
مقدمة
تثير زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى موسكو جدلاً واسعاً بين المحللين فالبعض يقرأها كطلب للحصول على قاعدة عسكرية روسية أو مقايضة مباشرة بين القمح والبحر الأحمر، بينما يذهب تحليل أعمق إلى أن ما طُرح ليس قاعدة بحرية بالمعنى القديم، بل تحول استراتيجي من منطق القوة العسكرية إلى منطق القاعدة الاقتصادية – وهو ما قد يكون أخطر وأذكى في آن واحد.
وفقاً لمعطيات الواقع ، فقد عرض البرهان على بوتين إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر يمكن لروسيا استخدامها لإقامة مستودعات ضخمة للقمح والوقود، مع الاستفادة من خط سكة حديد بورتسودان – تشاد (المقترح) لتحويله إلى سلسلة إمداد تمتد إلى عمق أفريقيا. وهنا يكمن السؤال الجوهري: هل هذا مجرد تعاون اقتصادي أم إعادة رسم لخريطة الأمن الإقليمي؟
أولاً: الفرق بين القاعدة العسكرية والمنطقة الحرة:
كان المشروع القديم للقاعدة البحرية الروسية – منذ عهد البشير – يقوم على تصور محدد: وجود نحو (300) جندي و(4) سفن حربية فقط، بينها سفن نووية، لمدة (25) سنة قابلة للتجديد، مع وظيفة أساسية هي الدعم اللوجستي، وكانت المخاوف من هذا النموذج واضحة: أن يتحول السودان إلى جزء مباشر من صراع القوى الكبرى على البحر الأحمر، حيث تتمركز قوى أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية في جيبوتي وما حولها،أما المنطقة الحرة المقترحة فهي مختلفة شكلاً ومضموناً: هي مساحة على ساحل بورتسودان أو سواكن تُعفى جزئياً أو كلياً من الجمارك والضرائب، تُستخدم من قبل روسيا لبناء صوامع قمح ومستودعات وقود، ثم إعادة التصدير والتوزيع نحو السودان وأفريقيا عبر خطوط النقل البرية والسكك الحديدية،وليس ذلك بالضرورة بديلاً رسمياً معلناً عن القاعدة، بل هو منطق أعمق يعني السيطرة عبر السلاسل الإمدادية وليس عبر الرايات العسكرية.
ثانياً: لماذا كانت القاعدة العسكرية تشكل خطراً على السودان؟
يكمن الخطر في أن البحر الأحمر يمثل شرياناً عالمياً، إذ يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية نحو قناة السويس، مما يجعل أي وجود عسكري روسي معلن في بورتسودان عرضة لتفسيره كتغيير في ميزان القوى، ومع أن القاعدة المقترحة كانت محدودة العدد والوظيفة، فإن رمزيتها كبيرة: فهي تعني دخول السودان رسمياً إلى دائرة المواجهة بين موسكو وواشنطن وتل أبيب والرياض والقاهرة، وبما ان السودان الآن يمر بحرب مدمرة لا يملك هامشاً كبيراً لتحمل عقوبات جديدة أو حصار بحري أو استقطاب إقليمي حاد، لذا نجد أن الحرب نفسها جعلت السودان أكثر حاجة إلى الأمن الغذائي والطاقة منه إلى التوتر العسكري،وأن التعاون الاستراتيجي مع روسيا في انشاء منطقة تجاريه حره افضل من انشاء أي قواعد عسكريه تعرضه لفرض عقوبات في غني عنها.
ثالثاً: الأزمة الحقيقية: الأمن الغذائي والطاقة وليس السلاح فقط
إن قوة العرض الروسي تكمن في أنه يلامس أعمق جراح السودان وذلك للآتي:
▪️يبلغ استهلاك السودان السنوي من القمح نحو (2.5_ 2.9 )مليون طن، بينما انخفض الإنتاج المحلي إلى حوالي (410) ألف طن فقط عام 2026، أي أن السودان ينتج نحو 15 % فقط ويستورد أكثر من 80 %.
▪️ارتفاع فاتورة استيراد القمح إلى ما يقارب (1.58)مليار دولار سنوياً مع الشحن والتأمين.
▪️أما الوقود فقد تحول من اعتماد محلي بنسبة 70 % إلى استيراد بنسبة (80_ 90 %)ففي تسعة أشهر من عام 2025 بلغت فاتورة الوقود المستورد نحو (975) مليون دولار، بما يعادل معدل سنوي يقارب( 1.3 ) مليار دولار ، بالمقابل تشير التقديرات إلى أن حوالي (19.5)مليون سوداني يعانون انعدام أمن غذائي حاد،وهنا يظهر المنطق الاقتصادي للصفقة: السودان يحتاج قمحاً ووقوداً بأسعار وشروط أفضل،وروسيا تملك فائضاً كبيراً منهما،والسودان يملك موقعاً استراتيجياً ومعادن ثمينة بينها الذهب والنحاس.
