دهاليز / علي مهدي

إشهار مركز مهدي للفنون في نيويورك يتزامن مع عودة المراكز الثقافية الأمريكية في الخرطوم وبورتسودان 

علي مهدي نوري

العلاقات الثقافية السودانية – الأمريكية ازدهرت في أكثر أوقات السياسة تعقيداً ومُقاطعة 

مهرجان البقعة الدولي.. المسرح استضاف أول عرض مسرحي أمريكي.. ومسرح لماما في نيويورك استضاف أول عرض مسرحي سوداني – عربي أفريقي

عرض فرجة (بين سنار وعيذاب) في الجنينة دار اندوكا ومنها إلى نيويورك ومُدن أمريكية أخرى كان مفتاحاً للعروض العربية الأفريقية بمسارح أمريكا والغرب الكبير 

اتفاقيات التعاون المُشتركة أسهمت في تقديم خمسة عُروضٍ مسرحيةٍ لمسرح البقعة في ثلاث مدن أمريكية “نيويورك.. فرجينيا ونيوجرسي” وتصوير أول فيلمين في مُدن أمريكية (عروس النيل) 

تحية واحتراماً،،،

عُدت يا سادتي منها دار اندوكا، بعد أن أمتعت القلب العليل لأيام، تمنّيت لو طالت أكثر. ومشيت في جنينة السلطان، أمتِّع روحي قبل عيني بالمتاح من تواريخ الوطن الكبير، حدّادي مدّادي، لا فيه غير الخير لأهله والجيران، وما لم يكتب أكثر من الذي يُسجّل بتعثر، يظل يشعل في مناحي الظلام، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ويحجب نور التعايش المُمكن.

ولأنّها جنينة السُّلطان، كانت نقطة بداية أهم في تواريخ فنون المسرح السُّوداني والعربي الأفريقي، منها انطلقت عروض مسرح البقعة بعد نجاح عُروضه فيها لأيّام. والتواريخ غير بعيدة، عقد ونصف أول منه، أو قل عقدين من الزمان، يوم جئتها والخُطط قبل الفكرة تلمع. كيف يُمكن أن نسهم نحن أهل الإبداع في إيقاف النزاعات الماثلة؟ والوطن كله جروحٌ. أين ما أنظر دماء بلا معنى تسيل. فتخيّل الموت الواحد، سلسلة من عذابات، تتّصل كُلّما توغّلت في مناحيها، صحراء أو غاب، أو سهل تمشي فيه الأرواح قبل أهلها هلعاً. والمُبادرة الفكرة (مسرح في مناطق النزاع) ماثلة، أخزنها أول مرة إلى (أمريكا لاتينية، المكسيك).

وأنا فيها أي تواريخ معها، ومدينة زُرتها، واحتفوا بي، أهلها من أهل السودان، الفرقة الأولى التي سَافرت بحرًا من الإسكندرية لشهور، تسهم مع تحالف كبير عالمي، بنى لهزيمة رياح ثورة المواطنين أصحاب الأرض، وتلك حكاية أخرى. وقف جنود السودان كما همُّوا في كل الأزمان. وانتصروا، وسكنوا هناك ما عادوا. فدخلتها المدينة، والاسم الرابع  موسى، سوداني عند العمد عباس بن من؟ هنا تقف الأسماء وتخرج الصفات. فيه بعضٌ من أهلي وطبعه، وناس يحكي كما الأبنودي، أو في جمال القدال، عليهما الرحمة. ويومها لما وقفت في المؤتمر الثاني في سلسلة مُشاركاتي لأعمال الهيئة الدولية للمسرح كان بعض أهلي (المكسيك السوادنة) حاضرين، فأخذت المُبادرة منهم، بعض حرصهم على السلام والتعايش، كما فعلوها قبل سنوات، جاءوا مُحاربين، ثم سكنت الحرب، فسكنوا، بشر، فإنهم بشرٌ في سحنات أهلي هنا، يوم أخرج وحدي أتجوّل في الوادي والقرى، أعود كلي إصرارا على المشاركة في إحلال السلام، وإن صعبت الأمنيات، لكنها غير بعيدة. 

