
(1)
سألت أحد أقرباء محبوس بسجن ام دقريس بنيالا ، تحت سلطة مليشيا آل دقلو الارهابية ، فأجابني بعد لحظة صمت : (انهم يتمنون الموت كل يوم من شدة أهوال ما لاقوه وعانوه) ، وهذا وضع بالغ القسوة والبشاعة..
وقد أشار القائد المنشق علي رزق السافنا إلى جانب من ذلك وقال (إن السجن تحول إلى أداة عقاب جماعي لقادة الادارة الاهلية) ..
وفي ذاكرة المجتمعات الانسانية ، ان أكثر السجون وحشية في سوريا (صيدنايا وتدمر) وقد انتهت ، وأكثر السجون اكتظاظاً في السلفادور (مركز حبس الارهاب) واكثرها تشدداً في الحراسة سجون الدلفين الأسود بروسيا وسجن ألكاتراز بالولايات المتحدة وغوانتانامو بكوبا ، وغير ذلك من سجون العالم ، وفي الحقيقة ان سجن ام دقريس بنيالا يجمع كل هذه الانتهاكات والبشاعة والوحشية وغياب السلطة القضائية أو الرعاية الصحية ، هو حالة أقل ما يوصف بها (مقبرة للبشر وهم أحياء)..
تفيد تقارير متفرقة وشحيحة إن السجن مكتظ بأكثر من 19 ألف محبوس من قادة الادارة الاهلية والمجتمعات التى رفضت التجاوب مع مخططات واجندة آل دقلو الارهابية أو أي مشكوك في أمره ، ويضاف اليهم ما يقارب 15 ألف مواطن تم القبض عليهم في طريق الخروج من الفاشر إلى طويلة في مراحل مختلفة واكبر المجموعات وصلت للسجن بعد سيطرة المليشيا على الفاشر وبعضهم جرحى أو مرضي وكبار السن ، والموت هناك حالة مستمرة في صبيحة كل يوم ، أكثر من 30 جثة بالمرض أو الجوع أو القتل المباشر من الحراس أو أي مجموعة تهدف إلى اشباع وحشيتها للدماء..
لا زيارات ، ولا كشوفات حصر ، ولا رعاية صحية ، ناهيك عن بيئة صالحة للحد الأدنى من الحياة..
ولا احد من المنظمات العالمية أو الانسانية تتحدث عن هذه الماسأة.. دموع التماسيح غائبة عندما يتعلق الأمر بالمليشيا وجرائمها..
[(2)
على بعد 25 كيلو متر من مدينة نيالا حاضرة جنوب دارفور يقع سجن دقريس ، في مساحة 2000 متر ، بسور ارتفاعه 6 أمتار وحوله 30 عربة قتالية بكامل التسليح ، و معزول تماماً عن أي تواصل إنساني خلاف السجانين أو المتهجمين على السجن من بعض عناصر مليشيا آل دقلو الارهابية في صراعاتها المستمرة ، طيلة سيطرة مليشيا آل دقلو عليه لم يزره اي مسؤول حقوقي عالمي أو محلي أو أي مسؤول إنساني أو محامي أو طبيب أو قاض أو رب أسرة أو قريب أو صحفي ، هذا هو الحال في أعجب سجون العالم ، هل هناك ما هو اسوأ من هذا ؟
لقد شاهدنا الهياكل البشرية التي تم تحريرها من سجون المليشيا المتمردة في سوبا وفي جبل اولياء ومن مصفاة الخرطوم بالجيلي ومن وسط الخرطوم ووقف العالم والضمير الإنساني أمام تلك المشاهد المروعة..
ولا ينبغي أن يغفل ويتجاهل العالم ومنظماته ما يجري الآن في أم دقريس ، وقد شاهد لمحة من سلوك المليشيا المجرمة حين تم طرد مليشيا آل دقلو من الخرطوم وتكشفت الحقائق والوقائع المؤلمة..
وبينما كانت التقارير تتحدث عما يجري في هذا السجن الماسأوي ، فإن ما أتضح لاحقاً وفق شهادات ناجين من دوامة الموت هو اسوأ كثيراً مما رشح عن قبح وظروف قاسية ، وكشفت قيادات مليشيا آل دقلو المنشقة تفاصيل أكثر دقة عن واقع ماسأوي تتجاهل المنظمات الانسانية والحقوقية الحديث عنها ، وامام ناظريها جريمة حرب وجريمة ضد الانسانية مكتملة الأركان..
(3)
تحدثت تقارير هيومن رايتس وتش عن شهادات مرعبة في سجون مليشيا آل دقلو الارهابية ومن بينها دقريس وكوبر بنيالا وشالا بالفاشر ،
وقالت لجنة العدالة (وتفيد الشهادات بأن من بين المحتجزين شخصيات سياسية وعسكرية وأكاديمية وإعلامية بارزة، إضافة إلى مئات المدنيين من مختلف المكونات الاجتماعية في إقليم دارفور، وسط تمييز في المعاملة على أسس قبلية، حيث أُفرج عن بعض المعتقلين بناءً على وساطات اجتماعية، فيما تُرك آخرون رهن الاحتجاز دون أي إجراءات قانونية) ، بل زادت المليشيا الوضع صعوبة حين اصبح الحبس أداة للإبتزاز وطلب الفدية لمجرد اعطاء معلومة عن حال المحبوسين ومن بينهم شخصيات اجتماعية واطباء واساتذة جامعات.. فلماذا الصمت المحلي والعالمي ؟..
(4)
في سجون مليشيا آل دقلو المجرمة لا وجود للقانون الدولي الإنساني ولا القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القواعد الملزمة لحماية السجناء والمحتجزين ، وغابت كذلك المنظمات الانسانية والحقوقية والقوى المدنية ، وهذا اخفاق كببر ونفاق أكبر..
ماذا اصحاب منظمات الأمم المتحدة ومؤسساتها والمجتمع الاوربي المتشدق بحقوق الإنسان والحكومة الامريكية وهى تتباطأ في تصنيف مليشيا آل دقلو منظمة ارهابية ، وما زالت الرباعية تزعم امكانية التواصل والتعايش مع مليشيا الابادة الجماعية والتطهير العرقي ، وهى لا تستطيع أن تزور مركز احتجاز هو الاسوأ عالمياً..
(5)
لا أتوقع من حلفاء مليشيا آل دقلو مجرد الإشارة إلى هذه الماسأة الانسانية ، وقد اصبح احد ناشطيها جزءاً من مليشيا آل دقلو ، وكثير من عضويتها..
ان الواجب الإنساني والاخلاقي ومبدأ الاخوة يفرض علينا أن نجعل هذه القضية اولوية في كل لقاءات المسؤولين السودانيين مع وفود الخارج وفي مخاطبات الخارجية وتخصيص منصة خاصة لمتابعة حالاتهم ، والشروع في اجراءات قانونية وعدلية للمساءلة وتقديم قادة المليشيا إلى محكمة العدل الدولية..
ومن الواجب أن تتحرك منظماتنا الحقوقية والانسانية والجمعيات والمجتمعات لكشف وقائع هذه الجريمة ، وكشف الحقائق للرأي العام العالمي ، وكشف كل الدول والمجموعة الداعمة للمليشيا البربرية ، فهم شركاء في الجريمة..
د.ابراهيم الصديق علي
18 مايو 2026م