رابعاً: الفكرة الاستراتيجية الكبرى: بديل هرمز وباب المندب
ليست القصة مجرد مستودعات في بورتسودان، بل هي مشروع طريق. فالمحور المقترح يقوم على:
▪️بورتسودان كبوابة بحرية.
▪️خط سكة حديد بورتسودان – تشاد الممتد نحو النيجر ومالي وأفريقيا الوسطى.
▪️منطقة حرة لتخزين القمح والوقود.
▪️إعادة التوزيع إلى عمق أفريقيا دون الاعتماد الحصري على مضيق هرمز وباب المندب.
وهذا هو جوهر الضربة الاستراتيجية،روسيا تسعى إلى تأمين ممر آمن لصادراتها نحو سوق أفريقيا الذي يضم أكثر من( 1.4 )مليار نسمة، بينما يمكن للسودان أن يتحول من دولة هامشية إلى مركز لوجستي إقليمي.
ووفقاً للتصور المطروح، فإن التجارة السودانية الروسية قد تتضاعف مقارنة بعام 2025، مع توقع زيادة بنحو 25 % في عام 2027، وسعي روسيا لجعل السودان ضمن أكبر شركائها في أفريقيا.
خامساً: من التهريب إلى الاستثمار: الذهب والنحاس كورقة مساومة
يضيف (الذهب) بُعداً آخر للمعادلة فالسودان يملك احتياطيات ذهب كبيرة، و إن الإنتاج الرسمي يقارب (100) طن سنوياً، مع وجود تقديرات أكبر لما ينتج خارج الرقابة، أما النحاس فهو معدن المستقبل إذ يدخل في صناعة السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
والفكرة المطروحة هي أن السودان يريد نقل العلاقة مع روسيا من نموذج )فاغنر) أي التهريب والاستغلال غير المنضبط، إلى نموذج استثمار رسمي عبر وزارة المعادن، بحيث تُسلم مربعات الذهب والنحاس إلى شركات روسية وفق عقود واضحة مقابل استثمار في الغذاء والطاقة والبنية التحتية.
ولكن هنا يبرز السؤال الحرج: هل سيكون هذا فعلاً استثماراً سيادياً أم سيصبح رهن السيادة؟ وهل ستكون العقود شفافة أم ستتحول إلى صفقات فوق رؤوس السودانيين؟
الخلاصة الاستراتيجية
إن ما يُطرح أمام السودان ليس خياراً بين “قاعدة عسكرية” و”لا قاعدة” فقط بل هو خيار أعمق بين السماح بتحويل السودان إلى ساحة مواجهة عبر قاعدة عسكرية، فتكسب موسكو وجوداً وتخسر الخرطوم السيادة والاستقرار، إما بناء قاعدة اقتصادية عبر بورتسودان، بحيث يصبح السودان مركزاً لوجستياً يربط روسيا بأفريقيا، مقابل أمن غذائي وطاقة وبنية تحتية.
ومن هنا يظهر ذكاء الطرح : فالقاعدة العسكرية تعطيك (300)جندي، بينما تمنحك القاعدة الاقتصادية صوامع، وقوداً، وسككاً حديدية وسلاسل إمداد،والقاعدة العسكرية تستفز الغرب،أما المنطقة الحرة فتبدو كاستثمار تجاري مفتوح للصين وتركيا ومصر والسعودية.
ولكن يجب ألا نخلط بين الطموح والواقع، فالنجاح يتطلب ثلاثة شروط أساسية:
1- وقف الحرب اولا : لأن لا سلسلة إمداد مستقرة بلا سلام.
2- شفافية العقود ثانيا : لأن بورتسودان ليست مجرد أرض للبيع بل بوابة للسيادة.
3- وأن يكون الهدف أمن السودان وليس مجرد خدمة مصالح القوى الكبرى.
ولذلك فإن قول البرهان لبوتين “نريد توسيع التعاون على أسس مقبولة للطرفين” لا يعني بالضرورة موافقة على قاعدة،بل يعني عرضاً لشراكة استراتيجية جديدة، بموجبها ينتقل السودان من منطق الأزمة إلى منطق المركز، ومن منطق القاعدة العسكرية إلى منطق القاعدة الاقتصادية.
اخيرا :
إن بورتسودان ليست مجرد ميناء،بل هي بوابة البحر الأحمر إلى أفريقيا، والخطر ليس فقط أن تأخذ روسيا هذه البوابة، بل أن يفقد السودان القدرة على التحكم فيها، فالمنطقة الحرة التي يُنوي إقامتها قد تكون فرصة للنهوض، وقد تكون أيضاً قيداً جديداً، والفارق بينهما هو السيادة أولاً، والسلام ثانياً، والشفافية ثالثاً.