زُرت في الظهيرة ميدان (السادات البرهانية) يتوسط الجنينة، ونظرت في الأنحاء، ورجعت أبحث عن تصاويري القديمة، هنا جلس فريق التشخيص، والأزياء كلها في وسط الدائرة، تحت الساري لا أبواب أو كواليس، فضاء وسيع تلك الأمسية، والدنيا رمضان، والوقت مضى بنا، قلق ما قبل العرض يلفني، وانظر فيها سماء (دار اندوكا) بلا ظلال، ولا سحابة. ونجمات باسقات، تلمع في البعيد، كما أطراف الحِنّة في يد كما العرجون، تتسنى وتستوي، وفي كل حركة تميل الأرض معها وبعض من السماء، إذا أمعنت الخيال، ستمتع القلب لا العقل، والحِنّة حمراء قبل أن تسوّد، وتحيل اليد البهية، كل أنغام الجمال فيها، وضوضاء الجمهور من أين أتى؟ لا تعرف لحظتها، من يجلس إلى مَن ويرتب؟ والشرطة ورجل التنظيم اختفوا بين الجمهور العريض. نعم كان باتّساع المَكان وأكثر، وفي كل لحظة يزدادوا عدداً، ولأنّه فضاءٌ ومُتّسعٌ وفيه مكانٌ للجميع، كان على الأحباب فقط أن يطلبوا منهم العودة للوراء لتسع الدائرة ما أمكن، تتوسّطها رايات ذاريات، رافقتنا بعددٍ معلومٍ وآخر لا لمدن المَعمورة، شرقاً وغرباً وبكل اللغات واللهجات طفنا بها أنحاء الدنيا وما في تواريخ الإحصاء الفرقة التمثيلية الأكثر ترحالاً بين القارات، رافقتنا الرايات بكل جلالها وإيابها وحُسن ألوانها.

ما تعرف للأخضر جلالاً، إلا إذا جالس الأحمر، فالأصفر، وتناغمت الألوان قبل الدقّات البدايات، والطار مع الآخر يؤجج سحر البداية الانطلاقة. تئن النوبة و(عبد العزيز نوبة) يضرب بالرقة المُمكنة، ثم يرفع يده أعلى فتسقط عليها قوية، فتعود تئن، والأجراس حاضرة ترن ترن، رنيناً جعل المارة خارج مسرح لماما في مدينتي الأحب (نيويورك) يتوقّفون للحظة، ثم الضربة الأخرى، وكانت أقوى، وانتظر المولع بموسيقى أقرب الى وجدانه يستمع، وينتظر فرصة للدخول. وفرقة مسرح البقعة تحيل الظهيرة يومها في المدينة الأخرى (بلتمور) غير بعيدةٍ منها (واشنطن) في الطريق إلى المعشوقة (نيويورك). خرجوا من هنا من جنينة السلطان دار اندوكا، ثم طاروا تلك المسافات الأبعد، بحورا وصحارى، مدائن وانهاراً ما بين البقعة المباركة، وذاك العرض الأول للفرجة الأحب عندي (بوتقة سنار)، (وسنار نافذة على بحر القلزم) قصيدة لسيدي وأستاذي يوسف عيدابي مؤسس المسرح الوطني السوداني، أعني الإشارات منه لضرورات النظر بالتقدير للتراث وفنون الأداء التمثيلية الشعبية، ومنها جاءت مسرحية (حصان البياحة)، أخرجها الحبيب الأستاذ المعلم محمد شريف علي، وقبلها (العصفورة والمُمثلين) أخرجها أستاذ الأساتذة فتح الرحمن عبد العزيز، وكنت بين المشخصاتية لأول عرض سوداني على خشبة مسرح عربي وقتها، والربع الأول من سبعينات القرن الماضي يمشي وأن يعود كما أعود الآن أمشي وحدي أبحث عنها نقطة البداية لتأسيس علاقات ثقافية سودانية أمريكية كانت وقتها وقبل الجهد الذي بذله المسرح الوطني مسرح البقعة أمشي مع تأزُّم السياسة والعلاقات وقتها في تلك السّنوات فيها ما فيها من أزمات تصل حدود القطيعة، لكن للفنون سحرٌ ودروبٌ سلكناها حتى احتفينا يونيو الماضي بانعقاد أول اجتماع لمجلس إدارة مركز مهدي للفنون فرع نيويورك، نعم الآن أصبح لنا مقرٌ هناك. واستكمل الحبيب الأمير حسن عيسى التجاني كافة إجراءات إشهار المركز، مؤسسة سودانية أمريكية غير ربحية، تعمل في مجالات الثقافة والفنون، بذات أهداف المركز هنا في الخرطوم والبقعة المباركة، وكان الحبيب حسن عيسى التجاني يوم زرنا أمريكا للمرة الثانية حاضراً، رتّب كل شيء، كان يومها رئيسًا للجالية السودانية في المدينة الأكبر، ونظم بعد العرض الرسمي على مسرح (لماما) للجمهور السوداني الكبير، عرضين، الأول في بداية تلك الجولة الثانية لمسرح البقعة لأمريكا، والثاني بعد عودتنا من عروض (فرجينيا ونيوجيرسي) واستضاف الفريق الكبير يومها، وظل حريصًا والأحباب هناك لتقديم كل عون. يوم تكاملت فكرة تسجيل مركز مهدي للفنون في (نيويورك) أكمل الإجراءات، ونظّم ورتّب، وأصبح للسودان أول مركز ثقافي وفني في الغرب (الأمريكي)، سيعمل مُستقبلاً لتعزيز العلاقات بين البلدين، وقد مشينا في مشوار العلاقات من عقدين نحو إنفاذ بعض البرامج، منها استضافة أول عرض مسرحي (أمريكي) في واحدة من دورات مهرجان البقعة الدولي للمسرح، ثم بعدها استضافة ثاني عرض مسرحي قدم من مدينة (سان فرانسيسكو) مع السيدة أميلي مسؤول العلاقات الدولية في مجموعة مسرح الاتصال الأمريكي TCG في (نيويورك)، ووفد فني وعلمي كبير، ضَمّ المخرج العالمي البروفيسور (درك قولدمان) من جامعة (جورج تاون) في (واشنطن)، ورئيس القسم العربي والشرق الأوسط في مكتبة (الكونغرس الأمريكي)، الصديق العالم الجليل تادرس سَمعان، وفد كبير ضم ثمانية من كبار المُبدعين من (أمريكا)، استطاعوا أن يزوروا الكثير من المُؤسّسات الثقافية والأكاديمية والإعلامية واحتفلنا بعدها بتوقيع اتفاقية التعاون بيننا، وهي التي مكّنتنا من تكرار الزيارات الفنية لتقديم العروض، أو المُشاركة في المُؤتمرات وتقديم المُحاضرات في الجامعات، وتعزيز التعاون مع مكتبة (الكونغرس الأمريكي)، استضافتني بعدها بتقديم مُحاضرتي.

