الرواية الأولى

نروي لتعرف

الأخبار الرأي موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الجنيه السوداني… فشل الدولة في حماية العملة الوطنية

عقيد ركن بحر.د/ اسامة محمد عبد الرحيم

ظل استقرار العملة الوطنية عبر التاريخ الاقتصادي الحديث واحداً من أهم المؤشرات التي تقاس بها قوة الدول وقدرتها على إدارة اقتصادها بكفاءة واستدامة، لأن قيمة العملة لا تعكس فقط وضع الأسواق المالية، إذ تعبر في كثير من الأحيان عن مستوى كفاءة مؤسسات الدولة نفسها ومدى قدرتها على حماية مصالحها الاقتصادية والسيادية، فضلًا عن كونها أحد أكثر المؤشرات دقة في قياس سلامة الاقتصاد.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الارتفاع المتسارع الذي شهده سعر الدولار أمام الجنيه السوداني خلال هذا الأسبوع، والذي أدى إلى تعطيل عدد كبير من عمليات الاستيراد والتصدير وإرباك قطاعات واسعة من النشاط التجاري، باعتبار أن ما جرى لا يمثل أزمة عابرة مرتبطة بتحركات السوق اليومية، وإنما يعكس اختلالاً أعمق ظل يتكرر بصورة مزمنة عبر سنوات طويلة دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء سياسة نقدية واقتصادية مستقرة قادرة على معالجة جذور الأزمة بصورة مستدامة.

لقد تعاملت الحكومات السودانية المتعاقبة مع ملف سعر الصرف لسنوات طويلة بوصفه أزمة طارئة تحتاج إلى معالجات إسعافية متكررة، ولذلك تكررت القرارات نفسها تقريباً في كل المراحل دون أن تحقق نتائج حقيقية. فمرة يتم حظر استيراد عدد من السلع بحجة تخفيف الضغط على النقد الأجنبي، ومرة تُفرض قيود على التحويلات المصرفية، ومرة تُشن حملات لملاحقة تجار العملة في الأسواق، ومرة تتجه الدولة إلى التدخل المباشر في استيراد الوقود، ومرة يجري رفع الضرائب أو زيادة الدولار الجمركي أو إلغاء الدعم عن السلع الأساسية، لكن النتيجة النهائية ظلت واحدة تقريباً؛ استمرار ارتفاع الدولار، وتآكل قيمة الجنيه، وانتقال التكلفة النهائية في كل مرة إلى المواطن الذي ظل يدفع ثمن الأزمة دون أن يلمس تحسناً حقيقياً في بنية الاقتصاد نفسه.

ولعل ما يستحق التأمل أن الحكومات السودانية، على اختلاف توجهاتها السياسية وتعاقبها عبر سنوات طويلة، ظلت تلجأ تقريباً إلى الحزمة نفسها من الإجراءات كلما تصاعدت أزمة سعر الصرف، وكأن التجربة لم تنتج أي دروس جديدة. فالتجربة السودانية عبر العقود الماضية أعادت إنتاج النمط ذاته؛ قرارات إدارية عاجلة، قيود على السوق، حملات أمنية، ضرائب ورسوم إضافية، وتدخلات مباشرة في حركة الاستيراد، بينما ظلت النتيجة النهائية واحدة؛ استمرار تراجع الجنيه وغياب أي معالجة مستدامة للجذور الحقيقية للأزمة.

وهنا تظهر واحدة من أكثر الإشكالات تعقيداً في إدارة الاقتصاد السوداني، وهي أن كثيراً من السياسات ظلت تنصرف إلى معالجة الأعراض الظاهرة للأزمة أكثر من توجهها إلى معالجة المرض الحقيقي نفسه. فالسوق الموازي وتجار العملة والمضاربون ليسوا في الحقيقة سبب الأزمة الأساسي، وإنما يمثلون نتيجة طبيعية لاختلالات أعمق داخل الاقتصاد الوطني. فالاقتصاد الذي يستهلك من العملات الأجنبية أكثر مما ينتج، ويعتمد بصورة كبيرة على الواردات الأساسية، ويعاني ضعفاً مستمراً في القطاعات الإنتاجية، يصبح خاضعاً بصورة دائمة لضغوط سعر الصرف، لأن الطلب على الدولار يظل أعلى باستمرار من قدرة الاقتصاد على إنتاجه بصورة طبيعية.

