الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

الانتقال من القاع إلى بر الأمان: التحول الرقمي ونهوض الدولة السودانية

محمد الحاج

تمر الدول في مسيرتها التاريخية بمحطات مفصلية تفرض عليها إعادة النظر في أساليب الإدارة وأدوات التخطيط وآليات تقديم الخدمات. وغالباً ما تكون الأزمات الكبرى هي المحرك الحقيقي لعمليات الإصلاح الشامل، لأنها تكشف مواطن الخلل، وتبرز الحاجة إلى بناء نماذج أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع المتغيرات. والسودان اليوم يقف أمام واحدة من هذه اللحظات التاريخية الفارقة، حيث فرضت الحرب واقعاً جديداً ألقى بظلاله على مؤسسات الدولة والاقتصاد والبنية الخدمية، وفي الوقت نفسه أتاح فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة وفق أسس حديثة تتجاوز تحديات الماضي وتستجيب لمتطلبات المستقبل.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز التحول الرقمي باعتباره المدخل الأكثر فاعلية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة الموارد وتقديم الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة. غير أن التحول الرقمي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعاً تقنياً أو عملية إدخال أنظمة إلكترونية حديثة، وإنما باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة هندسة الدولة ومؤسساتها من خلال توظيف التكنولوجيا والبيانات لرفع الكفاءة وتحسين الأداء وتعزيز الشفافية ودعم اتخاذ القرار

.ومن هنا فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه الدولة هو التعامل مع التحول الرقمي باعتباره عملية شراء أنظمة وبرمجيات قبل فهم الواقع الذي ستعمل فيه هذه الأنظمة. فنجاح التحول الرقمي لا يبدأ من التكنولوجيا، بل يبدأ من دراسة الحالة الوطنية بكل أبعادها الإدارية والتشريعية والاقتصادية والتنظيمية. لذلك فإن الخطوة الأولى في بناء نموذج سوداني للتحول الرقمي يجب أن تتمثل في إجراء دراسة وطنية شاملة لتقييم واقع المؤسسات الحكومية، وتحليل الإجراءات القائمة، ومراجعة التشريعات والأنظمة، ورصد التحديات والفرص، ووضع تصور واضح للفجوات التي تفصل بين الوضع الحالي والرؤية المستقبلية للدولة.

إن أهمية هذه المرحلة تكمن في أنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه جميع المراحل اللاحقة. فالتجارب الدولية الناجحة لم تبدأ بتنفيذ المشاريع التقنية، وإنما بدأت بإعداد دراسات دقيقة للواقع، أعقبها بناء استراتيجيات وطنية واضحة المعالم، تحدد الأولويات وتوحد الجهود وتمنع تضارب المبادرات وتكرار الإنفاق. وفي المقابل، فإن تجاوز هذه المرحلة يقود عادة إلى حالة من “رقمنة الفوضى”، حيث يتم تحويل الإجراءات التقليدية إلى إجراءات إلكترونية دون معالجة أوجه القصور الموجودة فيها، فتنتقل المشكلات من البيئة الورقية إلى البيئة الرقمية دون تحقيق قيمة حقيقية للمواطن أو للمؤسسة.

وتتضاعف أهمية هذا الأمر في السودان بسبب تداخل الأدوار بين عدد كبير من المؤسسات والجهات الفاعلة، إضافة إلى التحديات التي فرضتها الحرب على البنية المؤسسية والخدمية. ولذلك فإن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي يجب أن يقوم على مبدأ التكامل المؤسسي لا العمل المنفرد، وأن يخضع منذ البداية لإطار وطني للحوكمة يضمن توحيد الرؤى والمعايير وتنظيم العلاقة بين مختلف الأطراف المشاركة في العملية.

ويأتي القطاع المالي في قلب هذا التحول باعتباره المحرك الرئيسي للاقتصاد الرقمي وأحد أهم عناصر استقرار الدولة الحديثة. فقد أثبتت التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة أن الخدمات المالية الرقمية كانت من أكثر القطاعات قدرة على الصمود والاستمرار في تقديم خدماتها رغم الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد. إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الحلول الجزئية والمتفرقة إلى بناء منظومة مالية رقمية متكاملة تقوم على الربط بين البنك المركزي والمصارف التجارية وشركات الاتصالات والجهات الحكومية ومقدمي الخدمات المختلفة ضمن إطار موحد لتبادل البيانات والمعاملات.

