الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

السودان وقضايا الاختفاء القسري المفقودين والمختطفين ..التوصيف القانوني وسبل المعالجة

أنس الطيب الجيلاني

( 1)

يحتفل العالم بنهاية أغسطس من كل عام باليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري ارجو ان نجعل من هذه المناسبة وقفة في كل مدن السودان المختلفة لكي تظل هذه القضية حاضرة في الوجدان السوداني، ولعل قضية المفقودين والمختطفين قسرا بواسطة مليشيا الدعم السريع تعد من اهم القضايا لما لها من أبعاد وتداعيات أنسانية وقانونية وأخلاقية ، وقد رصدت المنظمات الدولية والحقوقية والصحف والتقارير الاستقصائية الجرائم الممنهجة لقوات الدعم السريع وحالات الاختفاء القسري والسجون الوحشية في مناطق سيطرة الدعم السريع كسجن دقريس، سئ السمعة، اضافة لسجن شالا بنيالا الذي يحتجز فيه اعداد كبيرة جدا بحسب التقارير وغيرها من أماكن الاحتجاز المعلومة وغير المعلومة، وبحسب إفادات الشهود فان هذه السجون تفتقد لابسط مقومات الحياة الانسانية الكريمة وقد أسهمت البيئة الصحية المتدنية لوفاة المحتجزين بصورة شبه يومية.ولا مشاحة ان ما يتعرض له ضحايا العنف والاختفاء القسري وأسر المفقودين من أذي نفسي يزيد من حالات القلق والخوف وحالة الترقب المتأرجحة بين الشعور باليأس والتشبث بالأمل رغم مرارة الفقد وسيطرة التفكير المستمر في مصير أحبائهم ، ويمتد هذا الشعور الإنساني ليلقي بحالة عامة من الغم النفسي للمجتمع وأصدقاء وأهالي الضحايا ، وظلت المرأة السودانية تدفع أثمانا غالية في كل افرازات ومراحل الحرب السالبة فقد فقدن العائل والسند للأسرة مع وطأة الصعوبات والنزوح والتشرد. لقد ظلت أعداد هؤلاء المفقودين والمختطفين في تزايد مستمر ولاتوجد حتي هذه اللحظة احصائية موثوقة وذلك نتيجة لصعوبة الوصول لجمع البيانات وإجراء التحريات الأزمة نتيجة للأوضاع الأمنية وتزايد عنف المليشيات في مناطق سيطرتها الحالية، وتظل البلاغات ومضابط الشرطة واللجان الحقوقية والهلال والصليب الأحمر اقل بكثير من الأعداد الحقيقية .واضافة لجرائم الاختفاء القسري المرتكبة بواسطة الدعم السريع هناك ايضا ظاهرة النساء المختطفات والجرائم المصاحبة وتزايد حالات العنف الجنسي والاغتصابات وقد قدم السودان ملفا متكاملا لجلسة مجلس الامن خلال هذا الاسبوع والتي كانت مكرسة لقضية المرأة والسلام ، وقد وثق بيان السودان اكثر من ٢٢٥٠ حالة عنف جنسي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع ضمن سياستها الممنهجة في ترهيب المرأة السودانية واذلال المجتمع ، وقد تركت هذه الجريمة المتعمدة آثارا إنسانية مدمرة علي الضحايا والنسيج الاجتماعي السوداني.

وتعكس الأرقام المتاحة حجم المأساة الإنسانية المرتبطة بملف المفقودين والمحتجزين في مناطق سيطرة المليشيا، فوفقاً لمعلومات رسمية أُخطِر بها مجلس الأمن، تحتجز مليشيا الدعم السريع في سجن دقريس بمدينة نيالا وحده نحو (19,800) محتجز وأسير، من بينهم (3,795) من أفراد القوات المسلحة السودانية، و(5,000) من المدنيين من مدينة الفاشر، و(4,270) من أفراد الشرطة، و(544) من منسوبي جهاز المخابرات العامة، و(73) من الكوادر الطبية، و(5,434) مدنياً من مختلف المهن، إضافة إلى (690) امرأة. كما تشير المعلومات المتاحة إلى احتجاز نحو (881) أسيراً عسكرياً و(407) مدنيين في سجن شالا بمدينة الفاشر، من بينهم (113) طفلاً دون الثامنة عشرة. تبرز هذه الأرقام اتساع نطاق الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز غير المشروع والاختفاء القسري، كما تؤكد الحاجة الملحة لتحرك وطني ودولي عاجل للكشف عن مصير المحتجزين والمفقودين وضمان تمكين الجهات الإنسانية والحقوقية المختصة من الوصول إليهم والتحقق من أوضاعهم.

