الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

اليوم المليشيا… وغدًا إثيوبيا

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

في التراث العربي، ارتبطت عبارة «اليوم خمر، وغدًا أمر» بقصةٍ تُنسب إلى الملك العربي عمرو بن هند، حين بلغه مقتل أخيه، فطالبه قومه بالإسراع في الأخذ بالثأر، فأجابهم بأن لكل لحظةٍ مقتضاها، ولكل معركةٍ توقيتها، ثم عاد بعد ذلك لما اعتبره “الأمر” الذي يستوجب الحسم والتفرغ.

وتبدو هذه الحكمة القديمة حاضرةً—بصورةٍ أو بأخرى—في المشهد السوداني الراهن، مع تصاعد الحديث الرسمي والإعلامي حول الدور الإثيوبي في الحرب الدائرة بالسودان، خاصة بعد المؤتمر الصحفي الذي عقد الاسبوع الماضي، وتحدث فيه وزير الخارجية السوداني والناطق الرسمي باسم القوات المسلحة عن ما اعتبراه دعمًا ومساندةً واحتضانًا إثيوبيًا لمليشيا الدعم السريع، وهو ما أعقبه ارتفاع نبرة الخطاب السياسي والشعبي الداعي إلى مواجهة إثيوبيا والتعامل معها باعتبارها طرفًا منخرطًا في الحرب على السودان.

غير أن ترتيب المعارك لا يعني التقليل من خطورة أي خصم، كما أن تأجيل المواجهة المباشرة لا يعني إسقاطها من الحسابات. فإثيوبيا—بحكم الموقع والتاريخ والقدرات والتعقيدات المتصلة بملفات الحدود والمياه والإقليم—ليست خطرًا ثانويًا في الوعي الاستراتيجي السوداني، ولا يمكن النظر إليها بوصفها ملفًا هامشيًا أو مؤجل الأثر. لكن إدارة الصراع بين الدول لا تُبنى فقط على تحديد من يشكل التهديد، بل على تقدير التوقيت الأنسب، والوسيلة الأجدى، والمرحلة التي تحقق فيها الدولة أعلى درجات الفاعلية وأقل مستويات الاستنزاف.

ومن هنا تبرز العبارة التي قد تختصر منطق المرحلة:
“اليوم المليشيا… وغدًا إثيوبيا.”
ليس المقصود بها ترتيبًا في قيمة التهديد، وإنما ترتيبٌ في طبيعة الاشتباك وأولويات الحسم. فالسودان يخوض الآن حربًا داخلية مفتوحة تمس وجود الدولة ذاته، وتفرض على المؤسسة العسكرية والسياسية تركيزًا عاليًا للموارد والقرار والجهد الميداني. وأي انتقالٍ متسرع إلى مواجهةٍ إقليمية مباشرة في هذه اللحظة قد يؤدي إلى تشتيت القوة الوطنية، وإعادة توزيع الجهد العسكري والسياسي على مساحاتٍ أوسع من قدرة الاحتمال.

كما أن فتح جبهةٍ عسكرية مع إثيوبيا في هذا التوقيت يمنح مليشيا الدعم السريع متنفسًا موضوعيًا، حتى دون تنسيقٍ مباشر، لأن تعدد الجبهات يخفف الضغط عن الخصم الداخلي، ويطيل أمد الحرب، ويزيد الكلفة الاقتصادية والأمنية والسياسية على الدولة السودانية.

ولهذا، فإن الحكمة الاستراتيجية تقتضي التعامل مع الملف الإثيوبي باعتباره ملفًا خطيرًا ومفتوحًا، لكن بأدواتٍ متعددة المستويات، تبدأ بالمسار الدبلوماسي والسياسي والقانوني والاستخباراتي، مع الحفاظ الكامل على الجاهزية العسكرية دون الانزلاق إلى مواجهةٍ متعجلة.

فالمرحلة الحالية تتطلب من الحكومة السودانية بناء ملفٍ متكامل يثبت—بالأدلة والوقائع—أي تورط إثيوبي في دعم أو إسناد أو احتضان ممارسات مليشيا الدعم السريع، ثم نقل هذا الملف إلى المؤسسات الإقليمية والدولية، بما يعزز موقف السودان السياسي والقانوني، ويضع أي طرف داعم للمليشيا تحت ضغط العزلة والمساءلة.
كما أن إدارة هذا الملف بقدرٍ عالٍ من الانضباط السياسي تمنح السودان ميزةً مهمة؛ إذ تُظهره بوصفه دولةً تتعامل مع التهديدات بعقل الدولة لا بردود الفعل، وبحسابات المصالح العليا لا بمنطق الانفعال اللحظي.

وفي المقابل، فإن المحافظة على الجاهزية العسكرية تبقى ضرورةً لا غنى عنها. فالدبلوماسية الفاعلة تستند—في نهاية الأمر—إلى قوةٍ تحميها، وإلى قدرةٍ تجعل الرسائل السياسية ذات وزنٍ حقيقي. ولذلك فإن تأجيل المواجهة المباشرة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ضعفًا أو تراجعًا، بل كجزءٍ من إدارة التوقيت، واختيار لحظة الاشتباك التي يكون فيها السودان أكثر قدرةً على الحسم وأقل عرضةً للاستنزاف.

والتجارب التاريخية تؤكد أن بعض الدول خسرت معاركها لا بسبب ضعف الجيوش، بل بسبب سوء ترتيب الأولويات، والانجرار إلى صراعاتٍ متزامنة تُرهق الدولة وتستهلك طاقتها قبل الوصول إلى الهدف الرئيسي.

كما أن المشهد الإقليمي نفسه بالغ التعقيد؛ فالبحر الأحمر، والقرن الإفريقي، وملف سد النهضة، والتنافس الدولي على الممرات والموانئ والنفوذ، كلها تجعل أي مواجهة سودانية إثيوبية حدثًا يتجاوز حدود البلدين، وقد يفتح الباب لتقاطعاتٍ إقليمية ودولية واسعة يصعب التحكم في مساراتها لاحقًا.

ومن هنا، فإن مصلحة السودان تقتضي الحفاظ على وضوح البوصلة الاستراتيجية من حسم للتهديد الداخلي أولًا، مع إدارة التهديدات الخارجية بأعلى درجات اليقظة والاستعداد والضغط السياسي والقانوني، دون الوقوع في فخ الاستدراج إلى حربٍ متعددة الجبهات في توقيتٍ بالغ الحساسية.
فالقوة ليست في خوض كل المعارك دفعةً واحدة، بل في القدرة على ترتيبها، ومنح كل معركةٍ توقيتها الذي يخدم بقاء الدولة ويحفظ قدرتها على الانتصار.

الثلاثاء 12 مايو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!