السودان وروسيا… زيارة البرهان (2)( من صفقات السلاح إلى بناء القدرة الدفاعية)

تفرض العلاقات العسكرية السودانية الروسية سؤالاً استراتيجياً يتجاوز طبيعة الأسلحة التي يمكن أن تحصل عليها الخرطوم من موسكو، إلى مستقبل القدرة الدفاعية السودانية ذاتها. فالحرب التي يشهدها السودان منذ أبريل 2023م كشفت عن تحديات عميقة تتصل بالتسليح والصيانة والإمداد والتكنولوجيا، وأعادت إلى الواجهة أهمية امتلاك قاعدة صناعية وفنية قادرة على دعم القوات المسلحة وتقليل اعتمادها على الخارج. وتعيد زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان الأخيرة إلى موسكو طرح هذا الملف من زاوية أكثر إلحاحاً، تتعلق بما يمكن أن تقدمه الشراكة الروسية لإعادة بناء القدرات الدفاعية السودانية، وما ينبغي أن يحصل عليه السودان مقابل التزاماته الاستراتيجية.
لقد اعتمد السودان خلال عقود على منظومات عسكرية شرقية، وشكلت الطائرات والمروحيات والمدرعات وأنظمة الدفاع الجوي ذات المنشأ السوفيتي والروسي جزءاً مهماً من تسليح قواته المسلحة. وقد أتاح هذا الارتباط تراكم خبرات فنية وتشغيلية، لكنه أوجد أيضاً احتياجات مستمرة إلى قطع الغيار والتحديث والدعم الفني. ومع تعاقب الأزمات الاقتصادية والسياسية والعقوبات، أصبحت المحافظة على جاهزية هذه المنظومات تحدياً يتجاوز القدرة على شراء المعدات إلى ضمان استدامة تشغيلها.
وتبرز هنا إحدى أهم دروس الحرب السودانية، وهي أن امتلاك السلاح يمثل جانباً واحداً من معادلة القوة العسكرية. ففاعلية القوات المسلحة ترتبط بكفاءة منظومات القيادة والسيطرة، وتكامل المعلومات والاستخبارات، وقدرات الاستطلاع والمراقبة، وسرعة الصيانة والتعويض، واستمرار الإمداد في ظروف العمليات الممتدة. وقد أظهرت الحروب المعاصرة أن التفوق التقني يفقد جانباً من قيمته إذا تعذر تشغيل المنظومات والمحافظة عليها وتطويرها وفق متطلبات الميدان.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يتجه التفكير في التعاون الدفاعي مع موسكو نحو بناء قدرات متكاملة، تبدأ بتقييم المنظومات الموجودة وتحديث الصالح منها، وتمتد إلى تطوير منظومات الدفاع الجوي والحماية الإلكترونية والاستطلاع، وإعادة تأهيل البنية الفنية والهندسية للقوات المسلحة. وتكتسب هذه المجالات أهمية متزايدة مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة، وما تفرضه من تحديات على حماية المنشآت الحيوية والمراكز السكانية والبنية التحتية.
غير أن القيمة الاستراتيجية لأي تعاون دفاعي طويل الأجل تتحدد بمدى انتقاله من توريد المعدات إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا. فقد راكم السودان خبرات هندسية وفنية وصناعية مهمة، وشهدت مؤسساته الدفاعية خلال العقود الماضية تجارب ثرّة في التصنيع والصيانة والتطوير. ويمكن أن تشكل هذه الخبرات أساساً لإعادة تأهيل المنشآت الصناعية والفنية التي تضررت بالحرب، واستعادة قدراتها الإنتاجية، وتطوير مجالات الصيانة والإصلاح وإنتاج قطع الغيار والمكونات، مع إعطاء البحث والتطوير موقعاً متقدماً في برامج إعادة البناء.
ويستوجب هذا التوجه بناء منظومة وطنية للبحث والتطوير تربط مؤسسات الصناعات الدفاعية بالجامعات ومراكز البحوث والكليات الهندسية، وتتيح تأهيل الكوادر وتطوير الحلول التقنية محلياً. كما ينبغي أن تستند الشراكات الخارجية إلى مشروعات صناعية محددة، تتدرج وفق الإمكانات المتاحة، وتخضع لمؤشرات تقيس ما تحقق من تأهيل وإنتاج محلي. فاستعادة القدرة الصناعية السودانية تمثل استثماراً طويل الأجل في استقلال القرار الدفاعي.
وتتطلب هذه الرؤية إعادة النظر في مفهوم التعاقد العسكري نفسه. فشراء منظومة متقدمة دون ضمانات للتدريب والصيانة والتحديث وتوافر قطع الغيار قد يفرض أعباء مالية وفنية تستمر سنوات طويلة. ولذلك ينبغي أن تشمل أي اتفاقيات جديدة تكلفة دورة الحياة الكاملة للمعدات، وحقوق الصيانة المحلية، وتأهيل الكوادر الوطنية، وضمان استمرارية الإمداد، مع مراعاة القيود التي قد تواجه الصناعات الدفاعية الروسية نتيجة الحرب والعقوبات الدولية.
