الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

“وطن لا يقصى ولا يُباع..قراءة في خرائط المؤامرة ومخارج النجاة” – بقلم: صوت العقل السوداني

السفير د. محمد يوسف حسن

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، تتداخل فيها الخرائط الإقليمية والدولية مع الأوهام المحلية، يصبح الكلام الرصين ضرورة وطنية. ليس لإرضاء الخصوم، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن تُرسم له سكاكين التقسيم على طاولات فاخرة في أديس أبابا، وتُدفع فواتيرها في أبوظبي، ويُعيّن لها السماسرة في واشنطن.
لقد اجتمعت ثلاث قراءات، من ثلاثة أقلام، لترسم لنا الصورة كاملة. ومن واجبنا أن نجملها بالمنطق، ونمتّنها بالحجة، ونقدّمها للناس بلاغاً لا صراخاً.
أولاً: ترحيب أبوظبي.. حين تنطق البصمات
قال عبد الماجد عبد الحميد كلمةً لا تحتمل التأويل: “إذا أردت أن تعرف قيمة البيان، فانظر من هلّل له”. وقد هلّلت الإمارات.
هذا الترحيب ليس مجاملة دبلوماسية. هو “بصمة جريمة” واعتراف صريح بالملكية. من موّل الحرب بالسلاح، يموّل السلام بالبيانات. ومن دفع لتلميع وجه المليشيا، يدفع اليوم لشرعنة عودتها.
مخرجات أديس أبابا ليست أفكاراً سودانية خالصة. هي بضاعة طُلبت من أبوظبي، فصُممت في غرف مغلقة، وقُرئت على مسامع المبعوثين. والشاهد أن كل بند فيها يصب في مصلحة واحدة: إعادة تموضع المشروع الإماراتي في السودان بعد هزيمته العسكرية.
والخلاصة التي لا تُرد: كل بيان ترحب به الإمارات، هو بيان ضد السودان.
ثانياً: تشريح البنود.. من السلام إلى الاستسلام
الصحفي أسامة عبد الماجد نزع القناع عن الكلمات. فـ”توسيع الفضاء المدني” في قاموس أديس لا يعني توسيع ماعون المشاركة الذي رفضته هذه المجموعة “المنتقاة” من قبل ووصفته “بالإغراق” واغرقته بواجهاتها المزيفة الخادعة للخارج ولكن تقصد من توسيع الفضاء المدني: “العسكر للثكنات” ونزع مخالب الدولة. و”إلغاء الإجراءات التعسفية” يعني العفو عن كل من تعاون مع التمرد. و”وقف المحاكمات المتعلقة بحرب 15 أبريل” يعني دفن دماء الشهداء بلا قصاص.
أما الكارثة فهي “اللجنة التحضيرية” التي يُراد لها أن تكون فوق النيابة والقضاء. هذه ليست لجنة حوار، بل حكومة ظل قهرية. مهمتها إدارة الملفات السيادية: الجوازات، والذهب، والمحاكم، لتُسلّم مفاتيح البلاد بهدوء. ويكتمل المشهد بـ”المتابعة الأممية للمسار الأمني”، وهو الاسم المهذب للبند السابع، والملاذات الآمنة، وتقسيم دارفور.
إنها ليست خارطة طريق للسلام. إنها خريطة إحتلال ناعم، تُنفذ بأيدٍ سودانية، وأختام أممية، ومال إماراتي.
ثالثاً: وهم الإقصاء.. السلاح الذي يقتل صاحبه
وقديما قال الإمام الراحل الصادق: (من فش غبينتو..حرق مدينتو..)
وهنا يأتي صوت الحكمة من القطب السياسي السماني الوسيلة، ليضع الإصبع على الجرح الداخلي. فشعار “ما عدا المؤتمر الوطني” تحوّل من موقف سياسي إلى عقيدة عمياء.