 (أثر التصوُّف على المسرح المعاصر)

وانظر وأنا في الجنينة دار اندوكا، حيث أكتب نتابع مع الكثيرين أنباء عن جُهود كنا نتابعها من هناك من (واشنطن) بإعادة افتتاح المركز الثقافي الأمريكي في الخرطوم وبورتسودان والحلم يعود، تفتح المكتبة الورقية والصوتية والمرئية لأهل المعارف طلاب العلوم، وتأتي الفرق الفنية، وتُنظِّم المعارض الفنية للرسم والتلوين، والتصوير الفوتوغرافي، وتُعرض الأفلام الأجمل وعلى الجانب الآخر هناك في المدن الأمريكية وفي مقر مركز مهدي للفنون بنيويورك تقدم العروض الفنية السودانية بتنوعها، ثم كل ذلك كان للبدايات المُفعّمة بالنظر للمستقبل، يوم وقفنا في ميدان البرهانية وبعدها في دورتي نقدم الفرجة الأجمل والأقرب لي، فرجة (بين سنار وعيذاب) يوسف عيدابي وعثمان جمال الدين وعلي مهدي 

وفرجة (بوتقة سنار) وهي لي والأحباب، لي من بعد كل لي فيهما وما بعدهم.. يوم تعود العلاقات السودانية – الأمريكية لحالتها، لسيرتها الأولى، لن أنسى ولن ينسى غيري وآخرون، إنه وفي أصعب أوقات العلاقات السياسية وأكثرها تعقيداً، استضافت فرقة مسرحية أهلية، أول عرض مسرحي أمريكي بالسودان، وإنّ ذات الفرقة قدمت أول عرض مسرحي سوداني أفريقي عربي على مسرح (لماما – نيويورك) ثم عروضها الأخرى في مدن أمريكية.

أعود لها مدينتي الأحب (نيويورك) أبحث لاستكمال حوار مع جامعة (كولومبيا) ومركز دراسات السلام وحقوق الإنسان فيها، وهو مشوارٌ جديدٌ يمشي مع مشاوير سابقات مع جامعات ومؤسسات ثقافية وعلمية في أمريكا التي نعرف، وطابت ليالينا فيها الجنينة دار اندوكا وأمشي نحو مدن أخرى إن شاء الودود.

دعواتكم،،، 

المطرُ هنا من حيث لا تحتسب حاضرٌ 

والغيمُ فتّانٌ وكل الجمال 

ثم الأهم في دهليزي هذا، إن العلاقات تتكئ في الفنون والفكر والثقافة والعلوم على فهم وترحابٍ وعونٍ ودعمٍ، وكل ما من شأنه أن تصبح تلك الحكايات وغيرها مُمكنة وحادثة، بهم أصحاب السعادة السفراء، والأحباب في دوائر الخارجية الوزارة، والفكرة، والأهداف، وكل ما من شأنه يُشكِّل رأياً راجحاً. هم كانوا الشهود، سياسات وسياسة. 

وذاك دهليز آخر، يمشي بالمَحبّة، من شارع النيل إلى عواصم المعمورة. 

دنيا يصنعها الفكر البهي واللغة السليمة.

نعم هُم كذلك أيضاً.

اترك رد

error: Content is protected !!