ولا يقتصر هذا التكامل على المدفوعات والتحويلات الإلكترونية، بل يجب أن يمتد ليشمل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية والأنظمة الضريبية والجمركية وسجلات الأعمال والخدمات الحكومية المختلفة، بما يضمن بناء قاعدة بيانات وطنية مترابطة تدعم اتخاذ القرار وتزيد من كفاءة الإدارة العامة وتوفر بيئة أكثر جذباً للاستثمار والتنمية الاقتصادية.

غير أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب وجود أساس مهني متين يتمثل في عملية الاستشارات. فالاستشارات ليست مرحلة ثانوية أو إجراءً شكلياً يسبق التنفيذ، وإنما هي القاعدة التي يُبنى عليها مشروع التحول الرقمي بأكمله. ومن خلالها تُصاغ الرؤية الوطنية، وتُحدد الأولويات، وتُوضع النماذج التشغيلية، وتُبنى خارطة الطريق، وتُصمم مؤشرات الأداء وآليات المتابعة والتقييم.

ولهذا فإن السودان يحتاج إلى الاستفادة من الخبرات الدولية المتخصصة في قيادة مشاريع التحول الرقمي على مستوى الدول، من خلال التعاقد مع جهة استشارية عالمية تمتلك سجلاً عملياً مثبتاً في هذا المجال. إلا أن دور هذه الجهات يجب أن يكون قائماً على الشراكة ونقل المعرفة وليس الحلول محل المؤسسات الوطنية. فالتجارب الناجحة تثبت أن أفضل النتائج تتحقق عندما تتكامل الخبرات الدولية مع المعرفة المحلية، حيث توفر الجهات الوطنية الفهم العميق للبيئة السودانية وتعقيداتها التشريعية والتنظيمية، بينما تقدم الجهات الدولية الخبرات المتراكمة والمنهجيات الحديثة وأفضل الممارسات العالمية.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تكون عملية الاستشارات حكراً على جهة بعينها داخل الدولة، لأن التحول الرقمي بطبيعته مشروع وطني متعدد الأبعاد والقطاعات. ولذلك فإن المنهج الصحيح يتمثل في بناء منظومة استشارية متكاملة تضم الجهات الحكومية المختصة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث والشركات الاستشارية الوطنية والدولية في إطار واحد يخضع لرؤية وطنية موحدة.

وعند الحديث عن التنفيذ، لا بد من الإشارة إلى أن التوسع في إنشاء كيانات أو شركات حكومية جديدة لتولي أدوار التحول الرقمي قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادة التعقيد المؤسسي وتداخل الاختصاصات وازدواجية الأدوار. ولذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لبناء شراكات فعالة بين القطاع العام والقطاع الخاص بدلاً من خلق هياكل جديدة قد تضيف مزيداً من الأعباء الإدارية والتنظيمية.

فالقطاع العام مسؤول عن وضع السياسات والتشريعات والمعايير الوطنية وضمان العدالة والاستدامة، بينما يمتلك القطاع الخاص القدرة على الابتكار والمرونة وسرعة التنفيذ والخبرة التقنية المتخصصة. وعندما يعمل الطرفان ضمن إطار استراتيجي موحد وتحت مظلة حوكمة واضحة، تصبح عملية التحول الرقمي أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على تحقيق أهدافها التنموية والاقتصادية.

إن بناء الدولة الرقمية السودانية لا يبدأ من المنصات والتطبيقات، بل يبدأ من الحوكمة. فقبل إطلاق أي مشروع رقمي يجب تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، وتنظيم إدارة البيانات، ووضع المعايير الوطنية، وبناء آليات المتابعة والتقييم، وضمان تكامل الجهود بين مختلف الأطراف. فعندما تكون الحوكمة واضحة، تصبح التكنولوجيا أداة فعالة لتحقيق الأهداف الوطنية، أما في غيابها فإن أفضل التقنيات قد تتحول إلى عبء إضافي يفاقم المشكلات القائمة.

وعليه، فإن الطريق نحو نهوض الدولة السودانية عبر التحول الرقمي يبدأ بدراسة علمية دقيقة للحالة السودانية أولاً ، تليها عملية حوكمة شاملة للتوجهات الاستراتيجية للدولة، ثم الاستعانة بخبرات استشارية دولية تتكامل مع الخبرات الوطنية، وبناء شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ رؤية وطنية موحدة. وعندها فقط يصبح التحول الرقمي مشروعاً لإعادة بناء الدولة لا مجرد مشروع تقني، فان السودان اليوم يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من واقع الأزمات إلى بر الأمان عبر مشروع وطني شامل يقود إلى دولة أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على خدمة مواطنيها.

اترك رد

error: Content is protected !!