ومن الأخطاء التي ظلت تتكرر في الخطاب الاقتصادي السوداني اختزال الأزمة في سعر الدولار نفسه، وكأن ارتفاع سعر الصرف هو المشكلة الأساسية التي ينبغي محاربتها، بينما الحقيقة أن الدولار في مثل هذه الاقتصادات الهشة لا يصنع الأزمة بقدر ما يكشف وجودها. فارتفاع العملات الأجنبية في مثل هذه الحالات لا يحدث بصورة معزولة عن الاقتصاد الحقيقي، وإنما يعكس حجم الاختلالات المتراكمة داخله، ولذلك فإن التركيز على ملاحقة سعر الدولار وحده يشبه في كثير من الأحيان معالجة أعراض المرض مع ترك أسبابه العميقة تتفاقم دون تدخل حقيقي.

وتزداد خطورة هذه المعادلة عندما نضع في الاعتبار التأثيرات المباشرة التي فرضتها الحرب على القطاعات المنتجة للنقد الأجنبي. فمناطق واسعة من الإنتاج الزراعي والحيواني والصادرات التقليدية أصبحت متأثرة بالحرب بصورة مباشرة، كما تراجعت صادرات الصمغ العربي والفول السوداني والثروة الحيوانية، وتعرضت سلاسل الإمداد والإنتاج لاختلالات كبيرة، بينما أصبح الذهب ـ وهو أحد أهم الموارد المغذية للنقد الأجنبي ـ يواجه بدوره تحديات معقدة مرتبطة بالتهريب، وتقلبات السوق العالمية، وضعف قدرة الدولة على التحكم الكامل في دورة إنتاجه وتسويقه. وفي ظل هذه الظروف أصبح شح العملات الأجنبية نتيجة طبيعية أكثر من كونه حدثاً طارئاً أو أزمة عابرة.

لكن جذور الأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من ضعف الإنتاج نفسه، لأن أحد الجوانب التي ظلت غائبة عن المعالجة الحقيقية يتمثل في الفساد الاقتصادي الذي تراكم داخل بنية الدولة لعقود طويلة، وأصبح يمثل أحد أكبر معوقات الاستقرار الاقتصادي. فالتجارب الدولية تؤكد أن كثيراً من الدول التي نجحت في تحقيق نهضتها الاقتصادية لم تبدأ أولاً بالقرارات النقدية أو حملات ملاحقة الأسواق، وإنما بدأت بإصلاح مؤسسات الدولة نفسها ومحاربة الفساد الذي يبدد الموارد ويضعف ثقة المستثمرين ويخلق اقتصاداً موازياً يعمل خارج المنظومة الرسمية. كما أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي خارج المنظومة المصرفية الرسمية جعل جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي الوطني يتحرك بعيداً عن قدرة الدولة على الرقابة والتحكم، وهو ما عمق أزمة النقد الأجنبي بصورة أكبر. وعندما تصبح بيئة الاستثمار نفسها مرهقة بالرسوم المتعددة، والجبايات، وتعقيدات الإجراءات، وضعف الشفافية، فإن الاقتصاد يفقد تدريجياً قدرته على جذب الاستثمار والإنتاج، وهو ما يعني تقلصاً مستمراً في مصادر النقد الأجنبي مستقبلاً.

كما أن أحد الأخطاء المتكررة في إدارة الملف النقدي يتمثل في التركيز المفرط على المعالجات الأمنية والإدارية قصيرة الأجل. فملاحقة صغار تجار العملة، أو فرض قيود مصرفية متعجلة، أو التدخلات الإدارية المباشرة داخل السوق، قد تمنح انطباعاً مؤقتاً بوجود تحرك حكومي، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة الاقتصادية نفسها. لأن الاقتصاد في جوهره لا يتحرك وفق القرارات الإدارية المجردة، وإنما يتفاعل أساساً مع درجة الثقة في السياسات العامة ومدى قناعة المجتمع الاقتصادي بقدرة المؤسسات الرسمية على إدارة السوق بصورة مستقرة ومتسقة.

