بداية تتشكل وادوات القياس.

(٥/١)
يمر السودان بمرحلة يمكن وصفها ببداية تشكل عمر رقمي جديد، مرحلة تتجاوز مجرد إدخال التقنية إلى بناء بيئة تتغير فيها طريقة تقديم الخدمات والتعامل معها. ما نشهده اليوم تحول في طريقة إدارة الحياة اليومية، وفي العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
من خلال المتابعة يظهر جهد واضح تقوده وزارة التحول الرقمي والاتصالات، إذ بدأت الملامح تأخذ شكلا عمليا يمكن قياسه. منصة بلدنا تقدم نموذجا لافتا، تجاوز عدد المتعاملين عبرها مئة ألف مستخدم خلال فترة قصيرة لم تتجاوز ثلاثة أشهر، وهي فترة التأسيس لأي مشروع. هذا الرقم يعكس سرعة التبني ويشير إلى وجود حاجة حقيقية لمثل هذه الخدمات، كما يعكس قدرة المنصة على الوصول إلى المستخدم وتقديم قيمة ملموسة.
هذا الإنجاز لا يأتي بمعزل عن الجهد المؤسسي، بل يقف خلفه فريق يعمل برؤية، تقوده قيادة شابة ممثلة في وزير التحول الرقمي والاتصالات المهندس أحمد الدرديري، مع طاقم يسعى إلى تحويل المفاهيم إلى تطبيقات عملية.
وفي سياق متصل يظهر تطبيق إيصالي كجزء مكمل لمنظومة الدفع الإلكتروني التي تعمل عليها وزارة المالية الاتحادية، وهو جهد مقدر يسير في الاتجاه السليم إذ يحفظ للمواطن حقوقه ويسهل معاملاته وكذلك ولاية وزارة المالية على المال العام، هذا الحراك والتكامل بين تقديم الخدمة وإتمام الدفع يمثل خطوة أساسية في بناء منظومة رقمية متكاملة.
المؤشرات الحالية توحي بأن الطريق يسير في الاتجاه الصحيح، ومع استمرار هذا الزخم يمكن تصور تحول أكبر خلال فترة وجيزة قد تمتد من عام إلى عامين، يصل فيها الاعتماد على الدفع الإلكتروني إلى مرحلة تغني عن التعاملات التقليدية في كثير من الخدمات الحكومية.
تسريع هذا التحول يمكن دعمه عبر آليات محفزة تشجع الاستخدام اليومي، ومن ذلك تقديم ميزة مالية للمواطن الذي يختار الدفع الإلكتروني، مثل تخفيض رسوم المعاملات بنسبة لا تقل عن خمسة في المئة مقارنة بالدفع التقليدي الذي يحمل كلفة تشغيلية أعلى. هذا النوع من الحوافز يساهم في ترسيخ سلوك جديد يصبح مع الوقت هو الخيار الطبيعي.
هذه البداية تفتح بابا لسؤال أكثر اتساعا، كيف يمكن قياس موقع السودان في مسار التحول الرقمي على المستوى المحلي، والإقليمي، والعالمي، وما المؤشرات التي يمكن الاعتماد عليها للحكم على أننا نسير في الاتجاه الصحيح.
هذا ما نسعى إلى تناوله في هذه السلسلة من آفاق رقمية، نحاول من خلالها أن نفهم سويا التحول الرقمي بوصفه مسارا متكاملا يجمع التقنية والقوى البشرية، والاقتصاد والإدارة وبناء الثقة، لنرسم صورة للمستقبل الذي يمكن أن نصله، بإذن الله..
١٥ أبريل ٢٠٢٦م.


