الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

ظلّ الضحى… السلطة والثروة في حتمية الزوال

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليست الحياةُ—مهما اتّسعت أيامها، وتعاقبت فصولها—إلا مسافةً محدودة بين ميلادٍ معلوم ومصيرٍ محتوم. وما بين اللحظتين، يظن الإنسان—مدفوعًا بوهم الامتداد—أن الزمن يتسع له، وأن الفرص لا تنفد، وأن ما بين يديه باقٍ على حاله.
وكأن الإنسان لا ينسى الموت، بل يؤجل الإيمان بقربه.

غير أن الحقيقة التي لا تتبدّل، والتي يثبتها الوعي قبل التجربة، أن الحياة أقصر مما نتصوّر، وأن الباقي—بلا منازع—هو الله وحده.
هذه الحقيقة، على بساطتها، ليست تأمّلًا وجوديًا عابرًا، بل قاعدةٌ تُبنى عليها مواقف الإنسان في الدنيا، وتُقاس بها خياراته، وتُفهم من خلالها حدود ما يُعطى له من سلطانٍ أو مالٍ أو موقع. فحين يدرك الإنسان أن وجوده نفسه مؤقت، يصبح من باب أولى أن يدرك أن ما في يده من سلطة أو جاهٍ أو وظيفة، ليس إلا جزءًا من هذا المؤقت، وظلًّا من ظلاله.

ومن هنا، فإن الحكم—بكل صوره—ليس حالة دائمة، ولا امتيازًا أبديًا، بل وظيفة عامة، محدودة المهام، محدودة الزمن، تُسند إلى صاحبها ليؤديها ثم يمضي. فالرئاسة، مهما علت، والوزارة، مهما اتسعت، والوظيفة العامة، مهما تنوّعت، ليست سوى أدوارٍ في مسرح الزمن، تنتهي بانتهاء وقتها، وتبقى آثارها شاهدةً عليها، إما لها أو عليها.

وفي الوعي الشعبي السوداني، تأتي عبارة “ظلّ الضحى” أو “ضل الضحى” كما في العامية السودانية، لتختصر هذه الفلسفة ببلاغةٍ نادرة؛ فهي ليست مجرد توصيفٍ زمني، بل رؤيةٌ عميقة لطبيعة الأشياء. فالظلّ في الضحى يبدو ممتدًا، لكنه في حقيقته قصير، يتقلص سريعًا كلما اقتربت الشمس من كبد السماء. كذلك هي السلطة، تبدو في لحظتها ممتدة، لكنها في ميزان الزمن قصيرة، سرعان ما تنحسر، وتبقى بعدها الحقيقة المجردة: ماذا ترك صاحبها؟ وكيف أدّاها؟

فـ”ظلّ الضحى” في حقيقته ليس كيانًا قائمًا بذاته، بل أثرٌ تُحدثه الشمس، يتشكل بوجودها ويزول بغيابها. هو حضورٌ تابع، لا أصلٌ مستقل؛ كذلك ما في أيدي الناس من سلطانٍ أو مال، ليس حقيقةً قائمة، بل أثرٌ عابر لظروفٍ تمنحه وجوده، ثم تسلبه في لحظةٍ دون استئذان.

وكم من مواقعَ بدت راسخة، فإذا بها تتبدّل، وكم من وجوهٍ ملأت المشهد، ثم غادرت ولم يبقَ منها إلا ما قدّمت. فالتاريخ لا يحتفظ بالألقاب، بل يحتفظ بالمواقف؛ ولا يخلّد المناصب، بل يخلّد القيم التي عبّرت عنها.

إن الخطر لا يكمن في قِصر السلطة، بل في وهم طولها. حين ينسى المسؤول أن موقعه مؤقت، يتحول من خادمٍ للمصلحة العامة إلى مالكٍ لها، ومن مؤتمنٍ على الدولة إلى متصرفٍ فيها، فيختلّ الميزان، وتضيع الحدود بين الحق والسلطة، وبين الواجب والامتياز. وهنا تبدأ الانحرافات، لا من نقص القوانين، بل من غياب الوعي بحقيقة الزمن.

ولذلك، فإن أداء الوظيفة العامة—في أي مستوى—لا ينبغي أن يُقاس فقط بالكفاءة الإدارية، بل بمنظومةٍ متكاملة من الأخلاق والضمير والقيم، مدعومة بالقانون واللوائح. فالقانون يضبط السلوك، لكن الضمير يوجّهه، والقيم تمنحه معناه. ومن جمع بين هذه الثلاثة، أدّى وظيفته كما ينبغي، حتى وإن قصُر زمنها. ومن فقدها، أطال في موقعه ما شاء، فلن يطيل في أثره إلا بما يثقل عليه يوم الحساب، ويثقل به ذكره في التاريخ.

ثم إن المال—كقرينٍ للسلطة في كثير من الأحيان—لا يخرج عن هذه القاعدة. فهو الآخر “ظلّ ضحى”، يمرّ بصاحبه كما تمرّ الأيام، لا يثبت على حال، ولا يبقى لأحد. وما يظنه الإنسان رصيدًا له، قد يتحوّل إلى عبءٍ عليه، إن لم يُحسن توظيفه، ولم يضعه في مواضعه التي تنفع الناس، وتبقى بعده أثرًا حسنًا.

وفي المقابل، فإن الأثر الحقيقي لا يُقاس بما امتلك الإنسان، بل بما ترك. فكم من صاحب سلطةٍ زال ذكره بزوال منصبه، وكم من إنسانٍ عاديٍّ بقي أثره لأنه أحسن في موضعه، وأخلص في عمله، وصدق في نيّته.

ومن هنا، فإن الإنسان الواعي هو من ينظر إلى ما في يده—سلطةً كان أو مالًا أو وظيفة—بوصفه أمانةً مؤقتة، لا ملكًا دائمًا. يتعامل معها بعين المسؤولية، لا بعين التملّك، وبعقلٍ يدرك النهاية قبل البداية، فيخطّط لأثرٍ يبقى، لا لموقعٍ يزول.

إن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس بناءً شاهقًا، ولا حسابًا متخمًا، بل سيرةً نظيفة، وعدلًا أُقيم، وحقًّا أُدّي، وناسًا شهدوا له لا عليه. تلك هي الثروة التي لا تنفد، والسلطة التي لا تزول، لأنها متصلة بما هو أبقى من الزمن نفسه.

ولذا، فإن “ظلّ الضحى” ليس مجرد مثلٍ يُقال، بل درسٌ يُفهم. يذكّرنا بأن كل ما نراه طويلًا هو في حقيقته قصير، وأن كل ما نظنه ثابتًا هو إلى زوال، وأن الباقي—في نهاية المطاف—ليس إلا الله.
فالزمن لا يظلم أحدًا، لكنه يكشف الجميع. فمن وعى ذلك، عاش حياته بميزانٍ مختلف، وأدّى ما عليه بحق، وترك وراءه ما يستحق أن يُذكر. وما أقصر المسافة بين من مرّ بالسلطة… ومن مرّت به.

الأحد 26 ابريل 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!