والحقيقة التي لا تُمحى بالشعارات أن الحركة الإسلامية ليست لافتة على جدار. هي ستون عاماً من العمل الإجتماعي والدعوي، وثلاثون عاماً في الحكم. لها جذور في الأرض، وشبكات في الاقتصاد، وملايين في الوجدان الشعبي. اختزال الأزمة في اسم “المؤتمر الوطني” هو هروب من مواجهة الواقع.
والأخطر أن “الإقصاء” هو الفخ الذي نُصب لنا. فالخماسية تعلم أن المجتمع السوداني لا يقبل الإقصاء، لذلك صممت بنودها لتكون مستفزة: إما أن تقبل بإقصاء الجيش والإسلاميين، أو ترفض فتُوصف بتهمة “برفض السلام.”
والسماني يدلنا على المخرج: العدالة ليست نقيض الحوار. الدولة لا تعاقب الجماعات على هوياتها، بل تحاسب الأفراد على جرائمهم. الفارق بين الدولة والثأر أن الأولى تطلب القانون، والثاني يطلب الدم.
رابعاً: من “من نُقصي؟” إلى “كيف نحمي الدولة؟”
هذه هي الجملة المفتاحية التي يجب أن تُكتب بماء الذهب. كل مخرجات أديس تدور حول سؤال عبثي: “من نستبعد؟”. والجواب الوطني يجب أن ينتقل إلى سؤال البناء: “كيف نبني دولة لا يستطيع أحد اختطافها مرة أخرى؟”

والإجابة ليست بالشعارات، بل بشروط واضحة:

  1. عدالة انتقالية تحاكم المجرم من الدعم السريع، ومن النظام السابق، ومن قحت، بلا استثناء.
  2. استرداد الأموال العامة ممن نهبها، أياً كان انتماؤه: نظام سابق، ذهب مهرب، لجنة تمكين او حتى لو كانت تحت شعار “القومة للوطن”.
  3. تفكيك التمكين الحزبي داخل الجيش والخدمة المدنية، لكل الأحزاب.
  4. تجريم الإنقلابات كوسيلة للحكم.
  5. انتخابات حرة في أجل معلوم، داخل السودان، وصندوقها هو الحكم.
    من قبل بهذه الشروط، فهو شريك في الوطن. ومن رفضها، عزله القانون لا الهتاف.
    خامساً: السمسار والمبعوث.. وجهان لعملة واحدة

لا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى أدوات التنفيذ. المبعوث الأممي بيكا هافيستو يأتي ليمرر البيان. لكن الأخطر هو “أسعد بولس”، صهر الرئيس ترامب، المبعوث الأمريكي الخاص.
رجل سجله “تاجر شاحنات خردة في نيجيريا”. مؤهله الوحيد هو المصاهرة. ورسالته للسودان: “دمكم رخيص، نرسل لكم سمساراً من العائلة”. مهمته أن يجعل بيع السودان يبدو صفقة عائلية، وأن يضغط على القيادة لتمرير مخرجات أديس تحت لافتة “الضغوط الأمريكية”.
فأصبحنا أمام فاتورة ثلاثية: الإمارات تدفع، وهافيستو يروّج، وبولس يحصّل.

الخلاصة: بين مزبلتين.. ومخرج واحد
يا أهل السودان: أنتم اليوم بين مزبلتين. مزبلة أديس أبابا التي يراد لكم أن توقّعوا فيها على بيع وطنكم، ومزبلة التاريخ التي تنتظر كل من يخون.
والمخرج ليس في الصراخ، بل في المشروع. ليس في رفض أديس فقط، بل في طرح البديل الذي يعجزون عن رفضه: مشروع وطني جامع، لا يقصي بريئاً، ولا يعفو عن مجرم.
قولوا للخماسية: لا نريد “سلامكم” الذي يكافئ القاتل ويعاقب الجيش.
وقولوا للإمارات: ترحيبكم وصمة عار، لا شهادة حسن سيرة.
وقولوا لبولس: السودان ليس خردة لتُقيّمها في مزاد المصاهرة.
وقولوا للبرهان: التاريخ لا يذكر من استقبل المبعوثين، بل يذكر من مزّق فواتير البيع.

المعادلة بسيطة:
لا لـ”ما عدا المؤتمر الوطني”.
ولا لـ”العفو عن الجنجويد”.
نعم لـ”ما عدا المجرم”.. كائناً من كان.
هذا هو الخطاب الذي يوحد الشارع، ويحرج العدو، ويحرق ورقة المؤامرة. فالمستقبل لا تصنعه قوائم المنع، بل تصنعه قواعد العدالة. وما لم ينتصر هذا الفهم، سنظل ندور في الحلقة نفسها، تتغير فيها الوجوه، وتبقى المأساة.
إن الوطن أكبر من الإمارات، وأبقى من أديس، وأعز من أن يكون خردة في يد سمسار.

١٠ يونيو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!