الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الأمير الوالد حمد بن خليفة… إرث الدولة وأثر القيادة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليس كل رحيل قائدٍ نهاية؛ فثمة قادة يرحلون عن الدنيا بعدما يكونون قد أعادوا تشكيل أوطانهم، حتى يصبح حضورهم ممتدًا في كل مؤسسة شيدوها، وكل فكرة غرسوها، وكل مكانة بلغوا بها أوطانهم بين الأمم. ومن هؤلاء القادة الكبار كان المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي رحل عن الدنيا في الثاني عشر من يوليو 2026م، تاركاً وراءه حزناً عميقاً في قطر، وذكراً طيباً في العالم العربي، وإرثاً سياسياً وتنموياً وإنسانياً يصعب اختزاله في سنوات الحكم أو حدود الجغرافيا.

لم يكن الأمير الوالد مجرد حاكم أدار شؤون دولة، وإنما كان قائد تحول تاريخي أدرك مبكراً أن ثروات الأرض، مهما عظمت، لا تصنع وحدها دولة متقدمة، ما لم تتحول إلى تعليم راسخ، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد قوي، وإنسان قادر على صناعة المستقبل. وقد جمع في قيادته بين جرأة القرار، وبعد النظر، والقدرة على استشراف التحولات، والإيمان باستقلال الإرادة الوطنية، فقاد قطر منذ توليه الحكم عام 1995م إلى مرحلة جديدة، انتقلت فيها من دولة محدودة التأثير إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية وإعلامية ذات حضور يتجاوز مساحتها وعدد سكانها.

وكان تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال أحد أعمدة ذلك التحول. فقد أحسن توظيف ما تملكه قطر من موارد، وحول الغاز من ثروة كامنة إلى ركيزة لقوة اقتصادية عالمية، مكّنت الدولة من بناء احتياطياتها، وتوسيع استثماراتها، وتحديث بنيتها التحتية، وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارها المستقل. ولم يكن هدفه زيادة الدخل وحدها، بل استخدام عائدات الطاقة في تأسيس دولة حديثة قادرة على الجمع بين الرفاه الاقتصادي والاستدامة والتأثير الدولي. وفي عهده غدت قطر إحدى القوى العالمية الرائدة في صناعة الغاز الطبيعي المسال، بعد أن أحسن توظيف هذه الثروة في خدمة مشروع الدولة والتنمية.

وفي موازاة بناء الاقتصاد، أولى الأمير الوالد الإنسان والتعليم عناية استثنائية. فكان تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، بالشراكة مع صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، تعبيراً عن رؤية تتجاوز التعليم التقليدي إلى بناء مجتمع المعرفة. ومن تلك الرؤية نمت المدينة التعليمية، التي تحولت من مدرسة واحدة إلى صرح علمي وبحثي يمتد على مساحة واسعة، ويضم جامعات ومؤسسات تعليمية وبحثية عالمية، لتصبح أحد أبرز معالم القوة الناعمة القطرية، ومنارة تستقطب العقول من قطر والمنطقة والعالم.

وجاء إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030 في العام 2008م ليمنح مشروع النهضة إطاراً استراتيجياً طويل الأجل، يقوم على أربعة أركان مترابطة: التنمية البشرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية. وبذلك لم تعد التنمية في قطر مجموعة مشروعات منفصلة، بل أصبحت مشروع دولة متكاملاً، يوازن بين النمو والمحافظة على الهوية، وبين استثمار الثروة وتنويع الاقتصاد، وبين تقدم الحاضر وصيانة حقوق الأجيال المقبلة.

ولعل أعظم ما ميّز مشروعه أنه لم يكن مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل مشروعاً لبناء دولة حديثة تستثمر في الإنسان قبل الحجر، وفي المستقبل قبل الحاضر.

كما نجح الأمير الوالد في بناء دولة عرفت بالاستقرار والتنمية، وسعت إلى ترسيخ كفاءة الإدارة، وتحديث التشريعات، وتعزيز المؤسسات، والانفتاح على العالم. وفي عهده توسعت البنية التحتية، وتطورت الخدمات الصحية والتعليمية، ونمت الاستثمارات السيادية، وأصبحت الدوحة مركزاً عالمياً للإعلام والرياضة والثقافة والمؤتمرات الدولية.