وفي المقابل، تنظر موسكو إلى التعاون العسكري مع السودان ضمن مصالح أوسع تتصل بحضورها في أفريقيا والبحر الأحمر. وتبرز في هذا الإطار قضية المنشأة البحرية الروسية المقترحة على الساحل السوداني، التي ظلت موضع تفاوض ومراجعة خلال السنوات الماضية. وقد طُرح المشروع في إطار إنشاء نقطة للدعم الفني واللوجستي للسفن الروسية، وإن اتسعت بعض التوصيفات السياسية والإعلامية لتسميته قاعدة بحرية. والفارق بين الوصفين مهم من الناحية القانونية والعملياتية، إذ تتحدد طبيعة أي منشأة فعلية بصلاحيات استخدامها، وحجم القوات والمعدات المسموح بها، ومدى السيطرة على مرافقها، والمدة الزمنية للاتفاق.
وتستدعي هذه القضية قراءة دقيقة للمصلحة السودانية، تبدأ بتحديد المقابل الاستراتيجي الذي يمكن أن تحصل عليه البلاد من أي ترتيبات بحرية مع موسكو. فقد تشمل مجالات التعاون تأهيل مرافق الصيانة والإصلاح البحري، وتدريب الأطقم والكوادر الفنية، وتطوير البنية التحتية والخدمات البحرية، وتعزيز القدرات الوطنية في المراقبة والبحث والإنقاذ. غير أن هذه المكاسب المحتملة ينبغي أن تقاس بحجم الالتزامات السيادية والأمنية والسياسية المترتبة على الاتفاق، وبمدى تأثيره في علاقات السودان الإقليمية والدولية.
والأولوية السودانية في هذا المجال ينبغي أن تتجه إلى إعادة بناء القوات البحرية وتطوير قدراتها على حماية الساحل والموانئ والجزر والمياه الإقليمية والمصالح الاقتصادية البحرية. فامتلاك السودان لساحل طويل وموقع مؤثر على البحر الأحمر يفرض احتياجات تتعلق بالمراقبة البحرية وحماية المنشآت ومكافحة التهريب وتأمين الممرات المرتبطة بموانئه. وأي تعاون مع روسيا أو غيرها يستحق أن يقاس بمقدار إسهامه في تعزيز هذه القدرات الوطنية.
وتبرز مسألة أخرى تتعلق بالتوازن بين الاحتياجات العاجلة التي تفرضها الحرب ومتطلبات البناء الدفاعي طويل الأجل. فالسودان يحتاج إلى المحافظة على جاهزية قواته ومواجهة التهديدات القائمة، لكنه يحتاج أيضاً إلى تجنب قرارات تسليحية ترتبط بظروف استثنائية وتفرض عليه التزامات استراتيجية لعقود مقبلة. ويتطلب تحقيق هذا التوازن خطة وطنية تحدد أولويات إعادة التأهيل، ومصادر التمويل، ومستويات التصنيع المحلي، ومجالات التعاون التي يمكن تنويع شركائها.
ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن طبيعة العلاقات الدولية. فروسيا دولة كبرى لها مصالحها والتزاماتها وتحالفاتها، وتتعامل مع السودان في ضوء حسابات تتجاوز العلاقة الثنائية. كما أن تنوع مصادر التسليح والتكنولوجيا يمنح الدول هامشاً أوسع في إدارة احتياجاتها الدفاعية، شريطة المحافظة على التوافق الفني بين المنظومات وتجنب تعقيد الصيانة والإمداد. ومن ثم فإن العلاقة مع موسكو تستوجب وضوح المصالح والالتزامات، بعيداً عن افتراض ضمانات سياسية دائمة أو الاكتفاء بالتفاهمات العامة.
ويبقى العنصر الحاسم في قدرة السودان على إدارة هذه العلاقة من خلال مؤسساته الوطنية. فالتعاون الدفاعي يحتاج إلى رؤية تقودها الجهات العسكرية والفنية المختصة، وتستند إلى تقييم موضوعي للقدرات والتهديدات والموارد المتاحة، وتخضع الاتفاقيات الكبرى فيها للمراجعة القانونية والمؤسسية. كما ينبغي أن يكون توطين المعرفة وتطوير الكفاءات السودانية جزءاً أصيلاً من كل مشروع، حتى تتراكم نتائجه داخل المؤسسة العسكرية والصناعية الوطنية.
إن مستقبل التعاون الدفاعي السوداني الروسي يمكن ان يُقدّر بما يضيفه إلى جاهزية القوات المسلحة واستدامة قدراتها الفنية والصناعية، وبمدى إسهامه في حماية السيادة الوطنية وتعزيز استقلال القرار العسكري. فالسلاح الذي يصل اليوم قد يعالج احتياجاً عاجلاً، أما المعرفة التي تنتقل، والمؤسسات التي تتطور، والقدرات التي تُبنى داخل السودان، فهي التي تحدد مقدار القوة التي يستطيع الاحتفاظ بها غداً. ومن هنا يتحدد التحدي الاستراتيجي أمام الخرطوم: الانتقال من إدارة احتياجات التسليح إلى صناعة مقومات القوة التي تحمي الدولة وتصون قرارها.



