
بعد مرحلة من التباين والضغوط الدبلوماسية بين الخرطوم وواشنطن، اختار رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أن يخاطب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلغة السلام. وفي هذا الاختيار ما يستحق التوقف عنده؛ فالرسالة التي تبدو امتداداً للموقف السوداني المعلن، تحمل في توقيتها ومستوى المخاطبة احتمالاً سياسياً أعمق، يتمثل في سعي الخرطوم إلى إعادة تشكيل علاقتها بواشنطن، والتأثير في الطريقة التي تنظر بها الإدارة الأمريكية إلى الحرب السودانية، بعدما أثارت التطورات الأخيرة تساؤلات حول جدوى أدوات الضغط التي استخدمتها خلال الفترة الماضية. وهكذا تنتقل الرسالة من مجرد إعلان للاستعداد للسلام إلى محاولة محتملة لإعادة ترتيب حسابات العلاقة بين البلدين.
أعلن البرهان أنه بعث رسالة إلى ترامب يؤكد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعداد الحكومة للعمل بنية صادقة مع جميع الأطراف لتحقيق سلام عادل ودائم يصون سيادة البلاد ووحدة أراضيها وكرامة شعبها. وهي صياغة تبدو امتداداً للموقف السوداني المعلن، لكنها تحمل في توقيتها وطريقة توجيهها ما يستحق قراءة أعمق، خاصة أنها تأتي بعد مرحلة اتسمت بتباينات واضحة بين الخرطوم وواشنطن بشأن شروط وقف الحرب والترتيبات الأمنية والسياسية المرتبطة به.
أولى دلالات الرسالة أن البرهان اختار مخاطبة الرئيس الأمريكي مباشرة، ساعياً إلى نقل الموقف السوداني إلى المستوى الرئاسي، وإعادة تقديم رؤيته للسلام أمام مركز القرار السياسي الأمريكي. فالخرطوم ظلت تؤكد استعدادها لإنهاء الحرب، بينما انصب الخلاف مع واشنطن على الكيفية التي يتحقق بها ذلك، والضمانات التي تحول دون أن يصبح وقف إطلاق النار فرصة لإعادة إنتاج الأزمة.
وقد يكون اختيار ترامب تحديداً تعبيراً عن إدراك أن السياسة الأمريكية تتشكل عبر مستويات متعددة من التأثير والقرار، وأن ما تراه بعض دوائر الإدارة ملفاً لإدارة الضغوط قد يراه الرئيس فرصة لتحقيق إنجاز سياسي. فترامب يميل إلى التعامل مع النزاعات من منظور الصفقات والنتائج المباشرة، ويحرص على تقديم نفسه باعتباره قادراً على إنهاء الحروب التي استعصت على المعالجات التقليدية. وبين هذه النزعة الرئاسية والحسابات التي حكمت إدارة الملف السوداني، ربما تبحث الخرطوم عن نافذة لإعادة ترتيب العلاقة على أسس مختلفة.
وقد تمتد دلالات الرسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في المبادرات المتعلقة بالسودان. فإتاحة المجال أمام الخرطوم لعرض موقفها مباشرة على واشنطن قد تمنحها فرصة للتأثير في صياغة المبادرات، إذا تطور الاتصال إلى حوار فعلي. وقد ينعكس ذلك على أدوار الوسطاء وحدود تأثيرهم، دون أن يعني بالضرورة تجاوزهم أو الاستغناء عن المسارات القائمة. فالدولة التي تستطيع عرض رؤيتها بنفسها تصبح أقدر على إدارة علاقاتها وتحديد موقعها داخل التفاهمات المطروحة.
وتزداد أهمية التحرك عند النظر إلى توقيته. فقد شهدت الفترة الماضية تعثراً في المساعي الأمريكية لتوسيع نطاق حظر السلاح، وظهرت تباينات داخل مجلس الأمن بشأن هذا التوجه. ولا توجد معطيات كافية للجزم بأن الرسالة جاءت نتيجة مباشرة لذلك التعثر، غير أن تزامن الحدثين يفتح مجالاً لقراءة سياسية تستحق التأمل. فحين تبلغ أدوات الضغط حدود قدرتها على التأثير، تصبح مراجعة المقاربة الدبلوماسية احتمالاً قائماً، وربما رأت الخرطوم في هذه اللحظة فرصة لطرح تصورها للسلام أمام الرئيس الأمريكي نفسه.