ولم يقف طموحه عند حدود البناء الداخلي؛ فقد أراد لقطر أن تكون دولة فاعلة في صناعة السلام، لا مجرد مراقب للأزمات. فتبنت الدوحة نهج الحوار والوساطة وتقريب وجهات النظر، وأصبحت مساحة تلتقي فيها الأطراف المتنازعة عندما تضيق بها المسارات الأخرى. ومن خلال هذه الدبلوماسية، أثبت الأمير الوالد أن الدولة لا تحتاج إلى اتساع الجغرافيا كي تصنع تأثيراً واسعاً، وإنما تحتاج إلى وضوح الرؤية، ومرونة الحركة، والمصداقية، والقدرة على تحويل مواردها إلى أدوات للسلام والتعاون.

وكان السودان حاضراً في صدارة اهتمام الأمير الوالد، فلم تكن علاقته به علاقة وسيط يؤدي مهمة سياسية، وإنما علاقة قائد آمن بأن استقرار السودان جزء من استقرار الإقليم، وأن السلام الحقيقي يبدأ بالحوار ولا يكتمل إلا بالتنمية، ولعل ذاكرة السودانيين ستظل تحفظ ما بذله من جهد صادق من أجل إنهاء النزاع في دارفور. فقد رعت قطر، في عهده، مفاوضات طويلة وشاقة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، ووفرت لها المنبر السياسي والدعم الدبلوماسي، حتى أثمرت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011م. وقد أقر الاتفاق نفسه بالدور المحوري للأمير الشيخ حمد بن خليفة في تيسير عملية السلام، كما أشادت الأمم المتحدة بالدعم القطري للمفاوضات التي قادت إلى توقيع الوثيقة.

ولم يكن اهتمامه بالسودان مجرد وساطة تنتهي بالتوقيع على الاتفاقيات؛ بل ارتبط برؤية للانتقال من الحرب إلى التعافي، ومن الإغاثة إلى التنمية، ومن معالجة نتائج النزاع إلى إعادة بناء المجتمعات المتضررة. لذلك دعمت قطر مشروعات الإعمار والخدمات والتنمية في دارفور، وأسهمت في بناء القرى والمرافق، وتشجيع العودة والاستقرار، في محاولة لمنح السلام مضموناً اقتصادياً واجتماعياً يحميه من الانهيار. وقد تأسست لاحقاً آليات أممية لدعم التعافي وإعادة الإعمار في دارفور استناداً إلى أهداف وثيقة الدوحة.

كما احتضنت الدوحة مؤتمر المانحين لإعمار دارفور، وقدمت دعماً مالياً وتنموياً سخياً، عكس قناعة الأمير الوالد بأن السلام لا يكتمل بتوقيع الاتفاقيات وحدها، وإنما يترسخ بالتنمية وإعادة بناء الإنسان والمجتمع.

والأثر الأعمق للأمير الوالد أنه لم يجعل العلاقة مع السودان موقفاً عابراً أو مجاملة سياسية، بل أسهم في تثبيت بوصلة قطرية ترى في استقرار السودان ووحدته وتنميته مصلحة عربية وإقليمية. وقد استمر هذا النهج في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لأن العلاقات التي تبنى على المؤسسات والقيم والمصالح المشتركة تكون أقدر على البقاء من العلاقات التي ترتبط بالأشخاص والظروف.

وكان تنازله الطوعي عن الحكم لنجله في الخامس والعشرين من يونيو 2013م واحداً من أكثر قراراته دلالة على ثقته في الدولة التي بناها. فقد قدم نموذجاً نادراً في انتقال المسؤولية إلى جيل جديد، مؤكداً أن القيادة ليست تشبثاً بالسلطة، وإنما تأسيس للاستمرارية. وبعد انتقال الحكم، ظل الأمير الوالد رمزاً للحكمة والخبرة، وحاضراً بمكانته المعنوية، بينما واصل الأمير الشيخ تميم المسيرة، وحفظ لقطر نهجها التنموي واستقلال قرارها وحضورها الدولي.

ترحل الأجساد، لكن القادة الكبار لا يغيبون عن التاريخ؛ لأنهم يتركون وراءهم دولاً أقوى، ومؤسسات أرسخ، وشعوباً أكثر ثقة بالمستقبل. وهكذا كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ لم يورث قطر ثروة فحسب، بل ورثها مشروع دولة، وترك للعالم نموذجاً في القيادة، وللسودان صفحة مضيئة من الوفاء والدعم ستظل محفوظة في ذاكرته الوطنية. ذلك أن الأوطان تحفظ أسماء قادتها بعظمة ما بنوه، وعمق ما غرسوه، وامتداد ما تركوه من أثر.

رحم الله الأمير الوالد رحمة واسعة، وجزاه عن قطر وأهلها، وعن السودان وشعبه، وعن أمتيه العربية والإسلامية خير الجزاء، وألهم أسرته الكريمة، وصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وقيادة قطر وشعبها الشقيق، جميل الصبر وحسن العزاء.

اترك رد

error: Content is protected !!