السودان: إعادة التفكير في الدولة والمجتمع – ما تعلّمتُه من استضافة رئيس الوزراء كامل إدريس في اتحاد أوكسفورد

يَصف “اتحادُ أوكسفورد” نفسَه بأنّه أشهرُ جمعيةٍ للمناظرات في العالم؛ مؤسّسةٌ يمتدّ عمرها قرنين من الزمان، في قلب واحدةٍ من أعرق جامعات الدنيا. ولتقاليده طبيعةٌ خاصّة؛ إذ يستضيف رؤساءَ الدول ومُدانين، علماءَ ومُهيِّجين، في القاعة الخشبية ذاتها، انطلاقاً من مبدأٍ واحد: أنّ الأفكار تصمد للاختبار في العلن، ولا تصمد للحماية في السرّ. وفي تلك القاعة، لا يكون الردُّ الأقوى على صوتٍ صعب هو الصمت، بل سؤالٌ أصعب.
لهذا المبدأ، استضفتُ هناك، الأسبوعَ الماضي، رئيسَ وزراء جمهورية السودان، الدكتور كامل إدريس. والدعوةُ جاءت من اتحاد أوكسفورد بوصفه جمعيةً للمناظرات، لا من أيِّ جسمٍ سودانيٍّ في الجامعة. وهذا تمييزٌ ذو أهمية.
إنّ جيلي من السودانيين، في الداخل وعبر الشتات، بات أعجزَ يوماً بعد يوم عن إجراء محادثةٍ جادّة بشأن التحوّل البنيوي مع من لا نوافقهم سلفاً. وقد ارتفع الثمنُ الاجتماعيُّ للخلاف إلى الحدِّ الذي صار فيه الانخراطُ يُقرَأ تأييداً. وليس كذلك، بل العكسُ هو الحقّ: رفضُ الانخراط هو ما يحول دون اختبار المواقف. أردتُ لرئيس الوزراء أن يُختبَر.
وهكذا سألناه، على المنبر وأمام جمهور أوكسفورد: من أين تستمدّ “حكومةُ الأمل” شرعيّتها فعلاً، حين فقدت الدولةُ السودانية السيطرة على جزءٍ كبير من أراضيها أو باتت تتقاسمها؟ ولماذا تشترط “مبادرةُ حكومة السودان للسلام” انسحابَ قوات الدعم السريع شرطاً مسبقاً للحوار، فيما يرى المنتقدون أنّ ذلك يُنشئ حلقةً مغلقة: لا انسحابَ من غير حوار، ولا حوارَ من غير انسحاب؟ وحين رحّبت بالمبادرة الأممُ المتحدة، والاتحادُ الأفريقي، وجامعةُ الدول العربية، ومنظمةُ التعاون الإسلامي، والهيئةُ الحكومية الدولية للتنمية “إيغاد”، وغيرها، دون أن تستطيع أيٌّ منها إنفاذها، فما هي بنيةُ الحوافز الفعلية التي ستُجبر ميليشيا غير موقِّعةٍ على التصرّف وكأنّها وقّعت؟ وكيف يُرسَم خطٌّ فرديٌّ عبر منظومةٍ جماعية حين تُحاول التمييز بين عناصر ميليشيا “غير متورّطة” ومرتكبي الفظائع؟ وإن نجح كلّ هذا (إن انسحبت الميليشيا، وانعقد الحوار، وأُجريت الانتخابات)، فما هو التوازنُ الجديد الذي سيستقرّ عليه السودانُ في عام 2036؟ وما الشروط التي يجب أن تتوفّر لكي يكون ذلك التوازنُ مستقرّاً، لا منهاراً عائداً إلى المنظومة التي أنتجت هذه الحرب؟
جاء. وأجاب. وكان ذا حضورٍ آسر، بحضور الموظفِ الدوليِّ المخضرم حين يستحيل قائداً وطنياً: دقيقَ العبارة، متعدّدَ اللغات، نافراً من المسلَكات السهلة، يفكّر بصوتٍ عالٍ في طمأنينة. ورؤيته السياسية متماسكةٌ من الداخل؛ ومبادرةُ حكومة السودان للسلام، إذا قُرئت بمعزلٍ عمّا حولها، وثيقةٌ جادّة. فهي تميّز بين وقف إطلاق النار والانسحاب، وبين الانسحاب ونزع السلاح، وبين نزع السلاح وإعادة الإدماج. وتفصل بين المسائل القانونية والأمنية والاجتماعية. وترسم خطّاً بين مرتكبي الفظائع والمنظومة الأوسع من المقاتلين التي أسندتهم. وتَعِد بأنّ إعادة الإعمار لن تنتظر نهاية الحرب. وحين تُقرأ بمعزل، تحلّ الخطّةُ ما تعهّدت بحلّه.
غير أنّ المشكلة هي أنّه لا توجد خطّةٌ بمعزل.
