الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الجيش بين العقيدة العسكرية .. وتسلل عقلية المليشيا

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

من المعروف أن الجيوش ليست مجرّد تجمعاتٍ بشرية تحمل السلاح، ولا كياناتٍ يمكن تشكيلها بقراراتٍ سياسيةٍ عابرة أو بتوازنات اللحظة وضغوطها. فالجيوش—في معناها المهني العميق—هي مؤسساتٌ تُبنى على عقيدة، وتُدار بمنظومةٍ متكاملة من القيم والانضباط والتدريب والتراتبية والوعي بطبيعة الوظيفة العسكرية وحدودها وأهدافها. ولهذا لم تكن قوة الجيوش الكبرى في عدد أفرادها وحده، بل في تماسك بنيتها، ووحدة مفهومها القتالي، وانسجام مكوّناتها مع الغاية التي أُنشئت من أجلها.

ومن هنا يبرز مفهوم “العقيدة العسكرية”، بوصفه الإطار الفكري والتنظيمي الذي يحدد طبيعة الجيش، ودوره، وكيفية استخدام القوة، وآليات القيادة والسيطرة، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع. فهي ليست مجرد نظرياتٍ تُدرّس، بل فلسفة عملٍ كاملة، تُترجم إلى قوانين ولوائح وأنظمة تدريب وتأهيل وسلوك مهني وانضباط نفسي وأخلاقي.

أما “العقيدة القتالية”، فهي الجانب العملي المرتبط بكيفية خوض القتال نفسه؛ من حيث طبيعة الاشتباك، والانضباط الميداني، واحترام التسلسل القيادي، والالتزام بقواعد الاشتباك، والتعامل مع المدنيين، وإدارة القوة ضمن أهدافٍ عسكريةٍ محددة لا ضمن دوافع الانتقام أو الغنيمة أو العصبية أو الفوضى. ولذلك فإن العقيدة القتالية ليست مجرد مهارة استخدام السلاح، بل منظومة تضبط سلوك المقاتل في لحظة القوة والانفعال والفوضى، وهي اللحظة الأخطر في حياة أي جيش.

ولهذا تخضع الجيوش النظامية—في كل دول العالم—لسنواتٍ طويلة من الصقل والتأهيل والتدريب والتقويم، ليس فقط لإنتاج مقاتلٍ قادر على إطلاق النار، بل لصناعة فردٍ عسكريٍّ يعيد تشكيل وعيه وسلوكه وفق مقتضيات الوظيفة العسكرية. فالجندية ليست حمل سلاح، بل إعادة بناءٍ للإنسان نفسه؛ بحيث يصبح جزءًا من منظومةٍ منضبطة تتحرك بعقلٍ جمعي، وتخضع لقواعد مهنية صارمة، على المستوى الفردي والتكتيكي والتعبوي والعملياتي والاستراتيجي.

ومن هنا أيضًا تأتي أهمية التجانس داخل المؤسسة العسكرية. فالجيوش لا تحقق كفاءتها القتالية بمجرد الحشد العددي، بل بوحدة الهوية والانضباط والمفهوم القتالي. وكلما ازدادت التناقضات داخل بنية الجيش، ضعفت قدرته على العمل المنظم، وتآكلت احترافيته، وتحول تدريجيًا من مؤسسةٍ عسكرية إلى تجمعاتٍ مسلحة تتجاور داخلها الولاءات المتضاربة وتتنازع.

وفي هذا السياق، تبرز اليوم ظاهرة ما يُعرف بعودة بعض المليشيات المسلحة إلى “حضن الوطن”، وما يصاحبها من عمليات استيعاب واحتضان لقادة وعناصر شارك كثيرٌ منهم—وفق ما هو موثق ومتداول على نطاق واسع—في انتهاكاتٍ جسيمة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال نهب وقتل وترويع، فضلًا عن ممارساتٍ قتالية تناقض ما تقوم عليه الجيوش المهنية من ضوابط وأعراف.

والأخطر من ذلك، أن بعض هذه الترتيبات يُقدَّم للرأي العام باعتباره إنجازًا سياسيًا أو ضرورةً مرحلية، دون التوقف الجاد أمام أثره العميق على طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها. إذ إن استيعاب جماعاتٍ مسلحة ذات تكوينٍ مليشياوي، وعقلياتٍ قتالية غير منضبطة، وسلوكٍ ميداني قائم على الولاء الشخصي أو القبلي أو الجهوي، داخل جسم الجيش، دون إخضاعها لعمليات الدمج والتسريح وإعادة التأهيل المعروفة عالميًا (DDR)، لا يعني توسيع الجيش بقدر ما يعني إدخال عناصر تفكيكٍ داخله.

