الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان وإثيوبيا… حدود بين حربين

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

أخطر ما يمكن أن يحدث بين دولتين متجاورتين تعيش كل منهما أزمتها الداخلية، ألا تبقى أزمة كل دولة داخل حدودها. فالجغرافيا التي تصنع الجوار في زمن الاستقرار، قد تصنع في زمن الحروب شيئاً مختلفاً تماماً، وقد تتحول الحدود من مساحة للفصل بين أزمتين إلى ممر يصل بينهما، ومن خط على الخريطة إلى مسرح مفتوح للشكوك والسلاح والحسابات المتبادلة.

هذه، في تقديري، هي الزاوية التي ينبغي أن تُقرأ منها تصريحات رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، التي اتهم فيها السودان ومصر وأطرافاً أخرى بدعم قوى مناوئة لحكومة أديس أبابا.

فالمسألة أكبر من تصريح عسكري إثيوبي، وأبعد من أن تختصر في نفي سوداني أو رد سياسي مقابل. نحن أمام دولتين متجاورتين، السودان وإثيوبيا، لكل منهما حربه أو أزمته المسلحة، ولكل منهما مخاوفه الأمنية، وبينهما حدود طويلة ومفتوحة على النيل الأزرق وبني شنقول-قمز والفشقة، وخلفهما إريتريا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي بكل ما يحمله هذا الفضاء من صراعات وتحالفات وتنافس إقليمي ودولي.

والمفارقة أن أديس أبابا ترفع الآن صوتها محذرة من تدخل الخارج في أزمتها الداخلية، في الوقت الذي تواجه فيه هي نفسها أسئلة ثقيلة بشأن ما يجري داخل أراضيها على مقربة من السودان.

ففي فبراير 2026م نشرت وكالة رويترز تحقيقاً استند إلى صور أقمار صناعية وثمانية مصادر، بينها مسؤول إثيوبي رفيع، وتحدث عن معسكر في إقليم بني شنقول-قمز لتدريب آلاف المقاتلين لصالح مليشيا قوات الدعم السريع. ووفق التحقيق، كان نحو 4,300 مقاتل يتلقون التدريب في الموقع مطلع يناير، كما أشار إلى تطورات في مطار أصوصا مرتبطة بقدرات تشغيل الطائرات المسيّرة. ولم تعلق الحكومة الإثيوبية ومليشيا قوات الدعم السريع على نتائج التحقيق وقت نشره، فيما نفت الإمارات دعم أي طرف في الحرب السودانية. وهذه ليست تفصيلاً صغيراً يمكن تجاوزه في قراءة تصريحات برهانو جولا.

فإذا كانت إثيوبيا تعتبر مجرد احتمال تقديم دعم من دولة مجاورة لمعارضيها تهديداً لأمنها القومي، فالسودان يملك الحق نفسه في النظر إلى أي استخدام للأراضي الإثيوبية في التدريب أو الإمداد أو العمليات المرتبطة بالحرب السودانية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنه وسيادته. فالسيادة لا تعمل بنظام الاتجاه الواحد.

لكن القضية الأهم ليست من بدأ باتهام الآخر، ولا من يستطيع إنتاج قائمة أطول من الأدلة والاتهامات. القضية هي ما يمكن أن يحدث إذا دخل السودان وإثيوبيا فعلاً في معادلة الأمن المتبادل بالخصوم، بحيث يبدأ كل طرف في النظر إلى مشكلات الطرف الآخر الداخلية باعتبارها أوراقاً محتملة في صراعه معه. هناك تحديداً تصبح الحدود بين البلدين خطرة.

إثيوبيا نفسها تقف أمام مرحلة داخلية شديدة التعقيد. جماعات مسلحة إثيوبية أعلنت خلال سبتمبر تشكيل تحالف مناهض لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، فيما لا تزال آثار حرب تيغراي حاضرة، وتستمر الاضطرابات في أكثر من إقليم، وتتدهور العلاقة مع إريتريا بصورة تثير أسئلة عن اتجاهاتها المقبلة.

وفي الجهة الأخرى، يخوض السودان حرباً منذ أبريل 2023م، بينما أخذ النيل الأزرق يكتسب أهمية متزايدة في مسار الحرب وحساباتها العسكرية، مع الهجمات بالمسيّرات والتحركات العسكرية حول الكرمك وقيسان والدمازين، والاتهامات السودانية المتعلقة بمعسكرات وخطوط إمداد ونشاط عسكري عبر الحدود. ضع الخريطتين إلى جوار بعضهما، وستظهر المشكلة بوضوح أكبر.

على الجانب السوداني حرب لم تنته بعد. وعلى الجانب الإثيوبي صراعات داخلية قابلة للاشتعال. وفي الشمال الشرقي إريتريا التي تتصاعد خلافاتها مع أديس أبابا. وإلى الشرق البحر الأحمر الذي أصبح واحداً من أكثر المسارح حساسية في النظام الأمني الإقليمي.

