرور الذَّى تعدى حدود اللامعقول .. وحينها نطقت الكثير من الأقلام الوطنية بالحق فى زمن العزوف عن قول الحق وهى تلَفِتُ الإنتباه لخطورة الكيان اللقيط ولجهله وعنجهيته وسوء نيَّته وفساد طويته ..!! ومن ثمَّ تناسلت أعداد القادمون الجُدد وهم ينعمون بالهويَّة السودانية التى منحهم إيّاها الهارب تزلفاً لإلههم الهالك ، وإنشطرت وتمددت كما الخلايا السرطانية التى تتمرد على الدماغ الذى يدير خلايا الجسم وفق تدبير دقيق ، فقويت شوكتهم عدداً وعُدَّة وتَطَوَّراً فى منظومة الإتصالات وفى التسليح بدعم مباشر من تلك الدويلة التى لا تجيد سوى صناعة الحقائب الجلدية المصنوعة من أجساد البشر المقهورين وحشوها ( بالأخدر اليتحرن ) لشراء الذمم الرخيصة وعلى مسمع ومرأى من حُكامنا للأسف الشديد .. وفى المقابل رأينا أصحاب الكفاءة المعرفية والعقول الوازنة والآراء المؤصَلَّة والراجحة من ضباط المؤسسات العسكرية والأمنية بكل تأريخهم المهنى وتأهيلهم الرفيع وخبراتهم الكبيرة وبمختلف رتبهم قد أُخرجوا من الملعب وتم وضعهم فى مقاعد المتفرجين حتى كادت دولتنا أن تُهزم ٢ / صفر لولا كفاءة وإقتدار وشجاعة ووطنية البقية الباقية منهم ممن لايزالون يضغطون على أماكن الوجع ويَسُدُّون الخلَلْ وقدموا فى هذا السبيل عشرات القادة من المؤسسات العسكرية والأمنية .. ورأينا الشرطة وهى تقدم الفريق الشهيد والفريق الأسير ..!! كأقبح فصول الملهاة والكوميديا السوداء التى تم عرضها فى مسرح العبث واللامعقول خلال سنوات التيه .. ورأينا فى إحدى مشاهدها البائسة تاجر الإبل وراعيها يرتقى مُرتقىً صعباً هو وأخوه الجاهل الذى يُعَدُّ آية فى البلادة وهو القائل فى محكم غبائه ( الخرطوم دى حقت أبو منو ..!! ) وهم لايملكون إلاَّ الدناءة وشراء الذمم لصالح مشروعهم الإستيطانى الخبيث وتوطين تلك الكائنات الغريبة فى أرض السودان الطاهرة التى تَمَنَّعت أن تحمل جثث هلكاهم النتنة فى باطنها فنهشتها الكلاب المسعورة والقوارض .. فأديم بلادنا الذى مشت عليه العازَّة ومهيرة والزُلال ودار السلام بكل طُهرها وطهارتها أعز وأكرم من أن تطئه أم قرون القادمة من أعماق التيه والتى لاتستحى من مقايضة موطن عِفَّتها ( إن كانت لها عِفَّة ) بدماء بنى جلدتها .. والسؤال الكبير الذى ظَلَّ يدور فى أذهان أهل السودان ولم يجدوا له إجابة ولا تفسير وهم الذين عُرفوا وأُشتُهِروا بالإلمام بمنعرجات السياسة .. كيف إمتلك أولئك الأوغاد مفاتيح الدولة وعبثوا بشفرتها لتحويلها إلى حَلوبْ سياسى تُدِرُّ عليهم ألقاب الفخامة والسعادة والمعالى والسمو كما دَرَّت عليهم سبائك الذهب ..!! فهيمنت الفوضى على جميع مفاصلها حتى كادت أن توصف برجل أفريقيا المريض ..!! كيف حدث هذا الذى حدث ..!!؟ ولا أعتقد أنهم يحتاجون لإجابة الآن بعد أن رأوا العزم والتصميم من حكامنا والندم على ما كان للتكفير عن خطيئتهم التى أورثتنا المنافى والملاجئ برهنهم للدولة بكل تأريخها وعزتها وكرامتها وقوتها ورمزيتها للكائن الغريب المنبّت الذى لا يُعرف له أصل وذلك بالقضاء على أولئك الأوغاد وإفناءهم وإبادتهم ، وإقتلاع من تبقى منهم ورميهم خارج البلاد وهم يتحسرون على مشروعهم الإستيطانى الخائب ولسان حالهم يقول : ( فى دربك كم شقينا بدمع العين بكينا ) ..!!
وعلى الرغم من بشارات النصر إلاَّ أن الخطر لايزال قائماً والصراع المجتمعى المكتوم يزمجر سِرَّاً كأثر من آثار الحرب ويلوِّحُ بأصبعه مهدداً الإستقرار المجتمعى والأمنى .. ففى الوقت الذى ظننا فيه أن الحرب تَجُبُّ ما قبلها ( وتُصَفِّر العَدَّاد ) رأينا التفاهة مستمرة فى تتابعها من جوقة الإبتزاز السياسى التى أضاعت على نفسها فرصة أن تكون رمزاً وأيقونة بالممارسة الناضجة والراشدة وتَحوَّلَتْ إلى مجموعات تخدم مطامعها الشخصية وتُمارِس إنتهازيتها خلف ستار التحول الديمقراطى المزعوم وكسدت بضاعتهم وأصابها البوار ، وإنخفضت أثمانهم وقيمتهم فى سوق السياسة ورسبوا فى إمتحان الوطنية .. فهل يَعى القوم ( شركاء الأمس فرقاء اليوم ) أن الإنسان السودانى البسيط وبعد كل تلك الأثمان الباهظة التى قدمها لن يسمح ثانيةً لمحور الخيانة وعبدة الأوثان الدَقَلَويَّة أن يتحكموا فى حياته السياسية وأمنه القومى والمجتمعى .. ولن يُصفِّق ويُنافق ويتملق السلطة القائمة إن لم تكن قائمة بما عليها من مسئوليات .. ومن أجل ذلك الوعى الجمعى والعقل الواعى ينبغى لمن يُريد أن يحكم السودان أن يكون وطنياً غيوراً لا سياسياً محترفاً .. فالحاكم الوطنى يفكر فى مصلحة الوطن والأجيال القادمة ، والحاكم السياسى يفكر فى مصلحة الحزب الحاكم وفى المناصب .. !!
حفظ الله بلادنا وأهلها من كل سوء .
✍🏼 لواء شرطة (م) :
د . إدريس عبدالله ليمان
الخميس ٢٧ فبراير ٢٠٢٥م

اترك رد

error: Content is protected !!