والحقيقة التي تكشفها التجربة السودانية خلال العقود الأخيرة أن السودان لا يواجه في جوهره أزمة سعر صرف بالمعنى التقليدي المعروف في الاقتصاد، وإنما يواجه أزمة إنتاج حقيقية وأزمة إدارة دولة في الوقت نفسه. فكل اقتصاد يعجز عن زيادة صادراته، ويعتمد بصورة مفرطة على الواردات، ويفقد جزءاً من موارده عبر الفساد والتهريب، ويعاني ضعفاً مؤسسياً في إدارة السياسة النقدية، يصل تدريجياً إلى مرحلة يصبح فيها تراجع العملة الوطنية نتيجة طبيعية يصعب وقفها عبر القرارات الجزئية أو المعالجات المؤقتة.

ومن هنا فإن معركة استقرار الجنيه السوداني ينبغي أن تبدأ من إعادة تعريف طبيعة الأزمة نفسها. فالمعركة الحقيقية ليست مع سعر الدولار في حد ذاته، وإنما مع الأسباب البنيوية التي تدفعه إلى الارتفاع بصورة مستمرة. فكل فدان يعود للإنتاج، وكل مصنع يستعيد نشاطه، وكل مشروع تصديري يضيف قيمة مضافة للاقتصاد، وكل سياسة ناجحة لمحاربة الفساد واستعادة الموارد المنهوبة، تمثل في حقيقتها دعماً مباشراً للجنيه السوداني أكثر من كثير من القرارات الإدارية التي ظلت تتكرر لسنوات طويلة دون نتائج مستدامة.

وتؤكد التجارب الحديثة أن قوة العملة الوطنية لا تُبنى داخل مكاتب البنوك المركزية وحدها، وإنما تُبنى أولاً داخل المزارع والمصانع والموانئ ومراكز الإنتاج والاستثمار. ولهذا فإن استقرار سعر الصرف في السودان لم يعد قضية تخص السياسة النقدية وحدها، بل أصبح جزءاً أصيلاً من معركة أوسع تتعلق بقدرة الدولة على إعادة بناء اقتصاد منتج، واستعادة ثقة المستثمرين، ومحاربة الفساد، وإدارة مواردها الوطنية بكفاءة أعلى.

وفي واقع الأمر فإن استمرار التدهور المزمن للعملة الوطنية لا يمثل مجرد مشكلة اقتصادية معزولة، لأن قدرة الدولة على حماية قيمة عملتها تعد في جوهرها أحد أهم تعبيرات السيادة الاقتصادية. فالدولة التي تفقد تدريجياً قدرتها على التحكم في سوق النقد الأجنبي، وتصبح عاجزة عن تمويل احتياجاتها الأساسية دون ضغوط مستمرة على عملتها الوطنية، تدخل عملياً في حالة من التآكل الاقتصادي الذي ينعكس بصورة مباشرة على استقلال قرارها الاقتصادي وقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية بكفاءة واستقرار.

وحين تصل الدول إلى مرحلة يصبح فيها اقتصادها عاجزاً عن إنتاج ما يكفي لتمويل احتياجاته الأساسية، تبدأ مؤشرات الضعف في الظهور تباعاً؛ تتراجع قيمة العملة الوطنية، تضطرب الأسواق، تتآكل القدرة الإنتاجية، وتدخل الدولة تدريجياً في دائرة استنزاف اقتصادي يصعب الخروج منها دون مراجعة شاملة لأسس إدارة الاقتصاد نفسه. ومن هنا تصبح قضية استقرار الجنيه السوداني جزءاً أصيلاً من عملية أوسع تتعلق بإعادة بناء الاقتصاد الوطني نفسه، لأن الاقتصادات التي تعجز عن إنتاج مواردها الذاتية وتظل رهينة البحث المستمر عن العملات الأجنبية، تدخل تدريجياً في مسار من التآكل الاقتصادي الذي يضعف قدرتها على حماية سيادتها وصناعة مستقبلها الوطني المستقل.

اترك رد

error: Content is protected !!