وهنا تتبدل زاوية النظر إلى المشهد؛ فبعد مرحلة حاولت فيها واشنطن التأثير في القرار السوداني، تبدو الخرطوم وكأنها تختبر قدرتها على التأثير في القرار الأمريكي نفسه. وهي مفارقة تكشف احتمال أن تحمل الرسالة من حسابات إدارة العلاقة مع واشنطن أكثر مما تحمله من مجرد إعلان الاستعداد للسلام. فالانفتاح على الطرف الذي مارس الضغوط قد يصبح وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة معه، خاصة حين يقترن بموقف واضح بشأن المبادئ التي تحكم أي تسوية مقبلة.
ومع ذلك، فإن قراءة الرسالة باعتبارها تحولاً في الموقف السوداني تحتاج إلى تحفظ. فالبرهان تحدث عن سلام عادل ودائم، وربطه بالسيادة ووحدة الأراضي وكرامة الشعب. كما أن إعلانه الاستعداد للعمل مع جميع الأطراف لا يكفي لاستنتاج قبول مسار تفاوضي محدد أو التراجع عن الشروط الأمنية التي أعلنتها القيادة السودانية سابقاً. فالنص المنشور يحدد الغاية العامة للسلام، ويترك تفاصيل الترتيبات للمسارات السياسية اللاحقة.
وتحت هذا الحراك الدبلوماسي يبقى السؤال الذي استعصى على المبادرات السابقة: أي سلام يمكن أن يصمد في السودان؟ فوقف إطلاق النار، مهما بلغت أهميته الإنسانية، يحتاج إلى ترتيبات تعالج وجود التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، وتضمن حماية المدنيين ووحدة القرار العسكري، وتهيئ البيئة لعملية سياسية سودانية واسعة. وأي تفاهم يتجاوز هذه المسائل سيظل معرضاً للاهتزاز، مهما بلغت قوة الضمانات المصاحبة له.
أما من زاوية الحسابات الأمريكية، فإن السؤال يتعلق بما قد يدفع ترامب إلى الاستجابة. فتحقيق اختراق دبلوماسي في حرب استعصت على المبادرات السابقة قد يمنحه إنجازاً يتسق مع الصورة التي يسعى إلى ترسيخها عن قدرته على إنهاء النزاعات. كما أن استقرار السودان يرتبط بمصالح أمريكية تشمل أمن البحر الأحمر، والتوازنات في القرن الأفريقي، والموارد الزراعية والمعدنية، وفرص التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار. وقد تفتح هذه الاعتبارات مجالاً لمقاربة مختلفة، إذا وجدت واشنطن في الانفتاح السوداني فرصة لتحقيق نتائج ملموسة. غير أن تحويل هذه المصالح إلى حوافز سياسية يتطلب من الخرطوم تقديم تصور قابل للتنفيذ، يربط الاستقرار الأمني بفرص التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة.
لكن الانتقال من الرسائل إلى التفاهمات يتطلب رؤية سودانية متماسكة تحدد الأولويات والضمانات والترتيبات الأمنية، وتربط إنهاء الحرب باستعادة الاستقرار وبناء التوافق الوطني. وفي المقابل، سيكشف رد واشنطن وما يتبعه من خطوات مدى استعدادها لمراجعة مقاربتها وفهم تعقيدات الواقع السوداني. وهنا تبرز قيمة الرسالة باعتبارها فرصة لاختبار النوايا، وقياس المسافة بين إعلان الاستعداد للسلام والاتفاق على شروط تحقيقه.
لقد كتب البرهان إلى ترامب بلغة السلام، ووضع السيادة ووحدة السودان وكرامة شعبه في صلب الرسالة. وبين ما أرادت الخرطوم قوله وما ستختار واشنطن سماعه، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فالرسائل تستطيع فتح الأبواب المغلقة، لكنها لا تضمن ما ينتظر أصحابها خلف تلك الأبواب. وربما كان الاختبار الحقيقي لهذه الرسالة أن تنجح في تغيير طريقة تفكير واشنطن في السودان، قبل أن تطلب واشنطن من السودان تغيير مواقفه.