ثمّة اليوم ثلاثةُ مسارات سلامٍ مفتوحة في السودان: خارطةُ الطريق المودَعةُ لدى مجلس الأمن، والمبادرةُ السعودية الأمريكية، ومبادرةُ حكومة السودان للسلام. ويفترض كلٌّ منها نظريةً مختلفةً قليلاً حول ما يُنهي هذه الحرب، ومن يشارك في السياسة التي تليها. ويحظى كلٌّ منها بتأييد تجمّعٍ مختلف من القوى الإقليمية والدولية، وهي قوى ليست محايدةً في حدّ ذاتها، بل فاعلةٌ ولها مصالحُ مادّيةٌ في النتيجة. وقد رحّبت بعضُ هذه الأطراف الخارجية بالمبادرة كتابةً، فيما تواصل دعمها مادّياً للفصائل نفسها التي صُمِّمت المبادرةُ لهزيمتها. وحين تُعاد المبادرةُ إلى ذلك الواقع، تبدأ أناقةُ الوثيقة في التحلّل. فالخطّةُ الجادّة، في الوضع الجادّ، قد تكون مع ذلك الخطّةَ الخطأ، إن لم يكن الوضعُ الذي تفترضه هو الوضعَ الذي عليها أن تعمل فيه. أجاب رئيسُ الوزراء عن الأسئلة، لكنّه أجاب عنها سياسياً. أيُّ الأدوات، بالضبط، ستُغلق حلقةَ الشرط المسبق؟ وأيُّ الشركاء، بالضبط، سيوفّرون الورقةَ الضاغطة التي تفرض الامتثال؟ في هذه المسائل (في الجوهر لا في البنية)، جاءت الإجاباتُ أرقَّ ممّا تستحقّه الخطّة.
هذا هو النقد الأيسر. أمّا الأصعب فقريبٌ من الديار.
الشتاتُ السوداني، في هذه اللحظة، أكثر تشظّياً ممّا أذكر في أيِّ وقت. فنحن منقسمون: بالفصيل، وبالولاء، وبالقراءة، وبالجيل، وبأيِّ جانبٍ من أيِّ خطٍّ وقفنا حين اندلعت هذه الحرب. وفي الأسابيع التي سبقت زيارة رئيس الوزراء، كتب أبناءٌ من مجتمعنا علناً يُبدون قلقهم من الانخراط. وكانوا على حقٍّ في أن يكتبوا. ولم يكونوا مخطئين حين تساءلوا: هل يُعطي تقديمُ منصّةٍ لحكومةٍ متنازَعٍ على شرعيّتها، وحدها، صورةً منقوصةً عن السودان لقاعةٍ قد لا تكون لها أيُّ نافذةٍ أخرى عليه؟ وفي تلك الأسابيع نفسها فقدنا صوتين سودانيَّيْن استثنائيَّين: مُزن النيل وحامد خلف الله. وغيابُهما عن هذا الحديث، وعن أحاديثَ كثيرةٍ ستليه، جرحٌ لم يُتَح للمجتمع الوقتُ ليبكيه.
إذن، ما لدينا ليس حرباً وحدها. لدينا شتاتٌ عاجزٌ عن أن يحوي خلافاته في غرفةٍ واحدة. والشتاتُ الذي يعجز اليوم عن خوض حوارٍ صعبٍ حول مستقبل بلده، لن يكون قادراً على قيادة ذلك الحوار حين تنتهي هذه الحرب. إنّ خطوط الشرخ التي نرسمها اليوم هي خطوط الشرخ في البلد الذي سنرثه غداً. وإن لم نتعلّم أن نتجادل بشأن السودان الآن، عبر الفصائل، وعبر الأجيال، وعبر الخطوط التي رسمتها هذه الحرب، فإنّنا لا نفعل سوى أن نتمرَّن على الحرب القادمة.
لهذا فإنّ “التفكير المنظوميّ” ليس مصطلحاً فضفاضاً. إنّه السبيلُ الأمينُ الوحيدُ للنظر فيما يجري في السودان. فالشرخُ العسكريُّ يُنتج جموع النازحين. والنزوحُ يُضعف اللحمةَ الاجتماعية التي تعتمد عليها التسويةُ السياسية. والتسويةُ الواهنة تُنتج مؤسّساتٍ أوهن. والمؤسّساتُ الأوهن تستدعي الفاعلين الخارجيّين الذين يُشكّلون الشرخَ العسكريَّ التالي. والمنظومةُ تُعيد إنتاجَ نفسها. ومن الإنصاف القولُ إنّ رئيسَ الوزراء صاغ أجزاءً من إجابته على هذا النحو؛ وإنّ المبادرة نفسها تتعامل مع السلام بوصفه تتابعاً من التدخّلات المترابطة، لا بوصفه فعلاً واحداً. وهذه طريقةٌ بنيويةٌ في التفكير. وهي ليست كافيةً وحدها، لكنّها نقطةُ الانطلاق الصحيحة.
وَعَدَ رئيسُ الوزراء، في محادثتنا، بأنّ الحلولَ المنظومية التي يحتاجها السودان ستصل في الأيام القادمة. لا شعارات، بل تدخّلاتٌ مصمَّمةٌ ليُعزِّز بعضُها بعضاً: شرعيّةٌ عبر تقديم الخدمات، وعودةٌ يُتيحها أمنٌ تُتيحه إعادةُ إعمار، ومسارٌ مدنيٌّ يسبق مساراً سياسياً يسبق مساراً انتخابياً. لقد قال هذا في الأمم المتحدة. وقاله في القاعة.
لقد كسب حقَّ أن يُسمَع. ولم يكسب بعدُ حقَّ أن يُصدَّق. والرهان، كما هي العادة، فيما سيصل. والسؤال هو ما إذا كانت المنظومةُ التي يبنيها واحدةً يستطيع كلُّ السودانيين، حتى أشدّهم اختلافاً معه اليوم، أن يقفوا داخلها.
وحتى ذلك الحين، ننتظر، ونُبقي المحادثةَ مفتوحة. لا توجد طُرقٌ مختصرة .






