
يتجاوز الجوار حدوده الجغرافية الضيقة القائمة على تلاصق الجدران أو المصادفة الهندسية التي تجمع منازل متجاورة في أي خطة سكنية ….
_ فهو في حقيقة أصله بناء إنساني وركيزة قيمية عميقة تتكشف فيها حقيقة الذوق الجمعي ومدى نضج الضمير الاجتماعي والأخلاقي لدى الأفراد والمجتمعات .
ويبدو لي أن حًسن الجوار في جوهره هو التجلي الأبهى للسكينة الاجتماعية بل والأمان النفسي الذي يمنح الفرد شعور ثابت بالطمأنينة .
والجار الصالح ليس هو الملاذ الأول عند الخطوب والنائبات فحسب … بل هو الحارس الخفي لسكن الأرواح وراحة بال أهل الحي والسلطة الناعمة التي تشبع اللياقة والسلام والايجابية في الفضاء اليومي .
وفي هذا المجال المشترك يتجاوز مفهوم حق الجار العواطف المجردة ليتجسد في ممارسات واعية وسلوكيات دقيقة تبدأ من مراعاة الخصوصية وحرمة البيوت ، ولا تقف عند خفض الصوت والتفقد اللطيف واحترام الفضاء العام ، بل تمتد لتصنع مناخ يتنفس الاحترام والتكافل دون كُلفة أو تصنع .
ولم تكن هذه القيم وليدة مصادفة _ بل اختبرتها الشرائع وسجلتها ثقافة الأمم والشعوب عبر التاريخ كمعيار حضاري تقاس به مروءة الأفراد ورقي المجتمعات …
فالحضارات الحية هي التي جعلت من مفهوم الجوار قاعدة سلوكية ومبدأ حاكم فأحاطت المجاورة بهالة من التعظيم وجعلت حماية الجار وإكرامه وصون كرامته جزءاً لا يتجزأ من هويتها الناصعة ورصيدها الأخلاقي و يتبدى ذلك في قول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهما
(مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) .
ولعله من الملاحظ و المعايش اليوم أن الحياة تضعنا أمام تحولات عصرية تضع العزلة الفردية أمام مسؤولية أخلاقية متجددة تقتضي منا إدراك أن الفضاء المشترك بين البيوت هو ملكية وجدانية للجميع _
وإن استدامة حُسن الجوار تتطلب وعي فردي يترجم حقوق الجار إلى سلوك يومي تلقائي يُسهم في حراسة النسيج الاجتماعي من التفكك _ ويَحُول بين الأحياء السكنية وبين الجفاف الروحي .
ومع تسارع أنماط الحياة وتمدد الفضاءات العصرية هذه يظل حُسن الجوار هو البوصلة التي تعيد للإنسان اتزانه وانسجامه _ وتضمن ألا تتحول الأحياء والمدن إلى كتل خرسانية صامتة …
بل إلى مجتمعات حية نابضة بالسكينة _ يتكامل فيها الجمال المعماري مع لياقة السلوك البشري لنمنح انفسنا بيئة إنسانية رفيعة تليق بكرامة الإنسان وخيريته .
ونواصل .



