
أعد المقال السفير/ د محمد يوسف حسن
في ١٣ مايو ٢٠٢٦م
في فبراير 1972 هبط ريتشارد نيكسون في بكين ليفتح ما سُمي “دبلوماسية كرة الطاولة”. كان قادماً من حرب فيتنام المستنزفة، يبحث عن مخرج مشرف وعن ورقة ضغط على موسكو.
في 2026 يهبط الرئيس الأمريكي في بكين مرة أخرى. قادماً من مستنقع إيران، بخسارة سياسية في واشنطن، وبحاجة لما كان نيكسون يبحث عنه: مخرج يحفظ ماء الوجه، وورقة ضغط على طهران وموسكو.
هل نحن أمام نيكسون 2؟ أم مجرد زيارة علاقات عامة تُخفي عجزاً استراتيجياً؟
هناك خمسة دوافع لزيارة ترامب إلى بكين .. اولا احتواء أزمة إيران وخلق مخرج سياسي بعد فشل الضغط الأقصى في دفع طهران للتفاوض بشروط واشنطن، وكلفة التدخل المباشر أصبحت باهظة سياسياً وعسكرياً. الصين هي المستورد الأول للنفط الإيراني، ولها قنوات اتصال مباشرة بطهران. واشنطن تحتاج بكين كلاعب ضاغط لتهدئة الملفين الشائكين: تخصيب اليورانيوم، وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
وثانيا إعادة ضبط التوازن الإقتصادي والتكنولوجي.
وادي السيليكون والشركات الأمريكية أدركت أن فك الإرتباط الكامل مع الصين مستحيل لأن 80% من سلاسل توريد أشباه الموصلات، والبطاريات، والمعادن النادرة تمر عبر الصين. الزيارة تهدف لاستئناف حوار التنافس المنضبط.. فتح أسواق مقابل قيود تصديرية محسوبة، وتخفيف الرسوم الجمركية التي أرهقت المستهلك الأمريكي قبل الصين.
وثالثا تهدئة جبهة المحيط الهادي وتايوان.
الخطاب الحربي حول تايوان رفع كلفة المخاطرة إلى مستوى غير مسبوق. واشنطن لا تريد حرباً الآن. الزيارة فرصة لإعادة تأسيس حواجز الأمان العسكرية والسياسية التي انهارت بعد 2022، ومنع حادث عرضي من التحول إلى صدام مباشر.
ورابع الأهداف إصلاح صورة الرئيس داخلياً، حيث أن فشل مقاربة إيران، وجمود ملف أوكرانيا، يضعفان موقف الإدارة في الداخل الأمريكي. زيارة تاريخية لبكين تمنح صورة رجل الدولة الكبير القادر على التفاوض مع القطب الصاعد. إنها زيارة علاقات عامة بقدر ما هي سياسة خارجية.
وأخيرا محاولة عزل روسيا إستراتيجياً. حيث تراهن واشنطن على فكرة قديمة هي إغراء بكين بصفقة إقتصادية وتقنية أفضل مما تقدمه موسكو. الهدف ليس تحالفاً، بل إبطاء التقارب الصيني-الروسي، ومنع تشكل كتلة متماسكة مناهضة للغرب.
*وأما الصين فهي لا تبحث عن صداقة عاطفية، بل عن ثلاث مكاسب ملموسة.. أولها تخفيف القيود التكنولوجية.. رفع بعض العقوبات على الرقائق والذكاء الإصطناعي مقابل تعهدات بالشفافية.
وثانيها تحقيق إستقرار تجاري.. تهدئة حرب الرسوم الجمركية التي تضرب الصادرات الصينية.
وثالثها ضبط السلوك الأمريكي في تايوان: التزام أمريكي أوضح بسياسة الصين الواحدة لتفادي التصعيد.
الصين ترى في الزيارة فرصة لترسيخ صورتها كقوة عاقلة مقابل فوضى واشنطن، دون أن تتخلى عن شراكتها الاستراتيجية مع موسكو.
الزيارة لن تنتج انفراجاً نيكسونياً جديداً. ظروف 1972 مختلفة جذرياً: الصين حينها كانت ضعيفة تبحث عن الاعتراف، واليوم هي قطب منافس يملك 2 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية ويصنع 80% من الرقائق الأساسية. لذلك “نيكسون ٢ لن يكون تكراراً، بل نسخة معكوسة: بكين هي التي تملك الأوراق الآن. واشنطن تأتي طالبة التهدئة، لا عارضة الاعتراف.
السيناريو الأرجح هو تهدئة مدارية.. إتفاقيات جزئية.. تهدئة مؤقتة في مضيق هرمز، تخفيف محدود للرسوم، استئناف قنوات الاتصال العسكري.
لا انفراج شامل: ملف تايوان، بحر الصين الجنوبي، ونقل التكنولوجيا سيبقى ساحة صراع. إدارة التنافس لا إنهاؤه: واشنطن وبكين تتفقان على قواعد لعبة تمنع الانهيار، لكنهما لا تلغيان اللعبة.
خلاصة القول أن الزيارة ليست لحظة نيكسون 2. هي اعتراف أمريكي بأن إدارة العالم بطريقة أحادية إمبراطورية أصبحت مكلفة وفاشلة. لكن بكين لن تمنح التهدئة مجاناً. ستحصل على تخفيف ضغط، وستحتفظ بورقة روسيا، وستبقي ملف تايوان مفتوحاً كورقة ضغط.
العالم يتجه نحو ثنائية قطبية مُدارة .. بدلاً من حرب باردة مفتوحة. إذن ليست نيكسون 2.. إنها بكين 2.





