الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

البرهان إلى موسكو… ماذا ينبغي أن يحمل في حقيبته الاستراتيجية؟

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تتجه الأنظار إلى موسكو مع الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، وسط تقاطع ضرورات الحرب السودانية مع تحولات النظام الدولي، وتصاعد التنافس على النفوذ في أفريقيا والبحر الأحمر. غير أن السؤال الأهم يتعلق بما ينبغي أن يحمله البرهان إلى القيادة الروسية، ومدى امتلاك الخرطوم تصوراً يحوّل هذه المحطة الدبلوماسية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.

فالسودان يذهب إلى موسكو مثقلاً بتداعيات حرب استنزفت موارده وأضعفت اقتصاده، لكنه يمتلك مقومات جيوسياسية واقتصادية تمنحه أهمية في حسابات القوى الدولية. وهذه المفارقة تفرض الانتقال من دبلوماسية البحث عن المساندة إلى دبلوماسية المصالح المتبادلة، ومن إدارة العلاقات الخارجية تحت ضغوط الحرب إلى توظيفها ضمن مشروع وطني لإعادة بناء الدولة.

وتبدأ هذه الرؤية بفهم المصالح الروسية في السودان. فموسكو تنظر إلى موقعه على البحر الأحمر وموارده الاقتصادية وفرص التعاون العسكري ضمن حسابات حضورها الأفريقي. وفي المقابل، يحتاج السودان إلى الدعم السياسي والتكنولوجيا والاستثمارات والشراكات الدفاعية. غير أن امتلاك الموقع والموارد لا يمنح الدولة قوة تفاوضية تلقائية؛ إذ تتحدد قيمة هذه المقومات بوجود رؤية وطنية ومؤسسات قادرة على إدارتها، وبدائل تفاوضية تمنع الارتهان لشريك واحد.

وفي مقدمة ما ينبغي أن يحمله البرهان رؤية سياسية واضحة لمستقبل السودان، تتجاوز طلب الدعم الدبلوماسي إلى تفاهمات حول المبادئ الحاكمة لإنهاء الحرب. فروسيا، بعضويتها الدائمة في مجلس الأمن وموقفها المعلن من سيادة السودان ووحدة مؤسساته، تمثل طرفاً مؤثراً في المعادلات الدولية. والاستفادة من هذا الموقع تقتضي طرح تصور يربط وقف الحرب بحماية المدنيين، وإنهاء التدخلات الخارجية، ومنع تدفق السلاح والمرتزقة، وإخضاع القوة المسلحة لسلطة الدولة، وتهيئة الظروف لحوار وطني جامع يؤسس لنظام دستوري يحظى بقبول السودانيين.

وتكتسب العلاقة مع موسكو أهمية إضافية في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة على السودان، وتباين المواقف بشأن العقوبات وحظر السلاح ومسارات التسوية السياسية. غير أن الاستفادة من الموقف الروسي تقتضي تجنب تحويل العلاقة إلى مواجهة بالوكالة مع واشنطن؛ فالسودان يحتاج إلى توسيع هامش حركته الدولية وإدارة خلافاته مع الولايات المتحدة دون إغلاق مسارات التواصل معها. وتكمن أهمية الشراكة الروسية في تعزيز قدرة الخرطوم على التفاوض من موقع تتعدد فيه الخيارات، دون استبدال الارتهان لطرف دولي بآخر.

أما التعاون العسكري، فينبغي أن يحتل موقعاً متقدماً في المباحثات، بالنظر إلى الإرث الطويل للعلاقات الدفاعية بين البلدين. لكن مقتضيات المرحلة تستدعي الانتقال من صفقات التسليح إلى شراكات تشمل نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتطوير الدفاع الجوي، وتأهيل الكوادر الهندسية والفنية، وبناء قدرات وطنية للصيانة والإسناد. فقد كشفت الحرب أن الاستقلال الدفاعي يرتبط بامتلاك القدرة على تشغيل المعدات وتطويرها واستدامة إمداداتها، بقدر ارتباطه بالحصول عليها.

ويبرز البحر الأحمر باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الخرطوم وموسكو. فاهتمام روسيا بالحضور البحري يرتبط بمصالحها الممتدة نحو المحيط الهندي وطرق التجارة الدولية، بينما يمنح الساحل السوداني البلاد موقعاً مهماً في معادلات الأمن البحري والتوازنات الإقليمية. وهنا ينبغي أن يحمل البرهان تصوراً متكاملاً يحدد حدود التعاون وضماناته، ويربط أي ترتيبات عسكرية أو لوجستية بالمصالح السيادية والتنموية للسودان، ويخضعها للأطر القانونية والمؤسسية المختصة.

وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى موقع البحر الأحمر في الاستراتيجيات الأمريكية، إذ تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر 2025م أهمية استمرار الملاحة فيه، بينما تضع التوجهات الدفاعية الأمريكية التنافس مع القوى الكبرى ضمن حساباتها الأمنية الأوسع. ومن ثم فإن أي ترتيبات بحرية مع موسكو تستوجب تقديراً دقيقاً لردود الفعل الأمريكية وانعكاساتها على علاقات السودان الإقليمية والدولية. فالمطلوب أن يحافظ السودان على حقه السيادي في تنويع شراكاته، وأن يدير هذا الحق بحسابات تمنع تحول موقعه البحري إلى مصدر استقطاب يضاعف أعباءه الأمنية والسياسية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ينبغي أن تتضمن حقيبة البرهان مشروعات تتجاوز مذكرات التفاهم إلى برامج استثمارية قابلة للتنفيذ، تشمل الزراعة والأسمدة والتعدين والطاقة والسكك الحديدية والموانئ والصناعات التحويلية. ولروسيا خبرات يمكن الاستفادة منها في هذه القطاعات، شريطة أن تستند الشراكات إلى دراسات جدوى وتمويل واضح وضمانات قانونية، وأن تحقق قيمة مضافة داخل الاقتصاد السوداني.

وفي المقابل، فإن استمرار الدعم السياسي الروسي يطرح ضرورة بناء مصالح متبادلة تمنح العلاقة مقومات الاستدامة. ويمكن للسودان تقديم حوافز استثمارية مدروسة في القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، وتوسيع فرص التعاون الصناعي والتكنولوجي، وفق اتفاقيات شفافة تحقق عائداً للطرفين. فالشراكات الاستراتيجية تحتاج إلى مصالح اقتصادية ملموسة، مع ضرورة الفصل بين التقدير السياسي للمواقف الروسية وبين منح امتيازات سيادية أو اقتصادية لا تستند إلى جدوى وطنية واضحة.

غير أن تقدير هذه الفرص يستوجب مراعاة القيود المالية والاقتصادية التي تواجه روسيا، وما تفرضه العقوبات الدولية والتزاماتها الاستراتيجية من تحديات أمام تمويل المشروعات وتنفيذها. ولذلك ينبغي اختبار جدوى التعهدات وتحديد مصادر التمويل، بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو الاكتفاء بالإعلانات السياسية.

وتقتضي القراءة الاستراتيجية التمييز بين احتياجات السودان العاجلة ومتطلبات إعادة بنائه. ففي المرحلة الراهنة، تتقدم أولويات الدعم الدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية وتأمين الاحتياجات الاقتصادية الحيوية، بينما تتجه الشراكات طويلة المدى نحو إعادة الإعمار واستعادة الإنتاج وتطوير القاعدة الصناعية والتكنولوجية. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول ضرورات الحرب إلى التزامات تقيد خيارات الدولة المستقبلية.

وتتيح القمة كذلك فرصة لإعادة تنشيط الحضور السوداني في أفريقيا، وتوسيع التواصل مع قادتها، ومعالجة التباينات المتعلقة بالحرب وأمن الحدود والتدخلات الخارجية. فنجاح التحرك نحو موسكو يرتبط أيضاً بقدرة السودان على بناء تفاهمات إقليمية تحد من امتدادات الحرب وتدعم استقراره.

وتلتقي هذه الملفات عند قضية أعمق تتعلق بطبيعة السياسة الخارجية السودانية. فالعلاقة مع روسيا ينبغي أن تكون جزءاً من شبكة شراكات متوازنة تشمل الصين وتركيا ومصر والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بما يحفظ استقلال القرار الوطني ويوسع خيارات السودان في مواجهة الاستقطاب الدولي.

ولتحويل التفاهمات إلى نتائج، تبرز الحاجة إلى آلية مؤسسية سودانية روسية مشتركة، تتولى متابعة الاتفاقيات وفق أولويات وجداول زمنية ومؤشرات أداء واضحة، مع ضمان المراجعة الفنية والمالية والقانونية. فالعلاقات الاستراتيجية تقاس بقدرة المؤسسات على تنفيذ الالتزامات واستدامة التعاون، وليس بعدد الاتفاقيات الموقعة.

وعليه، فإن الحقيبة التي ينبغي أن يحملها البرهان إلى موسكو تتطلب رؤية دولة، ومشروعات مكتملة، وأولويات واضحة، وتفويضاً مؤسسياً يضمن اتساق التفاوض مع المصالح الوطنية. فنجاح الزيارة يرتبط بقدرة السودان على تحديد ما يريده من روسيا، وفهم ما تريده روسيا منه، وإدارة المسافة بين المصلحتين دون إخلال بالتوازنات التي تحكم أمنه القومي.

إن التحدي الذي يواجه السودان في موسكو يتجاوز الحصول على دعم روسي في معركته الراهنة إلى تحديد موقعه في نظام إقليمي ودولي يعاد تشكيله. فالدول التي تدخل تحولات النظام الدولي دون رؤية مستقلة قد تجد نفسها جزءاً من استراتيجيات الآخرين، بينما تستطيع الدول التي تدرك قيمة موقعها ومواردها أن تتحول من ساحة للتنافس إلى طرف مؤثر في صياغة التوازنات.

الأحد، 25 أكتوبر 2026م

اترك رد