( ٢)

جريمة الاختفاء القسري بين القانون الإنساني والدولي: صدرت العديد من الصكوك الدولية والاتفاقيات لحماية قضايا المفقودين والمختطفين والمختفين قسرا ، وأعتبر المجتمع الدولي أن مثل هذه الممارسات تعد جرائم مكتملة الأركان ، وقد استندت المواثيق الدولية علي ركيزتين أساسيتين في تناول الموضوع : الركيزة الاولي تمثلت في اجازة الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام (٢٠٠٦) وتعتبر هذه الاتفاقية معاهدة شاملة تمنع من التعرض للاختفاء القسري وعدم التذرع بأية ظروف إستثنائية في حالتي السلم والحرب ويمتد نطاق الاتفاقية وأحكامها في أوقات النزاعات المسلحة الدولية او النزاعات المحلية الداخلية في الدول. والركيزة الثانية هي اتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩ وبروتوكولاتها الإضافية. ميثاق الامم المتحدة بالرغم من انه لم يشر مباشرة لقضية المفقودين وظاهرة الاختفاء القسري إلا انه تناول بصورة عامة أهمية تعزيز الحقوق الأساسية لحقوق الانسان وحفظ السلم والامن الدوليين ، ويمثل الميثاق اطارا نظريا وفلسفيا وقانونيا استندت عليه آليات واجهزة الامم المتحدة ولجانها المختلفة في تحريم جريمة الاختفاء القسري وذلك في وقت لاحق من تطور القانون الدولي والياته القانونية. نادت ديباجة ميثاق الامم المتحدة في المادة الاولي علي تاكيد مبدأ الايمان بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامته ، كما نصت المادتين (٥٥) و (٥٦) من الميثاق علي إلزام الدول الأعضاء بالعمل علي شيوع احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع . مجلس الامن الدولي اصدر بدوره القرار رقم ٢٤٧٤ لسنة ٢٠١٩ بشأن الأشخاص المفقودين جراء النزاعات المسلحة ودعا القرار للكشف عن مصيرهم ، كما انشأ مجلس حقوق الإنسان آليات تابعة للميثاق charter based -bodies ، وانبثق عن هذا الفريق فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري او غير الطوعي(CED) والذي تأسس في العام ١٩٨٠ بقرار من لجنة حقوق الانسان ، ويتلقي هذا الفريق بلاغات مباشرة من اسر وذوي الضحايا. كما نشأت ايضا في سياق التطور القانوني الدولي اللجنة الدولية المستقلة لشئون المفقودين ،وتهتم هذه اللجنة بقضايا المفقودين من جراء النزاعات المسلحة وقد نشأت هذه اللجنة في أعقاب حرب البوسنة والهرسك في يوغسلافيا سابقا واتخذت من العاصمة سراييفو مقرا لها الي ان انتقلت الان للاهاي والتي باتت مشهورة باحتضان المحاكم واللجان الحقوقية الدولية .تقدم هذه اللجنة الدولية مساعدات قيمة فنية وتقنية لإدارة وتجميع البيانات واستخدام تكنلوجيا الحمض النووي وتنظيم عائلات وأسر الضحايا وتقديم الدعم النفسي والإسناد في رحلة البحث عن المفقودين .

(٣)

قضية المفقودين والمختطفين في القانون السوداني ظلت حاضرة ونحتاج لمزيد من الضبط والصياغات والتعديلات في القوانين الوطنية لتكون مواكبة وملائمة لتطور القانون الدولي والإنساني ،،فالسودان كما هو معلوم مصادق علي العهدين الدوليين ، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وقد اكد المشرع السوداني في الدستور الانتقالي لعام ٢٠٠٥ علي مبدأ حماية الأشخاص من ظاهرة الاختفاء القسري ، غير أن السودان لم يصادق بعد علي الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، ووقع السودان في هذا السياق علي الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والذي حمل كثير من المبادئ لحماية حقوق الإنسان من جرائم الاختفاء القسري

(٤)

يبقي هناك كثيرا من العمل والخطوات اللازمة للقيام بها علي المستوي الوطني ، وبالرغم من المحاولات التي تقوم بها اجهزة الشرطة وجمعية الهلال الأحمر السوداني واللجان الحقوقية الوطنية واللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، إلا أن القضية اكبر بكثير وتتطلب تضافر الجهود الوطنية مع الجهود الاقليمة والدولية وذلك عبر تقديم المساعدة وتحريك آليات بحث اكثر كفاءة .ويتطلب الجهد القانوني ضرورة استكمال المصادقة علي القوانين الدولية والانضمام للاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري والاستفادةمن المساعدات الفنية واللوجستية التي تقدمها الامم المتحدة عبر لجانها والياتها المختلفة وكذلك المساعدات التي تقدمها اللجنة الدولية للمفقودين و لكي تكون هذه القضية الهامة حاضرة في الوجدان السوداني والضمير الإنساني العالمي ينبغي التفكير في أنشاء مفوضية قومية تعني بشئون المفقودين والمختطفين قسريا بواسطة المليشيا لتباشر دورها ومهامها الوطنية والدفع بقضية الملاحقة الجنائية الاقليمة والدولية وعدم السماح لمرتكبي هذه الجرائم الإفلات من العقاب حاضرا ومستقبلا.

اترك رد

error: Content is protected !!