وهكذا لا نعود أمام أزمة حدودية بين السودان وإثيوبيا، وإنما أمام احتمال تشكل حزام أزمات مترابطة يمتد من دارفور وكردفان والنيل الأزرق إلى بني شنقول والأمهرا وتيغراي وإريتريا، ثم ينفتح شرقاً على البحر الأحمر. وهذا هو ما ينبغي أن يقلق الخرطوم أكثر من تصريحات برهانو جولا نفسها.

فالدول لا تختار جغرافيتها، لكنها تستطيع أن تختار كيف تديرها. والسودان لا يستطيع تغيير حقيقة أنه يجاور دولة يتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة، وتحمل في داخلها تناقضات قومية وسياسية وأمنية عميقة، كما لا تستطيع إثيوبيا تغيير حقيقة أن استقرار السودان يمثل جزءاً من أمن حدودها الغربية ومن استقرار الإقليم المحيط بها. لكن الجغرافيا نفسها التي تفرض التعاون تستطيع، إذا أسيئت إدارتها، أن تنتج العكس تماماً.

وعند هذه النقطة يدخل البحر الأحمر في صلب الصورة. فإثيوبيا التي تبحث عن طريق إلى البحر تفعل ذلك في لحظة تتوتر فيها علاقتها مع إريتريا، بينما يقف السودان بساحله الطويل على الضفة الغربية للبحر الأحمر، في إقليم لم تعد فيه الموانئ والممرات البحرية مجرد منافذ للتجارة، وإنما أصبحت جزءاً من معادلات القوة والنفوذ والأمن. ومن باب المندب إلى خليج عدن، لم يعد البحر الأحمر هامشاً لصراعات القرن الأفريقي، بل أصبح أحد ميادينها الرئيسية.

ولذلك فإن أي انفجار واسع داخل إثيوبيا، أو أي انتقال فعلي للحرب السودانية نحو فضاء الحدود الشرقية، لن يبقى حدثاً محلياً. فخطوط التجارة والموانئ والممرات البحرية والقواعد العسكرية والتنافس على النفوذ كلها تجعل المسافة بين أصوصا والبحر الأحمر أقصر استراتيجياً مما تبدو عليه جغرافياً.

ليس من مصلحة الخرطوم أن تصبح طرفاً في الصراعات الإثيوبية الداخلية، مهما كانت طبيعة الخلاف مع أديس أبابا. فتح الباب أمام استخدام الخصوم الداخليين أوراقاً بين الدول قد يبدو مغرياً في لحظة معينة، لكنه من أخطر الألعاب في منطقة تعج بالجماعات المسلحة والانقسامات الإثنية والحدود القابلة للاختراق. فالسودان يحتاج إلى إثيوبيا مستقرة لا معادية، وإثيوبيا تحتاج إلى سودان مستقر لا ساحة مفتوحة لخصومها.

لكن حسن الجوار لا يعني تجاهل ما يمس الأمن القومي. ولذلك ينبغي أن يكون الموقف السوداني واضحاً وحازماً في الوقت نفسه؛ فأي معلومات تتعلق باستخدام الأراضي الإثيوبية أو المطارات أو المعسكرات أو خطوط الإمداد في الحرب السودانية يجب أن توثق، وأن توضع بصورة رسمية أمام أديس أبابا والمؤسسات الإقليمية والدولية، وأن تقابل بقدرة سودانية حقيقية على مراقبة الحدود وحماية المجال الجوي ومنع انتقال التهديد إلى الداخل.

أما أديس أبابا، فإن أفضل رد على المخاوف السودانية ليس توسيع دائرة الاتهامات بشأن دعم خصوم إثيوبيا، وإنما التأكد أولاً من أن الأرض الإثيوبية نفسها لا تتحول إلى جزء من حرب السودان. فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم العلاقة بسيطة؛ فالسودان ليس ساحة لحرب إثيوبيا، وإثيوبيا ليست ساحة لحرب السودان.

وما بين الخرطوم وأديس أبابا اليوم أخطر من خلاف سياسي عابر، لأن البلدين يقفان على جانبي حدود تفصل بين أزمتين كبيرتين. وإذا انهار هذا الفاصل، وبدأت كل حرب تبحث عن امتداد لها داخل الأخرى، فلن نكون أمام حربين متجاورتين بعد ذلك، وإنما أمام أزمة واحدة كبيرة تتجاوز السودان وإثيوبيا معاً.

عندها لن يكون السؤال أين تنتهي حدود الحرب السودانية، ولا أين تبدأ الأزمة الإثيوبية. سيكون السؤال الأكثر خطورة:
أين تبدأ حدود الحرب القادمة في القرن الأفريقي، وأين تنتهي؟

الأحد، 26 سبتمبر 2026م

اترك رد