فبرامج الدمج والتسريح وإعادة الإدماج لم تُصمم عبثًا، بل جاءت نتيجة تجارب دامية أدرك فيها العالم أن تحويل المليشيا إلى جيش لا يتم بمجرد تغيير الزي أو إعلان الولاء السياسي، وإنما عبر عملية طويلة ومعقدة تبدأ بالتفكيك النفسي والسلوكي والتنظيمي للبنية المليشياوية نفسها، ثم إعادة بناء الفرد وفق عقيدة الدولة ومؤسساتها. أما تجاوز هذه المراحل، والقفز مباشرةً إلى ضخ أعدادٍ كبيرة من المقاتلين داخل المؤسسة العسكرية، فإنه يخلق—على المدى البعيد—جيشًا فاقدًا للتماسك، متعدد المرجعيات، هشَّ الانضباط، وقابلًا للانقسام عند أول اختبارٍ سياسي أو عسكري كبير، بما قد يحيل المؤسسة العسكرية نفسها إلى نسخةٍ مشوّهة من المليشيات، بدل أن تكون نقيضها المهني والمؤسسي وحارس الدولة والقانون.

فالجيوش—في نهاية الأمر—ليست سوى قوامٍ بشريٍّ وتنظيمي تُشكّله العقيدة والانضباط والتأهيل. وحين تتضخم داخل هذا القوام عناصر المليشيات والتكوينات شبه النظامية، دون إعادة تشكيلها مهنيًا وفكريًا وفق عقيدة الدولة، فإن ذلك لا يغيّر طبيعة الأفراد فحسب، بل يعيد تشكيل طبيعة الجيش نفسه، ويدفعه تدريجيًا نحو اكتساب سمات المليشيا التي يُفترض أن يكون نقيضها.

ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود مليشيا خارج الجيش، بل في انتقال عقلية المليشيا إلى داخل الجيش نفسه. فالمليشيا حين تعجز عن هزيمة الجيش، قد تنجح—أحيانًا—في إعادة تشكيله من الداخل. فحين تتآكل الفوارق بين الجندي النظامي والمقاتل المليشياوي، وبين العقيدة العسكرية والانتماء الشخصي، وبين الانضباط المهني ومنطق الغلبة، تصبح المؤسسة العسكرية مهددة بفقدان جوهرها الاحترافي، حتى وإن احتفظت باسمها الرسمي وهيكلها الظاهري.

كما أن أي تساهلٍ سياسي أو إعلامي مع هذا المسار، تحت شعارات المصالحة أو الواقعية السياسية أو ضرورات الحرب، قد يؤدي إلى تمييع مفهوم العدالة نفسه، وإضعاف فكرة المسؤولية القانونية والأخلاقية عن الجرائم والانتهاكات.

فالدول لا تُبنى بتجاوز الذاكرة العامة، ولا بإعادة تدوير العنف داخل مؤسساتها السيادية، لأن تجاهل الجراح لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها إلى مرحلةٍ لاحقة أكثر تعقيدًا وخطورة.

إن تحويل الجيش إلى مظلةٍ مفتوحة لاستيعاب كل التكوينات المسلحة، دون معايير مهنية وقانونية وأخلاقية صارمة، لا يصنع سلامًا دائمًا، بل قد يزرع بذور نزاعاتٍ مستقبلية داخل المؤسسة نفسها، ويخلق أجيالًا جديدة من الصراعات المؤجلة. فالتجارب التي تُبنى على المجاملة السياسية أكثر من البناء المؤسسي، تنجح مؤقتًا في احتواء الأزمة، لكنها كثيرًا ما تفشل في بناء الدولة.

ولا يعني هذا رفض فكرة العودة إلى الوطن أو إغلاق أبواب التسويات، فالدول الخارجة من الحروب تحتاج أحيانًا إلى معالجاتٍ سياسية وأمنية معقدة، لكن الفرق كبير بين تسويةٍ تُعيد بناء الدولة، وتسويةٍ تُعيد إنتاج أسباب انهيارها. فالمسألة ليست في قبول العودة من عدمها، بل في الكيفية والمعايير والضمانات التي تمنع تحوّل الاستثناء المؤقت إلى قاعدةٍ دائمة تهدد هوية الجيش ومستقبل الدولة معًا.

فالجيش ليس مجرد قوةٍ تحمل السلاح باسم الدولة، بل هو آخر ما يتبقى للدولة حين تتآكل المؤسسات وتضطرب السياسة. وإذا فقد الجيش عقيدته المهنية، وتحوّل إلى خليطٍ من الولاءات والتكوينات المتنافرة، فإن الخطر لا يعود خطرًا على المؤسسة العسكرية وحدها، بل على فكرة الدولة نفسها. لأن الدولة التي تفقد جيشها المهني، لا تفقد أداة القتال فقط، بل تفقد قدرتها على حماية القانون، وضبط العنف، وصيانة وحدتها الوطنية في المستقبل.

الثلاثاء 19 مايو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!